في بيع الغاصب | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 19 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 18 سبتمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٩٦٢

الصنـف: فتاوى المعاملات المالية - البيوع

في بيع الغاصب

السـؤال:

اشترى رجلٌ قطعةَ أرضٍ، ودفع للبائعِ عُربونًا، ومَلَّكه الأرضَ، وتأخَّر التوثيق الرسميُّ للبيع، وبعد مُدَّةٍ عَلِم المشتري أنَّ صاحب القطعة الأرضية باعها بيعًا آخر لمشترٍ آخر، فهل تصرُّفه هذا يُعَدُّ صحيحًا؟ وما هو الموقف الشرعيُّ في مثل هذه المعاملات؟ وجزاكم اللهُ خيرًا.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فإذا حصل الاتفاقُ بين البائع والمشتري على وجهِ التراضي على عقدٍ مباحٍ معلومٍ للطرفين، ومقدور التسليم، فإنَّ العقد يصبح لازمًا بعد التفرُّق بالأبدان، والواجبُ على كلِّ واحدٍ الوفاءُ بالتزامه، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، والعقودُ عهودٌ، والله تعالى قال: ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء: ٣٤]، ولا يمكن لأحد الطرفين التحلُّل منه إلاَّ بعقدٍ جديدٍ آخر يجري بين الطرفين يأتي لاحقًا عن العقد الأول، ويستوي في الحكم السابق العقار والمنقول خلافًا لما عليه التقنين الوضعي من أنَّ العقار لا ينتقل إلاَّ بعقدٍ رسميٍّ مُوَثَّقٍ.

وإذا صرف النظر إلى الجانب الشرعي، ولم يتم بين الطرفين فسخ العقد، فملكية المشتري تبقى قائمة، ولا يجوز للبائع التصرُّف في ملكِ الغير إلاَّ بإذن صاحبه، ويدخل تصرف البائع في تصرف الغاصب الذي باع ملك غيره -جبرًا- من غير أن يكون مالكًا ولا مأذونًا له فيه، وفي حديث حكيم بن حزام جاء إلى النبي صَلَّى الله عليه وآله وسلم فقال: إِنَّهُ يَأْتِينِي الرَّجُلُ يَسْأَلُنِي البَيْعَ لَيْسَ عِنْدِي فَأَبِيعَهُ مِنْهُ، ثُمَّ أَبْتَاعُهُ مِنَ السُّوقِ، فَقَالَ: «لاَ تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ»(١)، فيدلُّ الحديث على أنَّ المبيعَ إذا تصرَّف فيه العاقدُ بالبيع وهو ليس مالكًا له أو ليس عنده وقتَ العقد فإنَّ البيع لا يصحُّ شرعًا، ومردودٌ عليه.

أمَّا المشتري الثاني فالأصل أن لا يبيع على بيع أخيه، ومِن بابٍ أَوْلَى يحرم شراء ملكيته من غير علم المالك وإذنه، وينتفي عنه الإثم إن لم يحصل له العلم، لكن عقده يقع باطلاً من الناحية الشرعية، وللمشتري المالك أن يستردَّ أرضَه وملكَه لأحقِّيَّته بها، فإن انتزعها من يد المشتري الثاني بالبيِّنة رجع هو بالثمن على البائع الغاصب(٢)، واشتراط الكتابة الرسمية في التقنين الوضعي إنما اتخذ في العقود على وجه الاحتياط حفاظًا على قيمة العقد، لكيلاَ يتعرَّض للنقض من غير سببٍ صحيحٍ من جهة، وتشكل الكتابة الرسمية والتوثيق بالدرجة الأولى -من جهة أخرى- موردًا ماليًّا للخزينة العامَّة عن طريق رسوم العقود المدفوعة، الأمر الذي لا ينفي صِحَّة انعقاد البيع شرعًا بدون الإجراء التوثيقي.

هذا، وإذا كانت الجهات القضائية لا تأخذ بعين الاعتبار الجانب الشرعي لهذه المسألة، ولا تعين المستحِقَّ في استرداد حَقِّهِ بالمنظور الشرعي، فإنَّ لصاحب الحقِّ الحالات التالية:

الحالة الأولى: أن يُقِرَّ المشتري الأول حيازةَ المشتري الثاني على أرضه، ويعود الأول على البائع الغاصب.

الحالة الثانية: للمشتري الأول أن يستردَّ أرضَه، ويعود المشتري الثاني بالثمن على البائع الغاصب، إن قَبِلَ التحاكم إلى الشرع، لقوله صَلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «إِذَا كَانَ الَّذِي ابْتَاعَهَا مِنَ الَّذِي سَرَقَهَا غَيْرُ مُتَّهَمٍ يُخَيَّرُ سَيِّدُهَا فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الَّذِي سُرِقَ مِنْهُ بِثَمَنِهَا وَإِنْ شَاءَ اتَّبَعَ سَارِقَهُ»(٣).

قال الخطابي: «هذا في الغصوب ونحوها إذا وجد ماله المغصوب والمسروق عند رجل كان له أن يخاصمه فيه ويأخذ عين ماله منه، ويرجع المأخوذ منه على من باعه إياه»(٤).

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٥ جمادى الثانية ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٩ جوان ٢٠٠٨م


(١) أخرجه أبو داود في «سننه» كتاب الإجارة، باب في الرجل يبيع ما ليس عنده: (٣٥٠٣)، والترمذي في «سننه» كتاب البيوع، باب ما جاء في كراهية بيع ما ليس عندك: (١٢٣٢)، والنسائي في «سننه» كتاب «البيوع»، باب بيع ما ليس عند البائع: (٤٦١٣)، وابن ماجه في «سننه» كتاب «التجارات»، باب النهي عن بيع ما ليس عندك: (٢١٨٧)، وأحمد في «مسنده»: (١٥٧٠٥)، من حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه، والحديث صحَّحه ابن الملقن في «البدر المنير»: (٦/ ٤٤٨)، والألباني في «الإرواء»: (١٢٩٢).

(٢) «شرح السنة» للبغوي: (٨/ ٢٣٢).

(٣) أخرجه النسائي في «سننه» كتاب «البيوع»، باب الرجل يبيع السلعة فيستحقُّها مستحقّ: (٤٦٨٠)، وعبد الرزاق في «المصنف»: (١٨٨٢٩)، من حديث أسيد بن حضير رضي الله عنه. والحديث صحَّحه الألباني في «السلسلة الصحيحة»: (٦٠٩).

(٤) «معالم السنن» للخطابي: (٣/ ٨٠٢).