«التصفيف الرابع عشر: بيانُ معنى الإيمان (٨)» | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 18 رجب 1442 هـ الموافق لـ 02 مارس 2021 م



العقائد الإسلامية
من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية

«التصفيف الرابع عشر: بيـانُ معنى الإيمـان (٨)»

للشيخ عبد الحميد بن باديس (ت: ١٣٥٩ﻫ)

بتحقيق وتعليق د: أبي عبد المعز محمَّد علي فركوس -حفظه الله-

الثَّانِي وَالثَّلاَثُونَ: مَنْ ضَيَّعَ الأَعْمَالَ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ دَائِرَةِ الإِيمَانِ(١)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾(٢)، وَلِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ(٣) قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذَا الْتَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ»، فَقُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا القَاتِلُ فَمَا بَالُ المَقْتُولِ؟» قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ» رواه مسلم(٤).



(١) المصنِّف -رحمه الله- أراد بتضييع الأعمال: تَرْكَ المأمورات وركوب المعاصي والمحظورات كالقتل والزنا وشرب الخمر ما لم يصل إلى حدِّ الكفر أو الشرك الأكبر فإنه لا يخرج مضيِّع الأعمال من دائرة الإيمان، بل يبقى معه مُطلق الإيمان لا الإيمان المطلق، وأهل السُّنَّة متَّفقون على أنه لا يُكَفَّر أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر، قال ابن أبي العزِّ الحنفيُّ -رحمه الله- في «شرح العقيدة الطحاوية» (٣٦٠): «أنَّ أهل السنَّة متَّفقون كلُّهم على أنَّ مرتكب الكبيرة لا يكفر كفرًا ينقل عن الملَّة بالكلِّيَّة كما قالت الخوارج، إذ لو كفر كفرًا ينقل عن الملَّة لكان مرتدًّا يُقتل على كلِّ حالٍ، ولا يُقبل عفوُ وليِّ القصاص، ولا تجري الحدود في الزنا والسرقة وشرب الخمر، وهذا القول معلومٌ بطلانُه وفسادُه بالضرورة من دين الإسلام، ومتَّفقون على أنه لا يخرج من الإيمان والإسلام، ولا يدخل في الكفر، ولا يستحقُّ الخلود في النار مع الكافرين كما قالت المعتزلة، فإنَّ قولهم باطلٌ أيضًا، إذ قد جعل الله مرتكب الكبيرة من المؤمنين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] إلى أن قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨]، فلم يُخرج القاتلَ من الذين آمنوا وجعله أخًا لوليِّ القصاص، والمراد: أخوَّة الدين بلا ريبٍ.

وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] إلى أن قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]، ونصوص الكتاب والسنَّة والإجماع تدلُّ على أنَّ الزانيَ والسارق والقاذف لا يُقتل بل يقام عليه الحدُّ، فدلَّ على أنه ليس بمرتدٍّ».

ويُحتمل أنَّ المصنِّف أراد بالإضاعة تضييعَ ثواب الأعمال لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٦٤]، ولِما صحَّ من حديث ثوبان رضي الله عنه عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا» ، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللهِ صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لاَ نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لاَ نَعْلَمُ، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللهِ انْتَهَكُوهَا» [أخرحه ابن ماجه في «الزهد» باب ذكر الذنوب (٤٢٤٥) من حديث ثوبان رضي الله عنه، وصحَّحه الألباني في «الصحيحة» (٥٠٥)، و«صحيح الجامع الصغير» (٥٠٢٨).]، ولحديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه: «ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْمَنَّانُ الَّذِي لاَ يُعْطِي شَيْئًا إِلاَّ مَنَّهُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْفَاجِرِ، وَالْمُسْبِلُ إِزَارَهُ» [أخرجه مسلم في «الإيمان» (١٠٦) من حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه.].

