التصفيف السادس والخمسون: [الباب الثاني عشر] عقائد الإيمان باليومِ الآخِر ـ ٤ ـ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأحد 5 شوال 1445 هـ الموافق لـ 14 أبريل 2024 م

العقائد الإسلامية
مِنَ الآيات القرآنية والأحاديث النبوية

للشيخ عبد الحميد بنِ باديس (ت: ١٣٥٩ﻫ)

بتحقيق وتعليق د: أبي عبد المعزِّ محمَّد علي فركوس ـ حفظه الله ـ

التصفيف السادس والخمسون:
[الباب الثاني عشر]
عقائد الإيمان باليومِ الآخِر
ـ ٤ ـ

[الفصل ٧٦: الصراط]

وَنُؤْمِنُ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى(١) يَضْرِبُ الصِّرَاطَ عَلَى ظَهْرِ جَهَنَّمَ فَيَمُرُّ عَلَيْهِ النَّاسُ أَجْمَعُونَ، فَيَنْتَهِي أَهْلُ الجَنَّةِ إِلَى الجَنَّةِ، وَيَسْقُطُ ـ مِنْهُ فِي النَّارِ ـ أَهْلُ النَّارِ(٢)؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِن مِّنكُمۡ إِلَّا وَارِدُهَاۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتۡمٗا مَّقۡضِيّٗا ٧١ ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيّٗا(٣) ٧٢[مريم].

ـ يُتبَع ـ



(١) ساقطةٌ مِنْ «م.ر».

(٢) مِنَ المسائل الغيبيَّة التي تأتي بعد وزن الأعمال والفراغ منها: مسألةُ الصراط والإيمان به الذي تَعرَّض له المصنِّف ـ رحمه الله ـ بالبيان، والصراطُ هو: جسرٌ ممدودٌ على متن جهنَّمَ، منصوبٌ على ظهرها يعبره الخلائقُ ـ بقدر أعمالهم ـ إلى الجنَّة؛ وعرَّفه النوويُّ ـ رحمه الله ـ في [«شرح مسلم» (٣/ ٢٠)] بقوله: «وهو جسرٌ على متن جهنَّمَ يمرُّ عليه الناسُ كُلُّهم، فالمؤمنون يَنْجُون على حسَبِ حالِهِم ـ أي: منازلهم ـ والآخَرون يسقطون فيها».

وقد بوَّب البخاريُّ ـ رحمه الله ـ في [«صحيحه» (١١/ ٤٤٤)]: «باب الصراط: جسر جهنَّمَ»؛ وشَرَح ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ ذلك في [«فتح الباري» (١١/ ٤٤٦)] بقوله: «أي: الجسر المنصوب على جهنَّمَ لعبور المسلمين عليه إلى الجنَّة».

ومِنْ مفهوم الأحاديث الصحيحة الآتية فإنَّ الصراط ممرٌّ رهيبٌ وخطيرٌ للغاية، يدلُّ على خطورته أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم يقف على جَنَباته والناسُ يعبرونه وهو يدعو: «رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ» وكذا دعاء الرُّسُل يومئذٍ [سيأتي تخريجه، انظر: (الرابط)]، وأنَّ جهنَّمَ تكون تحت الصراط المضروب على ظهرها والذي يمرُّ عليه الناسُ على قَدْرِ أعمالهم، وأنَّ الجسر عليه كلاليبُ وخطاطيفُ وحَسَكٌ مثلُ شوكِ السَّعْدان معلَّقةٌ به، تخطف الناسَ بأعمالهم: مَنْ أُمِرَتْ بخطفه منهم، فهو مَدْحَضةٌ مَزِلَّةٌ؛ ففضلًا عن دِقَّتِه فهو مُنْزَلقٌ خطيرٌ لا تثبت عليه إلَّا قدمُ مَنْ كُتِب له الثباتُ مِنْ أهل السعادة؛ فالناجون مِنْ نار جهنَّمَ متفاوتون في سرعة النجاة، فمنهم مَنْ يمرُّ عليه بسرعةٍ خاطفةٍ مدهشةٍ، ومنهم دون ذلك، حتَّى ينجوَ مَنْ ينجو ولو حبوًا على يدَيْه وركبتَيْه، ويسقط في النار الهالكون أثناءَ عبورهم إلى الجنَّة، أوبقتهم فيها أعمالُهُم.

