في حكم الأضحية في الشرع | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 16 صفر 1441 هـ الموافق لـ 15 أكتوبر 2019 م



الفتوى رقم: ٨٨٥

الصنف: فتاوى الأشربة والأطعمة - الأضحية

في حكم الأضحية في الشرع

السؤال:

ما حكم الأضحية في الشرع؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فقَدِ اختلف العلماءُ في حكم الأضحية، فمذهبُ الجمهور استحبابُها خلافًا لمذهب القائلين بوجوبها على المُوسِر الذي يقدر عليها فاضلًا عن حوائجه الأصلية، وبه قال الأحنافُ وبعضُ المالكية(١)، وهو الأظهرُ ـ عندي ـ لِمَا رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ وَلَمْ يُضَحِّ فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا»(٢)، فالحديث نهى المُوسِرَ عن قربان المصلَّى إذا لم يُضَحِّ، فدلَّ على أنه تَرَك واجبًا باللزوم، فكأنَّ الصلاةَ عديمةُ الفائدةِ مع تركِ هذا الواجب، ويؤيِّده ما رواه مِخْنَفُ بنُ سُلَيْمٍ رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال بعَرَفةَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُضْحِيَةً وَعَتِيرَةً»(٣)، وقد نُسِخَتِ العتيرةُ بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ»(٤)، ولا يَلْزَم مِنْ نسخِ العتيرةِ نسخُ الأضحية؛ إذ لا تلازُمَ بين الحكمين حتَّى يَلْزَم مِنْ رفعِ أحَدِ الحكمين رفعُ الآخَر، وممَّا يرجِّح هذا القولَ ما رواه جُنْدبُ بنُ سفيان البَجَليُّ رضي الله عنه قال: «شَهِدْتُ النَّبِيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُعِدْ مَكَانَهَا أُخْرَى، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ»»(٥)، وهو ظاهرُ الوجوب، لاسيَّما مع الأمر بالإعادة(٦).

هذا، وقد استدلَّ الجمهورُ بحديثِ أمِّ سَلَمةَ رضي الله عنها أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «إِذَا رَأَيْتُمْ هِلَالَ ذِي الحِجَّةِ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ»(٧)، فإنَّ الحديث ـ عندهم ـ لا يدلُّ على وجوب الأضحية، بل غايةُ ما يدلُّ عليه استحبابُها؛ لأنَّ الواجب لا يُعَلَّق بالإرادة، كما استدلُّوا بحديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: «ثَلَاثٌ هُنَّ عَلَيَّ فَرَائِضُ، وَهُنَّ لَكُمْ تَطَوُّعٌ: الوَتْرُ وَالنَّحْرُ وَصَلَاةُ الضُّحَى»(٨)، وصرفوا أدلَّةَ المُوجِبين بحديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما قال: «شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم الأَضْحَى بِالمُصَلَّى، فَلَمَّا قَضَى خُطْبَتَهُ نَزَلَ عَنْ مِنْبَرِهِ، فَأُتِيَ بِكَبْشٍ، فَذَبَحَهُ رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم بِيَدِهِ وَقَالَ: «بِسْمِ اللهِ وَاللهُ أَكْبَرُ، هَذَا عَنِّي وَعَمَّنْ لَمْ يُضَحِّ مِنْ أُمَّتِي»»(٩)، كما استدلُّوا بالآثار المرويَّة عن أبي بكرٍ وعمر وأبي مسعودٍ رضي الله عنهم، فقَدْ أخرج عبد الرزَّاق والبيهقيُّ عن أبي سُرَيْحَةَ قال: «رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَمَا يُضَحِّيَانِ»(١٠)، وعن أبي وائلٍ قال: قال أبو مسعودٍ الأنصاريُّ رضي الله عنه: «إِنِّي لَأَدَعُ الأَضْحَى ـ وَإِنِّي لَمُوسِرٌ ـ مَخَافَةَ أَنْ يَرَى جِيرَانِي أَنَّهُ حَتْمٌ عَلَيَّ»(١١).

وما تَمسَّك به الجمهورُ مِنْ أدلَّةٍ لا يصلح لصَرْفِ أدلَّة المُخالِفين عن الوجوب، فقَدْ أجاب ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ على نُفاةِ الوجوب بقوله: «وأمَّا الأضحية فالأظهرُ وجوبُها أيضًا، فإنَّها مِنْ أعظمِ شعائر الإسلام، وهي النُّسُكُ العامُّ في جميع الأمصار، والنُّسُكُ مقرونٌ بالصلاة في قوله: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦٢ [الأنعام]، وقد قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنۡحَرۡ ٢ [الكوثر]، فأَمَر بالنَّحر كما أَمَر بالصلاة...»، ثمَّ قال: «ونُفاةُ الوجوب ليس معهم نصٌّ؛ فإنَّ عمدتهم قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ وَدَخَلَ العَشْرُ فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ»، قالوا: والواجبُ لا يُعلَّق بالإرادة. وهذا كلامٌ مُجْمَلٌ؛ فإنَّ الواجب لا يُوكَلُ إلى إرادة العبد فيقالَ: إِنْ شئتَ فافْعَلْه، بل قد يُعلَّق الواجبُ بالشرط لبيانِ حكمٍ مِنَ الأحكام كقوله: ﴿إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ [المائدة: ٦]، وقد قدَّروا فيه: «إذا أردتم القيامَ»، وقدَّروا: «إذا أرَدْتَ القراءةَ فاسْتَعِذْ»، والطهارةُ واجبةٌ والقراءةُ في الصلاة واجبةٌ، وقد قال: ﴿إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ لِّلۡعَٰلَمِينَ ٢٧ لِمَن شَآءَ مِنكُمۡ أَن يَسۡتَقِيمَ ٢٨ [التكوير]، ومشيئةُ الاستقامةِ واجبةٌ»(١٢).