غير أنَّ لفظ المصنِّف -عندي- لا يساعد مثل هذا المضمر، بل يعكِّر عليه جملةٌ من التعليلات والاعتراضات تتمثَّل فيما يلي:

أوَّلاً: من المعلوم أنَّ الأصل في اللفظ أن يكون مستقلاًّ بذاته لا يتوقَّف معناه على تقديرٍ ولا إضمارٍ، وإذا دار اللفظ بين أن يكون مستقلاًّ مكتفيًا بذاته أو مضمَرًا يتوقَّف معناه على تقديرٍ فإنه يُحْمَل على استقلاله وهو عدمُ التقدير لقلَّة اضطرابه كما تقرَّر ذلك أصوليًّا [انظر المصادر الأصولية التي تقرِّر هذا الأصلَ: «المحصول» للفخر الرازي (٢/ ٢/ ٥٧٤)، «الإحكام» للآمدي (١/ ٢٠، ٢٦٧)، «شرح تنقيح الفصول» للقرافي (١١٢)، «مفتاح الوصول» للتلمساني (٤٨٢)، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي (١/ ٢٩٥)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (٢٧٨).]، وعليه فيكون معنى كلام المصنِّف -في الفقرة الأولى- شاملاً للأعمال فعلاً وتركًا، وتقديره بضياع ثواب الأعمال مخالفٌ للأصل المقرَّر.

ثانيًا: إن سُلِّم -جدلاً- تقدير اللفظ ﺑ«ثواب الأعمال» فإنَّ الثواب أثرٌ عن العمل ونتيجةٌ له من حيث الجزاء، فكان الثواب فرعًا مولَّدًا من أصلٍ، فلا يمكن -والحال هذه- تقدير الثواب كأثرٍ فرعيٍّ والعدولُ عن العمل كمؤثِّرٍ أصليٍّ، فكيف يصار إلى الفرع ويُترك الأصل؟!

ثالثًا: ومن زاويةٍ ثانيةٍ فالعمل -باعتباره مؤثِّرًا- أعمُّ من أن يُحْصَرَ في ركوب المعاصي والمحارم -من جهةِ وجوبِ تركِها- دون أن يشمَلَ تضييعَ الطاعات -من جهة وجوب الفعل-، والمصنِّفُ عبَّر بلفظٍ عامٍّ شاملٍ لكلِّ عملٍ في قوله: «من ضيَّع الأعمالَ..»، ولا شكَّ أنه يشمَلُ بالدرجة الأولى تضييعَ الفعل قبل شموله للترك والكفِّ الذي هو فعلٌ، ولا يخفى -أيضًا- أنَّ «جِنْسَ فِعْلِ المَأْمُورِ بِهِ أَعْظَمُ مِنْ جِنْسِ تَرْكِ المَنْهِيِّ عَنْهُ»، وأنَّ «جِنْسَ تَرْكِ المَأْمُورِ بِهِ أَعْظَمُ مِنْ جِنْسِ فِعْلِ المَنْهِيِّ عَنْهُ»، وأنَّ المثوبة على أداء الواجبات أعظمُ من المثوبة على ترك المحرَّمات، وأنَّ العقوبة على ترك الواجبات أعظمُ من العقوبة على فعل المحرَّمات، على ما بيَّنه العلماء أتمَّ بيانٍ [انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٠/ ٨٥)، و«عدَّة الصابرين» لابن القيِّم (٤٤).]، وعليه فكيف يَعْدِل المصنِّف -رحمه الله- عن الأهمِّ إلى المهمِّ؟!

رابعًا: ومن زاويةٍ ثالثةٍ فإنَّ تفسير إضاعة الأعمال بأنها هي: الأوامر والنواهي بدون إضمارٍ على وجه الاستقلال أَوْلى من تقديرها بالثواب، لأنه هو الظاهر المتبادر إلى الذهن من حيث كونُه مستقلاًّ بنفسه يتعلَّق بأفعال المكلَّف الدنيوية، لذلك قال المصنِّف -رحمه الله-: «لم يخرج من دائرة الإيمان» بخلاف الاستظهار بالأحاديث النبوية فجاءت من حيث الجزاء الأخرويُّ، لا يتعلَّق به نصُّ المصنِّف -رحمه الله-.

