في اشتراط العوض عن الرقية | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 21 ذي الحجة 1440 هـ الموافق لـ 22 أغسطس 2019 م



الفتوى رقم: ٨٨٨

الصنف: فتاوى طبِّية

في اشتراط العوض عن الرقية

السؤال:

لقد ذكر بعض أهل العلم أنَّ الراقيَ يجوز له أَنْ يشترط جُعْلاً على رقيته؛ فالرجاء منكم توضيحًا مُفصَّلاً عن اشتراط الراقي شيئًا مِنَ المال أو غيره؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فيجوز أَخْذُ العِوَضِ على الرقية على سبيلِ الجُعالةِ إِنْ كانَتْ شرعيةً واضحةً في عباراتها ومَعانِيهَا، ولا تُشْرَعُ الرقيةُ بعباراتٍ مَنْهِيٍّ عنها أو غيرِ مفهومةٍ أو غيرِ معقولةِ المعنى خشيةَ اختلاطها بكلامِ أهل الباطل، وهذا يقتضي خُلُوَّ المُمارِس للرقية (أي: الراقي) مِنَ الصِّفاتِ القادحةِ للدِّين والعدالة، بل الواجبُ أَنْ يتحلَّى بسلامة العقيدة والالتزام بالهَدْيِ الظاهريِّ، مع استجماعِ شرائطِ الدعاء المستجاب ضِمْنَ توجُّهٍ قلبيٍّ مَليءٍ بتقوى الله والتوكُّلِ عليه والإخلاصِ له.

هذا، وإذا جاز للراقي أَنْ يأخذ الجُعْلَ على رُقْيَاهُ فإنما يَسْتَحِقُّ العِوَضَ عليها فيما اشترطه بعد إنجازِ العمل على نحوِ ما اشترطه العاقدُ، أي: بعد حصول السلامة مِنَ المرض وزوالِ أَثَرِه، ويدلُّ عليه ما أخرجه البخاريُّ مِنْ حديث ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرُّوا بِمَاءٍ فِيهِمْ لَدِيغٌ أَوْ سَلِيمٌ، فَعَرَضَ لَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ المَاءِ فَقَالَ: «هَلْ فِيكُمْ مِنْ رَاقٍ؟ إِنَّ فِي المَاءِ رَجُلًا لَدِيغًا أَوْ سَلِيمًا»، فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ عَلَى شَاءٍ فَبَرَأَ، فَجَاءَ بِالشَّاءِ إِلَى أَصْحَابِهِ فَكَرِهُوا ذَلِكَ وَقَالُوا: «أَخَذْتَ عَلَى كِتَابِ اللهِ أَجْرًا؟!» حَتَّى قَدِمُوا المَدِينَةَ فَقَالُوا: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَخَذَ عَلَى كِتَابِ اللهِ أَجْرًا»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ»»(١).

وأخرجه البخاريُّ ـ أيضًا ـ مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه: «أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَوْا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ فَلَمْ يَقْرُوهُمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ لُدِغَ سَيِّدُ أُولَئِكَ فَقَالُوا: «هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ دَوَاءٍ أَوْ رَاقٍ؟» فَقَالُوا: «إِنَّكُمْ لَمْ تَقْرُونَا، وَلَا نَفْعَلُ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا»، فَجَعَلُوا لَهُمْ قَطِيعًا مِنَ الشَّاءِ، فَجَعَلَ يَقْرَأُ بِأُمِّ القُرْآنِ وَيَجْمَعُ بُزَاقَهُ ويَتْفِلُ، فَبَرَأَ فَأَتَوْا بِالشَّاءِ، فَقَالُوا: «لَا نَأْخُذُهُ حَتَّى نَسْأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»، فَسَأَلُوهُ فَضَحِكَ وَقَالَ: «وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ خُذُوهَا وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ»»(٢).

والحديث دَلَّ على مشروعيةِ الجُعْل لإقرارِه صلَّى الله عليه وسلَّم على الاشتراط، وإسهامُهم له يدلُّ على جوازِه وإباحَتِه، وهو المعروفُ بالوعد بالجائزة، وإنما يُسْتَحَقُّ الوفاءُ بالوعد بعد إنجازِ العمل وتَحقُّقِ ما اشترط العاقدُ كما هو ظاهرٌ مِنَ الحديث، وهذا يختلفُ عن الإجارةِ مِنْ جهةِ أنَّ أَثَرَ العملِ في الجُعْل مجهولٌ؛ إذ قد يحصل البُرْءُ وقد لا يحصل، ويصحُّ الجُعْلُ مِنْ غيرِ تعيين العامل، بينما الإجارةُ يجب أَنْ يكون العملُ فيها معلومًا والعاملُ مُعيَّنًا بعينه.