وأكَّد هذا المعنى ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ في [«فتح الباري» (١١/ ٣٩٩)] بقوله: «الصراط جسرٌ موضوعٌ على متن جهنَّمَ، وأنَّ الجنَّةَ وراءَ ذلك، فيمرُّ عليه الناسُ ـ بحسَبِ أعمالهم ـ فمنهم الناجي وهو مَنْ زادَتْ حسناتُه على سيِّئاته أو استوَيَا أو تَجاوَز اللهُ عنه، ومنهم الساقط وهو مَنْ رَجَحَتْ سيِّئاتُه على حسناته إلَّا مَنْ تَجاوَز اللهُ عنه؛ فالساقطُ مِنَ الموحِّدين يُعذَّبُ ما شاء اللهُ ثمَّ يخرج بالشفاعة وغيرِها، والناجي قد يكون عليه تَبِعاتٌ وله حسناتٌ توازيها أو تزيد عليها؛ فيُؤخَذُ مِنْ حسناته ما يعدل تَبِعاتِه فيَخْلُصُ منها».

ويكون النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم وأمَّتُه هم أوَّلَ مَنْ يقطع الصراطَ ويمضون فيه تكريمًا وتشريفًا.

ففي مَعْرِض حديثِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم عن الشفاعة العُظْمى والمَقام المحمود وَصَف صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم الصراطَ في حديثِ أبي هريرة وحُذَيْفة بنِ اليمان رضي الله عنهم بقوله: «فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، فَيَقُومُ فَيُؤْذَنُ لَهُ، وَتُرْسَلُ الأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ، فَتَقُومَانِ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كَالبَرْقِ»، قَالَ: قُلْتُ: «بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَيُّ شَيْءٍ كَمَرِّ البَرْقِ؟» قَالَ: «أَلَمْ تَرَوْا إِلَى البَرْقِ كَيْفَ يَمُرُّ وَيَرْجِعُ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ؟ ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ، ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ وَشَدِّ الرِّجَالِ، تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ، وَنَبِيُّكُمْ قَائِمٌ عَلَى الصِّرَاطِ يَقُولُ: «رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ»، حَتَّى تَعْجِزَ أَعْمَالُ العِبَادِ، حَتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ فَلَا يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ إِلَّا زَحْفًا»، قَالَ: «وَفِي حَافَتَيِ الصِّرَاطِ كَلَالِيبُ مُعَلَّقَةٌ مَأْمُورَةٌ بِأَخْذِ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ: فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ، وَمَكْدُوسٌ فِي النَّارِ» [أخرجه مسلمٌ في «الإيمان» (٣/ ٧٠ ـ ٧٢) باب الشفاعة].

كما وَصَف النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم القيامةَ والصراط في حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه بقوله: «وَيُضْرَبُ جِسْرُ جَهَنَّمَ»، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ، وَدُعَاءُ الرُّسُلِ ـ يَوْمَئِذٍ ـ: «اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ»، وَبِهِ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، أَمَا رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ؟» قَالُوا: «بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ»، قَالَ: «فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غَيْرَ أَنَّهَا لَا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إِلَّا اللهُ، فَتَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ: مِنْهُمُ المُوبَقُ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمُ المُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو»، وفي روايةِ مسلمٍ: «وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ، وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا الرُّسُلُ، وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: «اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ»، وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، هَلْ رَأَيْتُمُ السَّعْدَانَ؟» قَالُوا: «نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ»، قَالَ: «فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا قَدْرُ عِظَمِهَا إِلَّا اللهُ، تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ: فَمِنْهُمُ المُؤْمِنُ بَقِيَ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمُ المُجَازَى حَتَّى يُنَجَّى» [مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الأذان» (٢/ ٢٩٢) بابُ فضلِ السجود، وفي «الرِّقاق» (١١/ ٤٤٤) باب الصراط: جسر جهنَّمَ، وفي «التوحيد» (١٣/ ٤١٩) بابُ قولِ الله تعالى: ﴿وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاضِرَةٌ ٢٢ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٞ ٢٣[القيامة]، ومسلمٌ في «الإيمان» (٣/ ١٧ ـ ٢٢) بابُ إثباتِ رؤية المؤمنين في الآخرة لربِّهم سبحانه وتعالى].