خامسًا: ومن زاويةٍ أخيرةٍ فإنَّ حَمْلَ الأعمال على تضييع الأوامر والنواهي هو حملٌ على الحقيقة لأنها تستغني عن القرينة، بينما حملُه على تضييع ثواب الأعمال فهو حملٌ على المجاز لاحتياجه إلى قرينةٍ صارفةٍ عن الحقيقة، وإذا تعارضت الحقيقة مع المجاز قُدِّمت الحقيقة لأصالتها.

وهذا المعنى الحقيقيُّ يتوافق مع معنى الإضاعة في قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]، فالآية دلَّت على تركِ المأمور -من جهةٍ- لأنهم إن أضاعوا الصلاة فهُم لِما سواها من الواجبات أضيع، كما تدلُّ -من جهةٍ أخرى- على ارتكاب المنهيِّ عنه لأنهم أقبلوا على شهوات الدنيا وملاذِّها ورَضُوا بالحياة الدنيا واطمأنُّوا بها.

وإلى هذا المعنى ذهب ابن جريرٍ الطبريُّ وابن كثيرٍ رحمهما الله [انظر: «تفسير ابن جرير» (١٦/ ٩٩)، «تفسير ابن كثير» (٣/ ١٢٧).]، قال الشوكانيُّ -رحمه الله-: «والظاهر أنَّ من أخَّر الصلاةَ عن وقتها، أو ترك فرضًا من فروضها، أو شرطًا من شروطها، أو ركنًا من أركانها فقد أضاعها، ويدخل تحت الإضاعة من تركها بالمرَّة أو جحدها دخولاً أوَّليًّا» [«فتح القدير» للشوكاني (٣/ ٣٣٩).]. قلت: فهذا يدلُّ على حقيقة المعنى دون مجازه بحَمْلِه على الثواب.

وعليه فإنَّ مراد المصنِّف -رحمه الله- من تضييع الأعمال هو مطلق الترك، سواءٌ من جهة ترك المأمور أو ركوب المحرَّم والمحذور ما لم يصل إلى حدِّ الكفر أو الشرك الأكبر، فإنه لا يخرج من دائرة الإيمان، بل يبقى معه مطلق الإيمان لا الإيمان المطلق، لأنَّ هذا المعنى هو الظاهر المتبادر إلى الذهن، ولأنَّ ظواهر أخرى تؤيِّده -كما قدَّمتُ- من العموم السابق، والأصل المستقلِّ والمؤثِّر، وأنَّ العمل -الذي هو الأصل- أَوْلى من الأثر الفرعيِّ، فضلاً عن أنَّ حَمْلَه على المحتمَل المرجوح -وهو الثواب- مجازٌ مخالفٌ للحقيقة وهي أَوْلى منه من جهةٍ، ولأنه لم يَرِدْ -في حدود علمي- عن أحدٍ من العلماء حملُه على تقدير الثواب.

هذا، وقد استدلَّ المصنِّف -رحمه الله- على أنَّ فاعل كبيرة القتل لا يُخرجه ذلك من الإيمان بالآية والحديث -كما سيأتي-، أمَّا إن أراد جنس الأعمال فإنَّ لفظة «إضاعة» مجملةٌ، فقد يُراد بها ترك الأعمال كلِّيَّةً، وهو ما يُعبَّر عنه ﺑ«الترك المطلق»، وقد يراد بها عدم المحافظة عليها، وذلك بترك القيام بها على وجه التمام والكمال، وهو ما يعبَّر عنه ﺑ«مطلق الترك».

والفرق بينهما: أنَّ «الترك المطلق»: هو ما دخلت عليه اللام التي تفيد العموم والشمول ثمَّ وصف بالإطلاق، يمعنى أنه لم يتقيَّد بقيدٍ يوجب تخصيصَه من شرطٍ أو صفةٍ أو غيرهما، فهو عامٌّ متناوِلٌ لكلِّ فردٍ من أفراد العامِّ، فكان معنى الترك المطلق هو الترك بالجملة للصلاة وسائر الأعمال.

أمَّا «مطلق الترك» فالإضافة فيه ليست للعموم، بل للتمييز فهو قدرٌ مشتركٌ مطلقٌ لا عامٌّ فيصدق بفردٍ من أفراده، فكان معنى الترك عدمَ المحافظة على عملٍ أو أعمالٍ وعدم القيام بها على وجه التمام والكمال.