أمَّا حديثُ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما فضعيفٌ، وله طُرُقٌ أخرى كُلُّها ضعيفةٌ لا تصلح للاحتجاج، فضلًا عن كونها مُعارِضةً للأحاديث الثابتة المرفوعة.

وحديثُ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما يَسَعُ معه الجمعُ بأَنْ تُحْمَل تضحيةُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم على كونها عن غير المُوسِرين مِنْ أُمَّته كما يُفيدُه قولُه: «مَنْ لَمْ يُضَحِّ مِنْ أُمَّتِي» مع قوله: «.. عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُضْحِيَةً ..».

وأمَّا الاستدلال بالآثار المرويَّة عن أبي بكرٍ وعمر وأبي مسعودٍ رضي الله عنهم في سقوطِ وجوبِ الأضحية فإنَّ الصحابة اختلفوا في حُكْمِها، والواجبُ التخيُّرُ مِنْ أقوالهم ما يُوافِقه الدليلُ وتدعِّمه الحُجَّة، وهي تشهد للقائلين بالوجوب على المُوسِر، ومِنْ جهةٍ أخرى فإنَّ الآثار المرويَّةَ موقوفةٌ مُعارِضةٌ للنصوص المرفوعة المتقدِّمة، و«المَرْفُوعُ مُقَدَّمٌ عَلَى المَوْقُوفِ» على ما هو مقرَّرٌ أُصوليًّا.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٣٠ ربيع الأوَّل ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ٠٦/ ٠٤/ ٢٠٠٨م

 


(١) انظر: «بداية المجتهد» لابن رشد (١/ ٤٢٩)، «المحلَّى» لابن حزم (٧/ ٣٥٥)، «المغني» لابن قدامة (٨/ ٦١٧)، «المجموع» للنووي (٨/ ٣٨٥)، «فتح الباري» لابن حجر (١٠/ ٣«شرح فتح القدير» لقاضي زادة (٩/ ٥١٩)، «سُبُل السلام» للصنعاني (٤/ ١٧٨).

(٢) أخرجه ابنُ ماجه في «الأضاحي» باب الأضاحي: واجبةٌ هي أم لا؟ (٣١٢٣)، وأحمد في «المسند» (٨٢٧٣)، والحاكم (٧٥٦٥) وصحَّح إسنادَه ووافقه الذهبيُّ، وحسَّنه الألبانيُّ في «تخريج مشكلة الفقر» (١٠٢)، وصحَّحه في «صحيح الجامع» (٦٤٩٠)، وانظر: «نصب الراية» للزيلعي (٤/ ٢٠٧).

(٣) أخرجه أبو داود في «الضحايا» بابُ ما جاء في إيجاب الأضاحي (٢٧٨٨)، والترمذيُّ في «الأضاحي» (١٥١٨)، والنسائيُّ في «الفَرَع والعتيرة» (٤٢٢٤)، وابنُ ماجه في «الأضاحي» باب الأضاحي: واجبةٌ هي أم لا؟ (٣١٢٥)، مِنْ حديثِ مِخْنَف بنِ سُلَيْمٍ رضي الله عنه. وقوَّاه ابنُ حجرٍ في «الفتح» (٩/ ٥٩٧)، والأرناؤوط في تحقيق «جامع الأصول» (٣/ ٣١٦)، وحسَّنه الألبانيُّ في «المشكاة» ـ التحقيق الثاني ـ (١٤٧٨).

(٤) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «العقيقة» باب الفَرَع (٥٤٧٣)، ومسلمٌ في «الأضاحي» (١٩٧٦)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٥) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الأضاحي» باب: مَنْ ذَبَح قبل الصلاةِ أعاد (٥٥٦٢)، ومسلمٌ في «الأضاحي» (١٩٦٠)، مِنْ حديث جُندب بنِ سفيان البَجَليِّ رضي الله عنه.

(٦) «السيل الجرَّار» للشوكاني (٤/ ٧٤).

(٧) أخرجه مسلمٌ في «الأضاحي» (١٩٧٧) مِنْ حديثِ أمِّ سَلَمة رضي الله عنها.

(٨) أخرجه أحمد (٢٠٥٠)، والبيهقيُّ في «الكبرى» (٤٤٥٩). قال ابنُ حجرٍ في «التلخيص الحبير» (٢/ ٤٥): «وأطلق الأئمَّةُ على هذا الحديثِ الضعفَ كأحمد والبيهقيِّ وابنِ الصلاح وابنِ الجوزيِّ والنوويِّ وغيرِهم»، وانظر: «السلسلة الضعيفة» للألباني (٦/ ٤٩٤).

(٩) أخرجه أبو داود في «الضحايا» بابٌ في الشاة يُضحَّى بها عن جماعةٍ (٢٨١٠)، والترمذيُّ في «الأضاحي» (١٥٢١)، مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما. وحسَّنه ابنُ حجرٍ في «المطالب العالية» (٣/ ٣٢)، وصحَّحه الألبانيُّ في «الإرواء» (١١٣٨).

(١٠) أخرجه عبد الرزَّاق (٨١٣٩)، والبيهقيُّ (١٩٠٣٦).

(١١) أخرجه عبد الرزَّاق (٨١٤٩)، والبيهقيُّ (١٩٠٣٨).

(١٢) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٣/ ١٦٢ ـ ١٦٣).