وممَّا يدلُّ على صفة الصراط وأهواله: حديثُ أبي سعيدٍ رضي الله عنه، وفيه أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم قال: «ثُمَّ يُؤْتَى بِالجَسْرِ فَيُجْعَلُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ»، قُلْنَا: «يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الجَسْرُ؟» قَالَ: «مَدْحَضَةٌ مَزِلَّةٌ، عَلَيْهِ خَطَاطِيفُ وَكَلَالِيبُ، وَحَسَكَةٌ مُفَلْطَحَةٌ لَهَا شَوْكَةٌ عُقَيْفَاءُ، تَكُونُ بِنَجْدٍ، يُقَالُ لَهَا: السَّعْدَانُ، المُؤْمِنُ عَلَيْهَا كَالطَّرْفِ وَكَالبَرْقِ وَكَالرِّيحِ وَكَأَجَاوِيدِ الخَيْلِ وَالرِّكَابِ؛ فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَنَاجٍ مَخْدُوشٌ، وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، حَتَّى يَمُرَّ آخِرُهُمْ يُسْحَبُ سَحْبًا» [مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «التوحيد» (١٣/ ٤٢٠) بابُ قولِ الله تعالى: ﴿وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاضِرَةٌ ٢٢ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٞ ٢٣[القيامة]، ومسلمٌ في «الإيمان» (٣/ ٢٩) بابُ رؤيةِ الله سبحانه وتعالى في الآخرة].

ومِنَ الأدلَّة القرآنيَّة الدالَّة على أنَّ الصراط جسرٌ مورودٌ يجوزه العبادُ: قولُه تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمۡ إِلَّا وَارِدُهَاۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتۡمٗا مَّقۡضِيّٗا ٧١[مريم]؛ ومعنى الورود في الآية ـ على الراجح مِنْ أقوال أهل العلم ـ هو المرورُ على الصراط، وهو مرويٌّ عن عبد الله بنِ مسعودٍ رضي الله عنه وقَتادةَ وغيرِهما مِنَ السلف، [انظر أقوالًا أخرى في: «التذكرة» للقرطبي (٤٠١)، «التخويف مِنَ النار» لابن رجب (٢٤٦)، «مَعارج القَبول» للحَكَمي (٢/ ٨٥٠)، «أضواء البيان» للشنقيطي (٤/ ٣٤٨)، والمصادر اللاحقة]؛ وبهذا القولِ تُجْمَعُ أدلَّةُ الكتاب والسُّنَّة، وقد اختاره المصنِّفُ ـ رحمه الله ـ ورجَّحه ابنُ حزمٍ ـ رحمه الله ـ في [«الفصل في المِلَل والأهواء والنِّحَل» (٤/ ٦٦)]، وابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ في [«مجموع الفتاوى» (٤/ ٢٧٩)]، وابنُ رجبٍ ـ رحمه الله ـ في [«التخويف مِنَ النار» (٢٤٦)]، والنوويُّ ـ رحمه الله ـ في [«شرح مسلم» (١٦/ ٥٨)]؛ قال الشوكانيُّ ـ رحمه الله ـ ـ مرجِّحًا هذا القولَ ـ في [«فتح القدير» (٣/ ٣٤٤)] ما نصُّه: «وقَدِ اختلف الناسُ في هذا الورود: فقِيلَ: الورودُ: الدخول، ويكون على المؤمنين بردًا وسلامًا كما كانَتْ على إبراهيمَ عليه السلام؛ وقالَتْ فرقةٌ: الورودُ هو المرور على الصراط؛ وقِيلَ: ليس الورودُ الدخولَ، إنما هو كما تقول: وَرَدْتُ البصرةَ ولم أدخلها، وقد تَوقَّف كثيرٌ مِنَ العلماء عن تحقيقِ هذا الورود وحمله على ظاهرِه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتۡ لَهُم مِّنَّا ٱلۡحُسۡنَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ عَنۡهَا مُبۡعَدُونَ ١٠١[الأنبياء]، قالوا: فلا يدخل النارَ مَنْ ضَمِن اللهُ أَنْ يُبْعِده عنها؛ وممَّا يدلُّ على أنَّ الورود لا يَستلزِمُ الدخولَ: قولُه تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدۡيَنَ[القَصص: ٢٣]؛ فإنَّ المراد: «أشرف عليه» لا أنه دَخَل فيه، ومنه قولُ زُهَيْرٍ:

فَلَمَّا وَرَدْنَ المَاءَ زُرْقًا جِمَامُهُ     وَضَعْنَ عِصِيَّ الحَاضِرِ المُتَخَيِّمِ

ولا يخفى أنَّ القول بأنَّ الورود هو المرورُ على الصراط أو الورودُ على جهنَّمَ وهي خامدةٌ: فيه جمعٌ بين الأدلَّة مِنَ الكتاب والسُّنَّة؛ فينبغي حملُ هذه الآيةِ على ذلك؛ لأنه قد حَصَل الجمعُ بحمل الورود على دخول النار مع كون الداخل مِنَ المؤمنين مُبْعَدًا مِنْ عذابها، أو بحمله على المُضِيِّ فوق الجسر المنصوب عليها وهو الصراطُ».

