في حكم جلوس الإمام بعد الانصراف مِن التسليم | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 16 صفر 1441 هـ الموافق لـ 15 أكتوبر 2019 م



الفتوى رقم: ٩٨٢

الصنـف: فتاوى الصلاة - أحكام الصلاة

في حكم جلوس الإمام بعد الانصراف مِن التسليم

السـؤال:

ما هي السُّنَّة في جلوس الإمام للذِّكر بعد التسليم مِن الصلاة؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالسُّنَّة للإمام بعد الفراغ مِن التسليم أَنْ ينصرف عن يمينه تارةً وعن شماله تارةً أخرى، وهو مُخَيَّرٌ بين الأمرين عملاً بالجمع بالتخيير بين حديث ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه قال: «لَقَدْ رَأَيتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيرًا يَنْصَرِفُ عَنْ يَسَارِهِ»(١)، وبين حديث أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه قال: «أَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهِ»(٢)، والجمعُ أَوْلى مِن الترجيح، وله أَنْ يستقبل الناسَ بوجهه، ويمكثَ في المسجد يسيرًا قبل انصرافه عن مجلسه، وقد ذَكَرَ ابنُ رجبٍ ـ رحمه الله ـ أنه: «كان يمكث بعد إقباله على الناسِ بوجهه لا يمكث مستقبلاً القبلة»(٣)، ويدلُّ على إقباله على الناس حديثُ سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ رضي الله عنه قال: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ»(٤)، وحديث البراء بنِ عازبٍ رضي الله عنه قال: «كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: رَبِّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ أَوْ تَجْمَعُ عِبَادَكَ»(٥)، ويدلُّ على أنه كان يجلس صَلَّى الله عليه وآله وسلَّم قبل انصرافه يسيرًا ما أخرجه مسلمٌ مِن حديث البراء بنِ عازبٍ رضي الله عنه قال: «رَمَقْتُ الصَّلاَةَ مَعَ مُحَمَّدٍ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَجَدْتُ قِيَامَهُ، فَرَكْعَتَهُ، فَاعْتِدَالَهُ بَعْدَ رُكُوعِهِ، فَسَجْدَتَهُ، فَجَلْسَتَهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، فَسَجْدَتَهُ، فَجَلْسَتَهُ مَا بَيْنَ التَّسْلِيمِ وَالانْصِرَافِ، قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ»(٦)، قال النوويُّ: «دليلٌ على أنه صلَّى الله عليه وسلَّم كان يجلس بعد التسليم شيئًا يسيرًا في مُصلَّاه»(٧).

قلت: ولعلَّهُ مقدارُ ما يستغفر ثلاثًا ثمَّ يقول: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلاَمُ وَمِنْكَ السَّلاَمُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ»(٨)، «رَبِّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ»(٩) أو نحو ذلك.

ويُستثنى في ذلك الجلوسُ بعد الفجر فيُستحبُّ للإمام أَنْ يمكث جالسًا بعد استقباله للناس إلى أَنْ تطلع الشمس، ويدلُّ عليه ما رواهُ مسلمٌ عن جابر بنِ سَمُرَة رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم: «كَانَ لاَ يَقُومُ مِنْ مُصَلاَّهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ»(١٠)، قال النوويُّ: «فيه استحبابُ الذِّكر بعد الصبح ومُلازَمةِ مجلسها ما لم يكن عذرٌ»(١١).

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢١ صفر ١٤٣٠ﻫ
الموافق ﻟ: ١٦ فيفري ٢٠٠٨م


(١) أخرجه البخاري في «الصلاة» باب الانفتال والانصراف عن اليمين والشِّمال (٨٥٢)، ومسلم في «صلاة المسافرين» (٧٠٧)، مِن حديث عبد الله بنِ مسعود رضي الله عنه.

(٢) أخرجه مسلم في «صلاة المسافرين وقصرها» (٧٠٨) مِن حديث أنسٍ رضي الله عنه.

(٣) «فتح الباري» لابن رجب كتاب «الصلاة» (٦/ ١١٦).

(٤) أخرجه البخاريُّ في «الصلاة» باب: يستقبل الإمامُ الناسَ إذا سلَّم (٨٤٥) مِن حديث سَمُرَة بنِ جندبٍ رضي الله عنه.

(٥) أخرجه مسلم في «صلاة المسافرين» (٧٠٩) من حديث البراء بنِ عازبٍ رضي الله عنهما.

(٦) أخرجه مسلمٌ في «الصلاة» (٤٧١)، من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه.

(٧) «شرح مسلم» للنووي (٤/ ١٨٨).

(٨) أخرجه مسلمٌ في «المساجد» (٥٩١) مِن حديث ثوبان رضي الله عنه.

(٩) أخرجه مسلمٌ في «صلاة المسافرين» (٧٠٩) مِن حديث البراء بنِ عازبٍ رضي الله عنهما.

(١٠) أخرجه مسلمٌ في «المساجد ومواضع الصلاة» (٦٧٠)، وفي «الفضائل» (٢٣٢٢)، مِن حديث جابر بنِ سَمُرَة رضي الله عنهما.

(١١) «شرح مسلم» للنووي (١٥/ ٧٩).