في عرض صور الأحياء لأغراض تعليمية | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 11 ربيع الآخر 1442 هـ الموافق لـ 27 نوفمبر 2020 م



الفتوى رقم: ٨٨٦

الصنـف: فتاوى متنوِّعة

في عرض صور الأحياء لأغراض تعليمية

السـؤال:

يقوم بعض التُّجَّار بجعلِ فيديو بِشاشةٍ كبيرةٍ في مَحَلاَّتهم التجارية يَعْرِضُ فيها رجالٌ كيفيةَ استعمال الأجهزة المعروضةِ للبيع بدونِ موسيقى قَصْدَ الإشهار، فهل هذا يُعَدُّ مِن اتِّخاذ التصاوير المحرَّمة؟ وبارَكَ اللهُ فيكم.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالأصلُ في تصوير الأحياء ـ في حَدِّ ذاته ـ أنه محرَّمٌ، وهو مِن الكبائر، بغضِّ النظر عن الغرض مِن تصويره: أهو للامتهان أم لغيره؟ ولا فَرْقَ بين ما له ظِلٌّ وما ليس له ظِلٌّ، وفي هذا المعنى مِن تحريمِ تصوير صورة الحيوان يقول صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ المُصَوِّرُونَ»(١)، ويقول: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللهِ»(٢)، ويقول صلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: قال الله تعالى: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةً، وَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً»(٣)، ويقول صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ»(٤)، وإنما حُرِّمتِ الصورةُ لِما فيها مِن ذريعةٍ للشرك ومُضاهاةٍ لخلقِ الله تعالى.

أمَّا اقتناءُ المصوَّر الذي فيه صورةُ حيوانٍ، فإِنْ كان معظَّمًا كالمعلَّق على الجدران والثوب الملبوس ونحوِه ممَّا لا يدخله الامتهانُ فحكمُه كسابِقِه، أمَّا اقتناء المصوَّر الذي فيه صُوَرُ الأحياء مُمْتهَنةً كبساطٍ يُدَاسُ أو مِخَدَّةٍ أو وسادةٍ أو كانت آيلةً إلى الامتهان فليس بحرامٍ؛ لأنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم استثنى مِن التصاوير ما كان «رَقْمًا فِي ثَوْبٍ»(٥)، وهو يدلُّ على جواز اقتناء المُمْتَهَن مِن الصُّوَر.

هذا، فإن كان عملُه التجاريُّ لخدمةِ مصلحةٍ عامَّةٍ لا تقوم إلاَّ بعرضِ صُوَرٍ عن كيفية استعمال الأجهزة المعروضةِ وهي مِن جنسِ المعلَّقات ممَّا لا يدخله الامتهانُ مع خُلُوِّها مِن مَظاهِرِ الفِتنة والموسيقى فإنه يجوز استعمالُها بقَدْرِ ما دَعَتْ إليه الحاجةُ والضرورةُ إذا لم يَجِدْ له سبيلاً مخلِّصًا سواه، لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ[الأنعام: ١١٩]، وفي القواعد «الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ المَحْظُورَاتِ وَتُقَدَّرُ بِقَدَرِهَا».

ولأنه تصويرٌ يُحتاج إليه وتقترن به فائدةٌ ومصلحةٌ متحقِّقَةٌ مع انتفاء الضرر فليست ـ والحال هذه ـ مصلحةُ بيعِ اللُّعَبِ للبنات لتدريبهنَّ مِن صِغَرهنَّ على أمرِ بيوتهنَّ وأولادهنَّ أو تقصُّدًا لتلهيةِ الصبيِّ بها مِن أجل تصويبه، أو لغرضٍ آخَرَ بأَوْلى مِن هذه المصلحة العامَّة أو الحاجية، وقد ثَبَتَ مِن حديث عائشة رضي الله عنها: «أنها كانت تلعب بالبنات»(٦)، فكان النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم يأتي لي بصواحبي يلعبن معي، وفي حديث الرُّبَيِّع بنتِ مُعَوِّذٍ رضي الله عنهما قالت: «فَكُنَّا نَصُومُهُ -أي: يوم عاشوراء- بَعْدُ وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا، وَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ العِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإِفْطَارِ»(٧).

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١ ربيع الثاني ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ٠٧/ ٠٤/ ٢٠٠٨م


(١) أخرجه البخاريُّ في «اللباس» باب عذاب المصوِّرين يوم القيامة (٥٩٥٠)، ومسلمٌ في «اللباس والزينة» (٢١٠٩)، مِن حديث عبد الله بنِ مسعودٍ رضي الله عنه.

(٢) أخرجه البخاريُّ في «اللباس» باب ما وُطئ من التصاوير (٥٩٥٤)، ومسلمٌ في «اللباس والزينة» (٢١٠٧)، مِن حديث عائشة رضي الله عنها.

(٣) أخرجه البخاري في «اللباس» باب نقض الصور (٥٩٥٣)، ومسلم في «اللباس والزينة» (٢١١١)، مِن حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(٤) أخرجه البخاريُّ «اللباس» باب: مَن صوَّر صورةً كُلِّف يومَ القيامة أَنْ ينفخ فيها الروحَ وليس بنافخٍ (٥٩٦٣)، ومسلمٌ في «اللباس والزينة» (٢١١٠)، مِن حديث ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما.

(٥) أخرجه البخاري في «اللباس» باب مَن كره القعودَ على الصورة (٥٩٥٨)، ومسلم في «اللباس والزينة» (٢١٠٦)، من حديث أبي طلحة رضي الله عنه.

(٦) أخرجه البخاري في «الأدب» باب الانبساط إلى الناس (٦١٣٠)، ومسلم في «فضائل الصحابة» (٢٤٤٠)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

(٧) أخرجه البخاري في «الصوم» باب صوم الصبيان (١٩٦٠)، ومسلم في «الصيام» (١١٣٦)، من حديث الربيِّع بنت معوِّذ بن عفراء رضي الله عنهما.