وقد رجَّح ابنُ أبي العزِّ رحمه الله ـ أيضًا ـ القولَ بأنَّ الورود يرادُ به: المرورُ على الصراط في [«شرح الطحاويَّة» (٤٧١)] بقوله: «واختلف المفسِّرون في المراد بالورود المذكورِ في قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمۡ إِلَّا وَارِدُهَا[مريم: ٧١]: ما هو؟ والأظهرُ والأقوى: أنه المرور على الصراط، قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيّٗا ٧٢[مريم]، وفي الصحيح أنه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَلِجُ النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ»، قالَتْ حفصةُ: فقلتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَيْسَ اللهُ يَقُولُ: ﴿وَإِن مِّنكُمۡ إِلَّا وَارِدُهَا﴾؟» فقال: «أَلَمْ تَسْمَعِيهِ قَالَ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيّٗا ٧٢[مريم]» [أخرجه ابنُ ماجه في «الزهد» (٢/ ١٤٣١) بابُ ذِكْرِ البعث، وأحمد في «مسنده» (٦/ ٢٨٥). وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح ابنِ ماجه» (٤٢٨١)]: أشار صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم إلى أنَّ ورود النار لا يَستلزِمُ دخولَها، وأنَّ النجاة مِنَ الشرِّ لا تَستلزِمُ حصولَه، بل تَستلزِمُ انعقادَ سببه، فمَنْ طَلَبه عدوُّه ليُهْلِكوه ولم يتمكَّنوا منه يُقال: نجَّاه اللهُ منهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا هُودٗا[هود: ٥٨]، ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا صَٰلِحٗا[هود: ٦٦]، و﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا شُعَيۡبٗا[هود: ٩٤]، ولم يكن العذابُ أصابهم، ولكِنْ أصاب غيرَهم؛ ولولا ما خصَّهم اللهُ به مِنْ أسباب النجاة لَأصابهم ما أصاب أولئك.

وكذلك حالُ الوارد في النار، يمرُّون فوقها على الصراط، ثمَّ ينجِّي اللهُ الذين اتَّقَوْا ويَذَرُ الظالمين فيها جِثِيًّا؛ فقَدْ بيَّن صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم في حديثِ جابرٍ المذكور: أنَّ الورود هو الورودُ على الصراط».

وممَّا يدلُّ على ثبوت الصراط ـ أيضًا ـ بالدليل القرآنيِّ: الإشارةُ إليه في حديثِ عائشةَ رضي الله عنها قالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَوۡمَ تُبَدَّلُ ٱلۡأَرۡضُ غَيۡرَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ[إبراهيم: ٤٨]: «فَأَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ ـ يَوْمَئِذٍ ـ يَا رَسُولَ اللهِ؟» فَقَالَ: «عَلَى الصِّرَاطِ» [أخرجه مسلمٌ في «صفة القيامة والجنَّة والنار» (١٧/ ١٣٤) بابٌ في البعث والنشور وصِفَةِ الأرض يومَ القيامة].

هذا، وأهلُ السُّنَّة مُجْمِعون على وجوب الإيمان بالصراط، وأنه حقيقيٌّ محمولٌ على ظاهره دون تأويلٍ؛ لثبوته بالقرآن الكريم والسُّنَّة النبويَّة الصحيحة الدالَّة على صفته، واعتقادِ أنَّ ما أثبتَتْه النصوصُ الشرعيَّة يجب التسليمُ به على أنه حقٌّ لا مِراءَ فيه ولا جِدالَ؛ قال ابنُ أبي العزِّ ـ رحمه الله ـ في [«شرح الطحاويَّة» (٤٦٩)]: «ونؤمن بالصراط، وهو جسرٌ على جهنَّمَ، إذا انتهى الناسُ بعد مُفارَقتهم مكانَ الموقف إلى الظلمة التي دون الصراط، كما قالَتْ عائشةُ رضي الله عنها: «إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم سُئِلَ: «أَيْنَ النَّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ؟» فَقَالَ: «هُمْ فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الجِسْرِ»» [أخرجه مسلمٌ ـ بهذا اللفظ ـ في «الحيض» (٣/ ٢٢٦) بابُ بيانِ صِفَةِ منيِّ الرجل والمرأة، وأنَّ الولد مخلوقٌ مِنْ مائهما، لكنَّه مِنْ حديثِ ثوبان مولى رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم. أمَّا حديثُ عائشةَ فقَدْ تَقدَّم لفظُه وتخريجُه، انظر: (الرابط)]؛ وفي هذا الموضع يفترق المنافقون عن المؤمنين ويتخلَّفون عنهم، ويسبقهم المؤمنون ويُحالُ بينهم بسورٍ يمنعهم مِنَ الوصول إليهم؛ وروى البيهقيُّ بسنده عن مسروقٍ عن عبد الله قال: «يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَةِ»، إلى أَنْ قال: «فَيُعْطَوْنَ نُورَهُمْ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ»، قال: «فَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نُورَهُ مِثْلَ الجَبَلِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نُورَهُ فَوْقَ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نُورَهُ مِثْلَ النَّخْلَةِ بِيَمِينِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى دُونَ ذَلِكَ بِيَمِينِهِ، حَتَّى يَكُونَ آخِرُ مَنْ يُعْطَى نُورَهُ عَلَى إِبْهَامِ قَدَمِهِ، يُضِيءُ مَرَّةً وَيَطْفَأُ مَرَّةً، إِذَا أَضَاءَ قَدَّمَ قَدَمَهُ، وَإِذَا طَفِئَ قَامَ»، قال: «فَيَمُرُّ وَيَمُرُّونَ عَلَى الصِّرَاطِ، وَالصِّرَاطُ كَحَدِّ السَّيْفِ دَحْضٌ مَزِلَّةٌ، فَيُقَالُ لَهُمُ: امْضُوا عَلَى قَدْرِ نُورِكُمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَانْقِضَاضِ الكَوْكَبِ، وَمِنْهُمْ كَالرِّيحِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالطَّرْفِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَشَدِّ الرَّجُلِ يَرْمُلُ رَمَلًا، فَيَمُرُّونَ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ، حَتَّى يَمُرَّ الَّذِي نُورُهُ عَلَى إِبْهَامِ قَدَمِهِ، تَخِرُّ يَدٌ وَتَعْلَقُ يَدٌ، وَتَخِرُّ رِجْلٌ وَتَعْلَقُ رِجْلٌ، وَتُصِيبُ جَوَانِبَهُ النَّارُ»، قال: «فَيَخْلُصُونَ، فَإِذَا خَلَصُوا قَالُوا: الحَمْدُ للهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنْكَ بَعْدَ أَنْ أَرَانَاكَ، لَقَدْ أَعْطَانَا اللهُ مَا لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ»، الحديث [أورده ابنُ كثيرٍ في «البداية والنهاية» (٢/ ٨٤) مِنْ طريق البيهقيِّ عن شيخه الحاكم، وهو في «المستدرك» (٢/ ٣٧٦)، مِنْ حديثِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في تخريجه على «شرح العقيدة الطحاويَّة» (٤٧٠)]».

وليس للمُنْكِرين للصراط مِنَ المعتزلة والإباضيَّة ـ سواءٌ منهم مَنْ أنكره مطلقًا أو مَنْ أنكر صفاتِه الواردةَ في الشرع وأرجعها إلى مَعانٍ أخرى بتأويلاتٍ باطلةٍ ـ ليس لهم ما يتمسَّكون به لا العقلُ ولا النقلُ، [انظر: «شرح الأصول الخمسة» للقاضي عبد الجبَّار (٧٣٧، ٧٣٨)، «الإرشاد» للجويني (٣٧٩)، «لوامع الأنوار البهيَّة» للسفَّاريني (٢/ ١٩٢)، «آراء الخوارج» لطالبي (١٨٠)]؛ فخالفوا الكتابَ والسُّنَّةَ والجماعة، وردُّوا الآياتِ والأحاديثَ الواردة في الورود وفي الشفاعة والمَقام المحمود، والأدلَّةُ السمعيَّة والإجماعُ حجَّةٌ عليهم.

وفي سياقِ بيانِ إطباقِ أهل الحقِّ على إثبات الصراط، قال النوويُّ ـ رحمه الله ـ في [«شرح مسلم» (٣/ ٢٠)]: «وقد أجمعَ السلفُ على إثباته»؛ وقد نَقَل السفَّارينيُّ ـ رحمه الله ـ في [«لوامع الأنوار البهيَّة» (٢/ ١٩٢ ـ ١٩٣)] اتِّفاقَ كلمةِ أهل الحقِّ على إثبات الصراط في الجملة، ثمَّ قال: «والحقُّ أنَّ الصراط وَرَدَتْ به الأخبارُ الصحيحة، وهو محمولٌ على ظاهره بغير تأويلٍ كما ثَبَت في الصحيحين والمسانيدِ والسُّنَن والصِّحاح ممَّا لا يُحْصى إلَّا بكلفةٍ مِنْ أنه جسرٌ مضروبٌ على متن جهنَّمَ يمرُّ عليه جميعُ الخلائق، وهم في جوازه مُتفاوِتون».

وللصراط تفاصيلُ أخرى مُختلَفٌ فيها أذكر منها:

ـ الاختلاف في وصف الصراط وكيفيَّةِ المرور عليه.

ـ الاختلاف في مرور جميع الخَلْق على الصراط.

وأتعرَّض للمسألتين فيما يلي:

أوَّلًا: الاختلاف في وصفِ الصراط وكيفيَّةِ المرور عليه:

اختلف العلماء ـ في هذه المسألةِ ـ على قولين رئيسَيْن وهما:

١ ـ ذَهَب الجمهورُ منهم إلى أنَّ الصراط ـ وبغضِّ النظر عن أنه مُنزَلَقٌ لا تثبت عليه قدمٌ ـ فهو ـ أيضًا ـ موصوفٌ بأنه أحَدُّ مِنَ السيف وأدَقُّ مِنَ الشعرة، واستدلُّوا على صِفَةِ الدِّقَّة والحِدَّةِ بأحاديثَ وآثارٍ صحيحةِ السند أو صحيحة المعنى منها:

ما تَقدَّم عن ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه مرفوعًا: «وَالصِّرَاطُ كَحَدِّ السَّيْفِ دَحْضٌ مَزِلَّةٌ» [تقدَّم تخريجه، انظر: (الرابط)].

ومنها حديثُ عائشةَ رضي الله عنها أنَّ رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم قال: «وَلِجَهَنَّمَ جِسْرٌ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ، عَلَيْهِ كَلَالِيبُ وَحَسَكٌ يَأْخُذُونَ مَنْ شَاءَ اللهُ» [أخرجه أحمد في «مسنده» (٦/ ١١٠). وضعَّف إسنادَه شعيب الأرناؤوط في تحقيق «المسند» (٤١/ ٣٠٣)].

وحديثُ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه أنه قال: «بَلَغَنِي أَنَّ: الجِسْرَ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ، وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ» [رواه مسلمٌ في «الإيمان» (٣/ ٣٤) بابُ رؤيةِ الله سبحانه وتعالى في الآخرة].

وحديثُ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه قال: «يُوضَعُ الصِّرَاطُ عَلَى سَوَاءِ جَهَنَّمَ مِثْلَ حَدِّ السَّيْفِ المُرْهَفِ» [أخرجه الطبرانيُّ في «المُعْجَم الكبير» (٩/ ٢٣٠) برقم: (٨٩٩٢). وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الترغيب» (٣/ ٤٤٦)].

وهذه الأحاديث والآثار تفيد صحَّةَ وصفِ الصراط بالدقَّة والحِدَّة، وقد قوَّاها الجمهورُ واعتقدوا ثبوتَها وصِحَّتَها، ومِنْ أقوالهم:

قول النوويِّ ـ رحمه الله ـ في [«شرح مسلم» (٣/ ٢٠)]: «وأصحابُنا المتكلِّمون وغيرُهم مِنَ السلف يقولون: إنَّ الصراط أدَقُّ مِنَ الشعرة وأحَدُّ مِنَ السيف كما ذَكَره أبو سعيدٍ الخُدْريُّ رضي الله عنه».