ويبيِّن هذا الفرقَ بين الإطلاقين قوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم -في شأن الصلاة- من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: سمعت رسول اللهَ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم يقول: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللهُ تَعَالَى مَنْ أَحْسَنَ وُضُوءَهُنَّ وَصَلاَّهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ وَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ وَخُشُوعَهُنَّ كَانَ لَهُ عَلَى اللهِ عَهْدٌ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ لَهُ عَلَى اللهِ عَهْدٌ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ»، وفي روايةٍ: «فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهِنَّ..» [أخرجه مالكٌ في «الموطَّأ» في «صلاة الليل» (١/ ١٤٥)، باب الأمر بالوتر، وأحمد في «مسنده» (٥/ ٣١٩)، وأبو داود في «الصلاة» (٢/ ١٢٩)، باب فيمن لم يوتر، من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، والحديث صحَّحه النوويُّ في «المجموع» (٣/ ١٧)، والعراقيُّ في «طرح التثريب» (٢/ ١٤٨)، والألبانيُّ في «الجامع الصغير» (٣/ ١١٤)].

فهذا الحديث صريحٌ في الفرق بين الترك المطلق وبين مطلق الترك، قال ابن تيمية -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٧/ ٦١٥): فالنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إنما أدخل تحت المشيئة من لم يحافظ عليها، لا من ترك، ونفي المحافظة يقتضي أنهم صلَّوْا ولم يحافظوا عليها..»، وقال في (٧/ ٦١٦): «فإنَّ كثيرًا من الناس بل أكثرهم في كثيرٍ من الأمصار لا يكونون محافظين على الصلوات الخمس، ولا هم تاركيها بالجملة، بل يُصلُّون أحيانًا ويَدَعون أحيانًا، فهؤلاء فيهم إيمانٌ ونفاقٌ، وتجري عليهم أحكام الإسلام الظاهرة».

هذا، والمصنِّف -رحمه الله- كان دقيقًا في اختيار لفظة «الإضاعة» بدلاً من «الترك» لِما فيها من معنى مطلق الترك، حيث إنَّ عدم المحافظة على الأعمال بالقيام بها على وجه الكمال والتمام أو بفعلها تارةً وتركِها أخرى مع الإقرار بوجوبها وفرضيتها فإنَّ هذا لا يُعَدُّ تاركًا لها، وإنما غيرَ محافظٍ عليها، أمَّا من ضيَّع أو ترك شيئًا من شعائر الإسلام وفرائضه الظاهرة جحودًا لوجوبها ومُنْكِرًا لفرضيتها فهو كافرٌ بالإجماع. [انظر «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٦١٤)، «المجموع» للنووي (٣/ ١٤)].

وفي معرض قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]، قال القرطبيُّ -رحمه الله- في تفسيره (١١/ ١٢٣) -بعد إيراد أقوال العلماء في معنى تضييع الصلاة-: «وجملة القول في هذا الباب أنَّ من لم يحافظ على كمال وضوئها وركوعها وسجودها، فليس بمحافظٍ عليها، ومن لم يحافظ عليها فقد ضيَّعها، ومن ضيَّعها فهو لِما سواها أضيع، كما أنَّ من حافظ عليها حفظ الله عليه دينه، ولا دين لمن لا صلاة له».

أمَّا تركُ المباني من الأعمال متعمِّدًا من غير جهلٍ ففي تكفير تاركها نزاعٌ مشهورٌ، وما عليه أهل السنَّة والجماعة أنَّ جنس العمل هو من حقيقة الإيمان وليس شرطًا فقط، فالإيمان هو قولٌ وعملٌ واعتقادٌ لا يصحُّ بها إلا مجتمعةً، والفرق بين الخوارج والمعتزلة الذين يقرِّرون أنَّ الإيمان: قولٌ وعملٌ واعتقادٌ، أنَّ الإيمان –عندهم- يزول بزوال العمل مطلقًا بخلاف أهل السنَّة ففيه من الأعمال ما يزول الإيمان بزواله، سواءٌ كان تركًا، كترك الشهادتين أو جنس العمل اتِّفاقًا، أو ترك الصلاة على اختلافٍ بين أهل السنَّة، أو كان فعلاً كالذبح لغير الله والسجود للصنم ونحو ذلك، والعملُ في هذا القسم شرطٌ في صحَّته، وفيه من العمل ما ينقص الإيمان بزواله ولا يزول كلِّيًّا، أي: يبقى معه مطلق الإيمان لا الإيمان المطلق، مثل الذنوب وارتكاب المحارم من غير استحلالٍ ودون الكفر، فالعمل في هذا القسم شرطٌ في كماله، قال الحكميُّ في «معارج القبول» (٢/ ٦٠٢): «إنَّ السلف لم يجعلوا كلَّ الأعمال شرطًا في الصحَّة، بل جعلوا كثيرًا منها شرطًا في الكمال، كما قال عمر بن عبد العزيز فيها: «فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان»، والمعتزلة جعلوها كلَّها شرطًا في الصحَّة».

