في معنى دلالة الإشارة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 24 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 23 سبتمبر 2019 م

في الصفحة [١٠٩] من «الفتح المأمول» في تعريف دليل الإشارة أنه اللازم غير المقصود وهو معلوم له للزوميته، وأخذ الناس به بعد علمه، أي: معلوم لله تعالى، فكيف يكون بعد ذلك غير مقصود؟... للمزيد

الفتوى رقم: ٩٥٣

الصنـف: فتاوى الأصول والقواعد - أصول الفقه

في معنى دلالة الإشارة

السـؤال:

في الصفحة [١٠٩] من «الفتح المأمول» في تعريف دليل الإشارة أنه اللازم غير المقصود وهو معلوم له للزوميته، وأخذ الناس به بعد علمه، أي: معلوم لله تعالى، فكيف يكون بعد ذلك غير مقصود؟ بيِّنوا لنا: غير مقصود، بارك الله فيكم.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فقد دلَّ الاستقراء على أنَّ المنطوق غير الصريح له في الدلالة على الحكم أنواع ثلاثة وهي: دلالة اقتضاء، ودلالة إيماء، ودلالة إشارة، فالاقتضاء والإيماء يرتبطان بكون اللازم مقصودًا للمتكلِّم، بينما ترتبط الإشارة بكون اللازم غير مقصود له، وعليه فدلالة الإشارة هي دلالة اللفظ على لازمٍ غير مقصود للمتكلِّم، لا يتوقَّف عليه صدق الكلام ولا صِحَّته، فيتبع اللفظ ما لم يقصد به ويبنى عليه(١)، وقد ورد في «الفتح المأمول» التمثيل له بأقل مدة الحمل: ستة أشهر من قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، مع قوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]، وقد خفي ذلك على كثير من الصحابة رضي الله عنهم حتى أدرك اللازم غير المقصود كلٌّ من عليّ وابن عباس رضي الله عنهم، واستحسنه الصحابة وارتضوه، ففي تفسير القرطبي جاء أنّ «ابن عباس قال: إذا حملت تسعة أشهر أرضعت واحدا وعشرين شهرًا، وإن حملت ستة أشهر أرضعت أربعة وعشرين شهرًا، وروي أنّ عثمان قد أتي بامرأة قد ولدت في ستة أشهر فأراد أن يقضي عليها بالحدّ، فقال له عليّ رضي الله عنه: ليس ذلك عليها، قال الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا﴾، ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فالرضاع أربعة وعشرون شهرًا، والحمل ستة أشهر، فرجع عثمان عن قوله ولم يحدّها»(٢).

ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فعبارة النصِّ القرآني تدلُّ على إباحة الأكل والشرب والجماع في جميع الليل من أيام رمضان إلى طلوع الفجر الصادق، ويدلُّ بالإشارة على من أصبح جُنُبًا فصومه في ذلك اليوم تامٌّ؛ لأنّ الله تعالى قال: ﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾ وإذا كان الجماع من أَوَّل الليل إلى آخره، فقد يطلع الفجر عليه وهو جنب؛ لأنَّ الاغتسال يكون بعد طلوع الفجر لا محالةَ، فيلزم جواز الإصباح جُنُبًا، وهذا الحكم فَهِمَه ابن عباس رضي الله عنهما(٣)، وقد حكي هذا الاستنباط عن محمَّد بن كعب القرظي من أئمَّة التابعين(٤).

ومن الأمثلة -أيضًا- قوله تعالى: ﴿وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فالآية تدلُّ على أنَّ نفقةَ الوالدات من رِزقٍ وكسوةٍ واجبةٌ على الآباء؛ لأنه من ظاهر اللفظ وسيق الكلام من أجله(٥)، وتدلُّ الآية بالإشارة على نسب الولد إلى أبيه دون أُمِّه؛ لأنه أضاف الولد إليه بحرف «اللام» التي هي للاختصاص، والاختصاص لا يكون بالمِلك إجماعًا، فكان مختصًّا به من حيث النسب.

فدلَّ اللفظ في الأمثلة السابقة على حكمٍ غير مقصودٍ ولا سيق له النصُّ، ولكنه لازم للحكم الذي سيق لإفادته الكلام وليس بظاهرٍ من كُلِّ وجه، فهي دلالة باللازم، كرجل ينظر ببصره إلى شيءٍ ويدرك مع ذلك غيرَه ببصره، فمدلول كلٍّ من العبارة والإشارة ثابت بالنصِّ، غير أنه يظهر التفاوت عند التعارض؛ لأنَّ الأول سيق الكلام من أجله، والثاني لم يسق من أجله(٦).

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٥ رجب ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ١٨/ ٠٧/ ٢٠٠٨م


(١) انظر: «المستصفى» للغزالي (٢/ ١٨٨)، «الإحكام للآمدي» (٢/ ٢٠٩)، «كشف الأسرار» للبخاري (١/ ٦٨)، «أصول السرخسي»: (١/ ٢٣٦)، «مناهج العقول» للبدخشي: (١/ ٢٣١)، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي (٣/ ٤٨٦)، «فتح الغفار» لابن نجيم: (٢/ ٤٤)، «إرشاد الفحول» للشوكاني: (١٨٧)، «نشر البنود» للعلوي: (١/ ٩٣).

(٢) «تفسير القرطبي»: (١٦/ ١٩٣).

(٣) «بداية المجتهد» لابن رشد (١/ ٢٩٤).

(٤) «شرح الكوكب المنير» للفتوحي (٣/ ٣٧٧).

(٥) «تفسير الطبري»: (٥/ ٤٣).

(٦) «كشف الأسرار» للبخاري: (١/ ٦٨)، «أصول السرخسي»: (١/ ٢٣٦).