وقولُ السفَّارينيِّ ـ رحمه الله ـ في [«لوامع الأنوار» (٢/ ١٩٠)]: «قال العلماء: الصراطُ أدَقُّ مِنَ الشعرة، وأحَدُّ مِنَ السيف، وأَحْمى مِنَ الجمرة».

وقولُ القرطبيِّ كما سيأتي قريبًا.

٢    ـ وذَهَب فريقٌ مِنْ أهل العلم إلى إنكارِ كون الصراطِ أدَقَّ مِنَ الشعرةِ وأحَدَّ مِنَ السيف، وبه قال الحَليميُّ، وتابعه في ذلك البيهقيُّ ونَقَله عنه، وهو قولُ العزِّ بنِ عبد السلام وتلميذِه القرافيِّ وجماعةٍ؛ قال السفَّارينيُّ في [«لوامع الأنوار البهيَّة» (٢/ ١٩٣)]: «وأَنكرَ العلَّامةُ القرافيُّ كونَ الصراطِ أدَقَّ مِنَ الشعر وأحَدَّ مِنَ السيف، وسَبَقه إلى ذلك شيخُه العزُّ بنُ عبد السلام».

وعلَّل إنكارَه أنه يُحْمَلُ على غيرِ ظاهره لمُنافاته للأحاديث الأُخَرِ مِنْ قيام الملائكة على جَنَبَتَيْه، وكونِ الكلاليب والحَسَك فيه، وإعطاءِ كُلٍّ مِنَ المارِّين عليه مِنَ النور قَدْرَ موضعِ قدَمَيْه، ولأنَّ المدلول اللغويَّ للصراط يُفيد: الطريقَ العريض؛ ويُؤيِّد ذلك: إخبارُ النبي صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم عنه بأنه: «دَحْضٌ مَزِلَّةٌ» [تقدَّم تخريجه، انظر: (الرابط، والرابط)]، ولا يكون كذلك إلَّا في الطريق الواسع.

ونَقَل القرطبيُّ ـ رحمه الله ـ في [«التذكرة» (٢/ ٤٠٠)] تعليلاتِ هذا الفريقِ مِنْ أهل العلم وتأويلاتِه المجرَّدة عن الدليل ولم يوافق عليها؛ فقال ـ رحمه الله ـ ما نصُّه: «ذَهَب بعضُ مَنْ تَكلَّم على أحاديثِ هذا الباب في وصفِ الصراط بأنه أدَقُّ مِنَ الشعر وأحَدُّ مِنَ السيف: أنَّ ذلك راجعٌ إلى يُسْرِه وعُسْرِه على قَدْرِ الطاعات والمعاصي، ولا يعلم حدودَ ذلك إلَّا اللهُ تعالى لخفائها وغموضها، وقد جَرَتِ العادةُ بتسميةِ الغامض الخفيِّ: دقيقًا؛ فضُرِبَ المَثَلُ له بدِقَّةِ الشعر؛ فهذا ـ واللهُ أعلمُ ـ مِنْ هذا الباب.

ومعنى قوله: «وأحَدُّ مِنَ السيف»: أنَّ الأمر الدقيق الذي يصعد مِنْ عند الله تعالى إلى الملائكة في إجازة الناس على الصراط يكون في نفاذِ حدِّ السيف ومُضِيِّه؛ إسراعًا منهم إلى طاعته وامتثاله، ولا يكون له مَرَدٌّ كما أنَّ السيف إذا نَفَذَ بحِدَّةٍ وقوَّةٍ ضاربةٍ في شيءٍ لم يكن له بعد ذلك مَرَدٌّ.

وأمَّا أَنْ يقال: إنَّ الصراط نَفْسَه أحَدُّ مِنَ السيف وأدَقُّ مِنَ الشعر؛ فذلك مدفوعٌ بما وُصِف مِنْ أنَّ الملائكةَ يقومون بجنبَيْه، وأنَّ فيه كلاليبَ وحَسَكًا، أي: أنَّ مَنْ يمرُّ عليه يقع على بطنه، ومنهم مَنْ يَزِلُّ ثمَّ يقوم؛ وفيه أنَّ مِنَ الذين يمرُّون عليه مَنْ يُعْطى النورَ بقدر موضع قدميه؛ وفي ذلك إشارةٌ إلى أنَّ للمارِّين عليه موطئَ الأقدام؛ ومعلومٌ أنَّ دِقَّةَ الشعر لا يحتمل هذا كُلَّه؛ وقال بعضُ الحُفَّاظ: إنَّ هذه اللفظةَ ليسَتْ بثابتةٍ».