هذا، وتجنُّبًا للخَلْطِ بين الجُعالةِ والإجارة، فإنَّ الرقية نوعٌ مِنَ المُداواة، والمأخوذُ عليها جُعْلٌ، والمُداواةُ يُباحُ أَخْذُ الأجرِ عليها؛ فالجُعالةُ أَوْسَعُ مِنَ الإجارة؛ ولهذا تجوز مع جهالةِ العمل والمدَّة.

قال ابنُ رشدٍ الجدُّ: «لا يجتمع الجُعْلُ والإجارة؛ لأنَّ الإجارة لا تنعقد إلَّا معلومًا في معلومٍ، والجُعْلُ يجوز في المجهول؛ فَهُما أصلان مُفْتَرِقان لافتراقِ أحكامهما»(٣).

وإذا كان استحقاقُ الراقي للعِوض بعد حصول البُرْءِ والسلامة مِنَ المرض جائزًا فلا ينبغي أَنْ يُشَدَّدَ في الاشتراط، وإنما في حدودِ الحاجة مِنْ غيرِ أَنْ يُرْهِقَ المريضَ بكُلْفَةٍ زائدةٍ، والأَوْلى أَنْ تكون رقيتُه خالصةً عن أيِّ شرطٍ أو عِوَضٍ ماليٍّ، وإِنْ أُعْطِيَ شيئًا مِنْ غيرِ اشتراطٍ أَخَذَه مِنْ غيرِ أَنْ يكون هو قَصْدَه مِنَ الرقية، بل يتقصَّدُ بها إعانةَ المسلمين ونَفْعَهم، ودَفْعَ الأذى وإزالةَ الضررِ عنهم، مع احتسابِ الأجر مِنَ الله تعالى في شفاءِ مرضى المسلمين، وإِنِ اشترط فلَا يُشدِّدْ في طَلَبِ العوض والنفقة، بل في حدودِ الحاجة وبمِقْدارِ ما تدعو إليه الضرورةُ، فإِنْ أُعْطِيَ أَكْثَرَ ردَّ إليهم ما زادَ عن الاستحقاق؛ فذلك أَقْرَبُ إلى الانتفاعِ برقيته، واللهُ تعالى كفيلٌ بالرزق والثواب.

والجديرُ بالتنبيه أنَّ على الراقي أَنْ يُعينَ إخوانَه عند الحاجة والمقدرة وبالعدل، وينبغي عليه أَنْ يَحْرِصَ على عدَمِ التكسُّب بهذا العملِ والانقطاعِ له؛ لأنَّ مِثْلَ هذا الاحترافِ لم يكن معهودًا عند سَلَفِ الأُمَّةِ ولا عند أئمَّةِ الهُدى؛ فلم يُعْرَفْ عنهم قَصْرُ جهدِهم، وإنفاقُ طاقتِهم، واستغراقُ وقتِهم، وتحبيسُ أَنْفُسِهم في مُعالَجةِ المرضى بالرُّقَى على وجهِ التفرُّغ لها، مع اشتهارِ بَعْضِهم بإجابةِ الدعاء وقيامِ المقتضي له في زَمَنِهم(٤)، وإنما كانوا يُعينون غيرَهم عند المَقْدِرةِ والحاجةِ وبالعدل كما أَمَرَ اللهُ ورسولُه، مثل الأذكارِ والأدعية ونحوِها ممَّا لا يَقْترنُ به محذورٌ شرعيٌّ؛ عملًا بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَنْفَعْهُ»(٥)، مِنْ غيرِ أَنْ يكون ذلك شاغلًا لهم عمَّا هو أَوْلَى منه أو أَوْجَبُ، وخاصَّةً إذا قام غيرُهم به، وهذا مِنْ فِقْهِهم؛ لأنَّ التعاون على البرِّ والتقوى ونَصْرَ المظلومِ مأمورٌ به بحَسَبِ الإمكان.

والعلمُ عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٤ ربيع الثاني ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٠/ ٠٤/ ٢٠٠٨م


(١) أخرجه البخاريُّ في «الطبِّ» بابُ الشرط في الرقية بقطيعٍ مِنَ الغنم (٥٧٣٧) مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما.

(٢) أخرجه البخاريُّ في «الطبِّ» بابُ الرُّقَى بفاتحةِ الكتاب (٥٧٣٦)، ومسلمٌ في «السلام» (٢٢٠١)، مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه.

(٣) «المقدِّمات الممهِّدات» لابن رشد (٢/ ١٨٢).

(٤) انظر: «الرقى» د. علي العلياني (٧٥ ـ ٨٩).

(٥) أخرجه مسلمٌ في «السلام» (٢١٩٩) مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما.