في تـقويم الاستدلال بشك الحواريين في قدرة الله على إنزال مائدة من السماء | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 12 ربيع الآخر 1441 هـ الموافق لـ 09 ديسمبر 2019 م

فضيلة الشيخ، ذكرتم في حديث القدرة أنَّ ظاهر الحديث غيرُ مرادٍ، وأنه قضية عين جزئية لا تنتهض في نقض الكُليات التي تقضي بعدم العذر بالجهل في مسائل أصول الإيمان والتوحيد، غير أنه قد أشكل علي شكُّ الحواريين ...  للمزيد

الفتوى رقم: ٩٣٥

الصنف: فتاوى العقيدة - أركان الإيمان - مسائل الإيمان

في تـقويم الاستدلال بشك الحواريين
في قدرة الله على إنزال مائدة من السماء

السؤال:

فضيلة الشيخ، ذكرتم في حديث القدرة أنَّ ظاهر الحديث غيرُ مرادٍ، وأنه قضية عين جزئية لا تنتهض في نقض الكُليات التي تقضي بعدم العذر بالجهل في مسائل أصول الإيمان والتوحيد، غير أنه قد أشكل علي شكُّ الحواريين في قُدرة الله تعالى في إنزال مائدة من السماء، وشكِّهم في صدق رسالة عيسى بن مريم عليه السلام، حيث قال الله تعالى مبيِّنًا حوار الحواريين مع نبيِّهم: ﴿إِذۡ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ هَلۡ يَسۡتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيۡنَا مَآئِدَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِۖ قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١١٢ قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأۡكُلَ مِنۡهَا وَتَطۡمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعۡلَمَ أَن قَدۡ صَدَقۡتَنَا وَنَكُونَ عَلَيۡهَا مِنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ١١٣﴾ [المائدة: ١١٣]، فالرجاء التفضُّل بإيضاح هذه المسألة المستشكلة عليّ؟ وجزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على مَن أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

ففيما أخبر الله تعالى عن الحواريِّين في قوله: ﴿هَلۡ يَسۡتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيۡنَا مَآئِدَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِۖ [المائدة: ١١٢] فإنَّ ما عليه الجمهورُ من المفسِّرين أنَّ الحواريين لم يحدث لهم شكٌّ في قدرة الله تعالى حتى يُعْذَروا، وإنما هو تلطُّفٌ في العبارة والسؤال وأدبٌ مع الله تعالى.

ووجه تقدير سؤالهم على حالتين:

الحالة الأولى: على قراءة عليٍّ وعائشة وابن عبَّاسٍ ومعاذ بن جبلٍ رضي الله عنهم، وجماعةٍ من التابعين كمجاهدٍ وسعيد بن جبيرٍ وغيرهم: «هل تَستطيع» بالتاء، «ربَّك» بنصب «ربَّ»، فيكون المعنى: هل تستطيع أن تدعوَ ربَّك وتسألَه أن يُنَزِّل مائدةً من السماء، وهي قراءة الكِسائيِّ، فلم يكن الحواريون شاكِّين أنَّ الله تعالى قادرٌ أن يُنَزِّل عليهم ذلك، وإنما قالوا ذلك لعيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام(١).

الحالة الثانية: وعلى قراءة الباقين: «هل يَستطيع ربُّك»، فإنَّ تقدير معنى السؤال: الفِعلُ والإجابةُ، وهذا مشهورٌ في كلام العرب، مثل قول الرجل لغيره: هل يستطيع فلانٌ أن يأتيَ أو يساعدني؟ وقد علمت أنه يستطيع، فيكون المعنى: هل يفعل ذلك؟ وهل يجيبني إلى ذلك؟(٢). وابن تيمية ـ رحمه الله ـ ـ في مَعْرِض بيان الاستطاعة الكونية القدرية المقارِنة للفعل التي هي مناط القضاء والقدر ـ قال: «وكذلك قول الحواريين: ﴿هَلۡ يَسۡتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيۡنَا مَآئِدَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِۖ إنما استفهموا عن هذه القدرة، وكذلك «ظنَّ يونس أن لن نقدر عليه»، [أي: فُسِّر] بالقدرة، كما يقال للرجل: هل تقدر أن تفعل كذا؟ أي: هل تفعله؟ وهو مشهورٌ في كلام الناس»(٣).