فخلُوُّ إيمان القلب الواجب من جميع أعمال الجوارح ممتنعٌ وغير متصوَّرٍ، وضمن هذا التقرير يصرِّح ناشر مذهب السلف شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٧/ ٦١٦) بقوله: «إنَّ جنس الأعمال من لوازم الإيمان، وإنَّ إيمان القلب التامَّ بدون شيءٍ من الأعمال الظاهرة ممتنعٌ، سواءٌ جُعل الظاهر من لوازم الإيمان أو جزءًا من الإيمان».

وعليه، فإنَّ الإيمان مركَّبٌ من أجزاءٍ، والأعمال داخلةٌ في حقيقة الإيمان ومسمَّاه، وأنَّ الإيمان قولٌ وعملٌ قرينان، لا ينفع أحدهما إلاَّ بالآخر، وأنه كما لا يكون إسلامٌ بلا إيمانٍ، لا يكون إيمانٌ بلا إسلامٍ، فلا يُقبل قولٌ إلاَّ بعملٍ، ولا يُقبل عملٌ إلاَّ بقولٍ، وأنَّ تَرْكَ الفرائض ليس بمَنْزلة ركوب المحارم، وأعمال الجوارح تابعةٌ لأعمال القلوب ولازمةٌ لها فيزيد بها الإيمان وينقص.

(٢) الآية ٩ من سورة الحجرات.

استدلَّ المصنِّف بالآية على أنَّ المقتتلين من المؤمنين، والمعلوم أنَّ قتال المؤمن للمؤمن كفرٌ، ومع ذلك أمر الله تعالى بالصلح بينهما للطائفة الثالثة التي لم تشارك في القتال، فقال سبحانه: ﴿فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ٩-١٠]، فجعل الله تعالى الطائفة المصلحة إخوةً للطائفتين المقتتلتين، فكان ذلك دليلاً على أنَّ البغي لا يزيل اسم الإيمان؛ لأنَّ الله سمَّاهم مؤمنين مع كونهم باغين، وفيه دليل على أنَّ الكبائر لا تُخرج من الإيمان بل الأخوَّة الإيمانية ثابتةٌ مع المعاصي.

قال ابن كثيرٍ -رحمه الله- في «تفسيره» (٤/ ٢١١): «..فسمَّاهم مؤمنين مع الاقتتال، وبهذا استدلَّ البخاريُّ وغيره على أنه لا يخرج عن الإيمان بالمعصية وإن عظمت، لا كما يقوله الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة ونحوهم، وهكذا ثبت في «صحيح البخاري» من حديث الحسن عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: إنَّ رسول الله صلى اللهُ عليه وسَلَّم خطب يومًا ومعه على المنبر الحسن بن عليٍّ رضي الله عنهما، فجعل ينظر إليه مرَّةً وإلى الناس أخرى، ويقول: «إِنَّ هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللهَ تَعَالَى أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ»، فكان كما قال صلَّى الله عليه وسلَّم: أصلح الله تعالى به بين أهل الشام وأهل العراق بعد الحروب الطويلة والواقعات المهولة».

(٣) هو أبو بكرة نُفَيع بن الحارث، وقيل: نُفَيع بن مسروحٍ الثقفيُّ الطائيُّ، تدلَّى في حصار الطائف ببَكرةٍ، فاشتهر بأبي بكرة، وكان من فضلاء الصحابة رضي الله عنهم، وسكن البصرة وأنجب أولادًا لهم شهرةٌ، وروى عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم وروى عنه أولاده، وتوفِّي سنة ٥١ﻫ.

انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» (٧/ ١٥)، «المعارف» لابن قتيبة (٢٨٨)، «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (٨/ ٤٨٩)، «الاستيعاب» لابن عبد البرِّ (٤/ ١٦١٤)، «أسد الغابة» لابن الأثير (٥/ ١٥١)، «الكامل» لابن الأثير (٣/ ٤٨٩)، «البداية والنهاية» لابن كثير (٨/ ٥٧)، «سير أعلام النبلاء» للذهبي (٣/ ٥)، «الإصابة» لابن حجر (٣/ ٥٧١)، «شذرات الذهب» لابن العماد (١/ ٥٨)].

(٤) متَّفقٌ عليه: أخرجه البخاري في «الإيمان» (١/ ٨٤) باب ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، وفي «الديات» (١٢/ ١٩٢) باب قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾، وفي «الفتن» (١٣/ ٣١) باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما. وأخرجه مسلم في «الفتن» (١٨/ ١٠) باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، من حديث الحسن عن الأحنف بن قيسٍ عن أبي بكرة رضي الله عنه.

والمصنِّف -رحمه الله- استدلَّ بالحديث على أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم سمَّاهما مسلمَيْن مع التوعُّد بالنار، قال ابن حجرٍ في «الفتح» (١٣/ ٣٣): «ومعنى كونهما في النار أنهما يستحقَّان ذلك، ولكن أمرُهما إلى الله تعالى إن شاء عاقبهما ثمَّ أخرجهما من النار كسائر الموحِّدين، وإن شاء عفا عنهما فلم يعاقبهما أصلاً، وقيل: هو محمولٌ على من استحلَّ ذلك، ولا حجَّة فيه للخوارج، ومن قال من المعتزلة بأنَّ أهل المعاصي مخلَّدون في النار لأنه لا يلزم من قوله: فهما في النار استمرار بقائهما فيها».

وجديرٌ بالتنبيه أنَّ مقتضى ما يدلُّ عليه الحديث المذكور مِن ترك المقاتلة في فتن المسلمين وعدم الدخول في معتركها إنما يُعْمَل به عندما تكون المقاتلة بغير تأويلٍ سائغٍ، أو عند الضعف عن القتال، أو لم يظهر صاحب الحقِّ من المبطل أو كانت الطائفتان ظالمتين؛ لأنَّ الأصل وجوب نصر الحقِّ وقتال الباغين، وبهذا قال جمهور الصحابة والتابعين.

قال النوويُّ في «شرح مسلم» (١٨/ ١٠): «وقال معظم الصحابة والتابعين وعامَّة علماء الإسلام: يجب نصرُ المحقِّ في الفتن والقيامُ معه بمقاتلة الباغين، كما قال تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي..﴾ الآية، وهذا هو الصحيح، وتُتَأوَّل الأحاديث على من لم يظهر له المحقُّ أو على طائفتين ظالمتين لا تأويل لواحدةٍ منهما، ولو كان كما قال الأوَّلون لظهر الفساد واستطال أهل البغي والمبطلون».

وقال ابن حجرٍ في «فتح الباري» (١٣/ ٣٤): «لو كان الواجب في كلِّ اختلافٍ يقع بين المسلمين الهربَ منه بلزوم المنازل وكسر السيوف لَما أقيم حدٌّ ولا أُبطل باطلٌ، ولوَجَد أهل الفسوق سبيلاً إلى ارتكاب المحرَّمات مِن أخذ الأموال وسفك الدماء وسبي الحريم بأن يحاربوهم ويكفُّ المسلمون أيديَهم عنهم بأن يقولوا: هذه فتنةٌ، وقد نهينا عن القتال فيها، وهذا مخالفٌ للأمر بالأخذ على أيدي السفهاء».

... يتبع ...

 

الجزائر في: ١٥ رمضان  ١٤٢٩ﻫ
المـوافق ﻟ: ١٥ سبتمبر ٢٠٠٨م