في حكم بيع المصحف | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 18 ذي الحجة 1440 هـ الموافق لـ 19 أغسطس 2019 م



الفتوى رقم: ٩٥٤

الصنـف: فتاوى المعاملات المالية - البيوع

في حكم بيع المصحف

السـؤال:

قرأتُ كلامًا لابن عمر رضي الله عنهما بخصوصِ بيعِ المصحف أنه يمنعه، حيث قال: «لَوَدِدْتُ أَنَّ الأَيْدِيَ قُطِعَتْ فِي بَيْعِ المَصَاحِفِ»(١) وأنه كان يمرُّ بأصحاب المصاحف فيقول: «بئس التجارة»(٢)، وقد روى عبد الله بن شقيقٍ قال: «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْرَهٌونَ بَيْعَ المَصَاحِفِ»(٣)؛ فهل معنى هذه الآثارِ عدَمُ جوازِ بيعِ المصاحف؟

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالصحيح مِن أقوال المذاهب جوازُ بيع المصحف للمسلم وعدَمُ جوازه لغير المسلم لعموم الأدلَّة القاضية بجواز التجارة والبيع، منها: قولُه تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا[البقرة: ٢٧٥]، وقولُه تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِنْكُمْ[النساء: ٢٩]، ويُستصحب هذا الأصلُ ما لم يَرِدْ دليلٌ مُفصِّلٌ مِن الشرع يقضي بتحريمٍ أو كراهةٍ، قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ[الأنعام: ١١٩]، ولو وَرَدَ التفصيلُ في تحريمه لَحَفِظَه اللهُ تعالى حتَّى تقوم به الحجَّةُ، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا[مريم: ٦٤]، ويُلْحَقُ بيعُ المصحف ـ مِن جهة القياس ـ بسائر الأموال الطاهرة المُنْتَفَع بها في جواز البيع والشراء.

أمَّا الآثار الواردة في السؤال فإنها إِنْ صحَّتْ فهي مُعارِضةٌ لعموم أدلَّةِ جواز البيع؛ لذلك يُحْمَلُ الحكمُ فيها على التجارة بالمصاحف على وجه الابتذال، المنافي للتعظيم، المُخِلِّ بشرف المصحف، المُهينِ بمنزلة كلام الله سبحانه وتعالى.

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٤ من ذي القعدة ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ١٢ نوفمبر ٢٠٠٨م


(١) أخرجه البيهقي (١١٠٦٨)، وعبد الرزَّاق في المصنَّف (١٤٥٢٥)، وابن أبي شيبة في «المصنَّف» (٢٠٢٠٩)، عن ابن عمر رضي الله عنهما. والأثر ضعَّفه الألباني في «الإرواء» (٥/ ١٣٧)، وصحَّحه زكريَّا بن غلام قادر الباكستاني في «ما صح من آثار الصحابة في الفقه» (٢/ ٩٠٦).

(٢) أخرجه عبد الرزاق في «المصنَّف» (١٤٥٢٩)، وابن أبي شيبة في «المصنَّف» (٢٠٢١٢)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١١٠٦٩)، والبغوي في «حديث علي بن الجعد» (١/ ٣٢٨)، رقم: (٢٢٤٥). 

(٣) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (١١٠٧٠)، والأثر صحَّحه النوويُّ في «المجموع شرح المهذَّب» (١٠/ ٣٨٨).