أمَّا المقصود من العلم في قوله تعالى مخبرًا عنهم: ﴿وَنَعۡلَمَ أَن قَدۡ صَدَقۡتَنَا [المائدة: ١١٣]، فلم يشكُّوا في صدق رسالة نبيِّهم عليه السلام، وإنما حصل لهم علمُ اليقين بالدليل والخبر، فأرادوا عِلْمَ معاينةٍ ونظرٍ في آيةٍ حِسِّيةٍ تطمئنُّ قلوبُهم بمشاهدتها، ويزدادون إيمانًا ويقينًا بالمعاينة التي لا يدخلها رَيبٌ ولا شُبهةٌ، فأحبُّوا الانتقالَ من عِلْم اليقين إلى عين اليقين، على مثالِ ما سأل إبراهيمُ عليه السلام ربَّه: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيۡفَ تُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ قَالَ أَوَ لَمۡ تُؤۡمِنۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطۡمَئِنَّ قَلۡبِيۖ [البقرة: ٢٦٠]، والمعلوم أنَّ العرب تضع الرؤيةَ مكان العلم، والعلمَ مكان الرؤية(٤).

فعلى مذهب الجمهور ـ إذن ـ أنَّ الحواريين لم يشكُّوا في قُدرة الله تعالى ولا في صدق نبوَّة رسولهم عليه السلام، وإنما سألوا آيةً حِسِّيَّةً تُقوِّي إيمانَهم، ويزدادون بها يقينًا وصدقًا خالصًا من شوائب الخواطر والهواجس النفسية.

وذهبت طائفةٌ من أهل العلم إلى ترجيح الشكِّ في قُدرة الله تعالى، والشكِّ في صدق رسالة نبيِّهم عليه الصلاة والسلام، وذلك في أوَّل معرفتهم قبل أن تستحكم معرفتُهم بالله تعالى، وفي شكِّهم في قدرة الله على إنزال مائدةٍ من السماء كُفرٌ، لذلك استتابهم ودعاهم إلى الإيمان به وبرسوله حيث قال: ﴿قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١١٢ [المائدة]، وهو الذي رجَّحه الطبريُّ وقوَّاه(٥).

قلت: وإن كان الصحيح من التفسيرين المذهب الأوَّل؛ لأنَّ السؤال عن استطاعته ينافي ما حَكَوْه عن أنفُسهم بقولهم: ﴿قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّنَا مُسۡلِمُونَ ١١١ [المائدة]، إلَّا أنه ليس في كِلا التفسيرين السابقين أدنى مُسكةٍ في الاحتجاج بالآية على العذر بالجهل والشكِّ في مسائل التوحيد وأصول الإيمان، ولا ما يؤيِّد ابنَ حزمٍ ـ رحمه الله ـ فيما قرَّره في «فصله»(٦)، لأنَّ الجمهور على عدم الشكِّ، وغيرهم على الاستتابة وعدمِ العذر به.

والعلمُ عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

 

الجزائر في: ٢٠ جمادى الثانية ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٤ جوان ٢٠٠٨م


 


(١) انظر: «تفسير الطبري» (٧/ ١٢٩)، «تفسير البغوي» (٢/ ٧٧)، «تفسير القرطبي» (٦/ ٢٦٤)،«تفسير ابن كثير» (٦/ ١١٢)، «تفسير الشوكاني» (٢/ ٩٢).

(٢) المصادر التفسيرية السابقة.

(٣) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٨/ ٣٧٤).

(٤) مثال وضع العلم مكانَ الرؤية قولُه تعالى ـ في تحويل القِبلة ـ: ﴿إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِۚ[البقرة: ١٤٣]، معنى لنعلم: لنرى. ومثال وضع الرؤية مكان العلم كقوله تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصۡحَٰبِ ٱلۡفِيلِ ١[الفيل]، بمعنى: ألم تعلم. [انظر: «تفسير القرطبي»(٢/ ١٥٦)].

(٥) «تفسير الطبري» (٧/ ١٣٠).

(٦) انظر: «الفصل في المِلَل والأهواء والنِّحَل» (٣/ ٢٥٣).