هذا، ويتَّضِح ـ على ضوءِ ما تَقدَّم ـ أنه ليس لنُفاةِ صفةِ الحِدَّةِ والدِّقَّةِ عن الصراط مِنْ حجَّةٍ سوى الاستبعادِ العقليِّ لِأَنْ يمضيَ الناسُ عليه مرورًا بهذه الكيفيَّة.

ولا يخفى أنه لا يَمتنِعُ على الله مِنْ شيءٍ؛ فهو ـ سبحانه ـ قادرٌ على استيعابِ الخَلْق وتمريرهم على الصراط وهو بهذه الصفة؛ فإنَّ قدرة الله لا يحدُّها حدٌّ، واللهُ على كُلِّ شيءٍ قديرٌ، هذا مِنْ جهةٍ؛ ومِنْ جهةٍ أخرى فإنَّ الاستبعاد العقليَّ مبنيٌّ على قياسِ أمورِ الآخرة على أمور الدنيا، وهو ـ بلا شكٍّ ـ قياسٌ مع ظهور الفرق؛ للاختلاف الحاصل بين عالَمِ الغيب وعالَمِ الشهادة.

أمَّا استبعادُ صفةِ الصراط واستحالةُ المشي عليه ـ عقلًا ـ بحجَّةِ دِقَّتِه وحِدَّتِه فهو تأويلٌ بعيدٌ كما صرَّح به السفَّارينيُّ ـ رحمه الله ـ في [«لوامع الأنوار البهيَّة» (٢/ ١٩٣)]، وعدَّه مِنَ الخرافات؛ لوجوبِ حملِ النصوص على حقائقها، ثمَّ قال: «وليس العبورُ على الصراط بأعجبَ مِنَ المشي على الماء، أو الطيران في الهواء، أو الوقوف فيه» [انظر ـ أيضًا ـ: «الإرشاد» للجويني (٣٧٩ ـ ٣٨٠)].

وقد ردَّ القرطبيُّ ـ رحمه الله ـ في [«التذكرة» (٢/ ٤٠١)] مَزاعِمَ مَنِ استبعد ـ عقلًا ـ وَصْفَ الصراط بأنه دقيقٌ وحادٌّ لا يمكن أَنْ يَعْبُرَ الخَلْقُ عليه بقوله: «ما ذَكَره هذا القائلُ مردودٌ بما ذكَرْنا مِنَ الأخبار، وأنَّ الإيمان يجب بذلك، وأنَّ القادر على إمساك الطير في الهواء قادرٌ على أَنْ يمسك عليه المؤمنَ فيُجْرِيَه أو يُمْشِيَه، ولا يُعْدَلُ عن الحقيقةِ إلى المجاز إلَّا عند الاستحالة، ولا استحالةَ في ذلك للآثار الواردة في ذلك وثباتِها بنقلِ الأئمَّة العدول، ﴿وَمَن لَّمۡ يَجۡعَلِ ٱللَّهُ لَهُۥ نُورٗا فَمَا لَهُۥ مِن نُّورٍ ٤٠[النور]».

·     ثانيًا: الاختلاف في مرور جميع الخَلْق على الصراط.

وإذا كان الصراط منصوبًا لعبور الأُمَم عليه فهل عبورُ الناسِ له كافَّةً، أم يستثنى بعضُ الخَلْق مِنَ المرور عليه؟ فقَدِ اختلف العلماءُ في ذلك على أقوالٍ؛ ولا يخفى أنَّ مَنْ حَمَل مسألةَ الورود المتقدِّمةَ على الورود على الصراط عمَّم حُكْمَ المرورِ على الجميع.

والصحيح الراجح: التفصيل، ووجهُه: أنَّ المعلوم أنَّ المؤمن والمنافق مِنْ هذه الأمَّةِ وغيرِها كُلُّهم يعبدون اللهَ وَحْدَه في الظاهر؛ غير أنَّ التمييز بين الصادق والمنافق الكاذب يومَ القيامة هو في امتناع المنافقين مِنَ السجود، كما يمتاز المؤمنون عنهم بالنور الذي يُقْسَمُ لهم يومَ القيامة، [انظر: «التخويف مِنَ النار» لابن رجب (٢٣٧)].

فهؤلاء ممَّنْ كان يعبد اللهَ تعالى في الظاهر يمرُّون على الصراط، غير أنَّ مَنْ عدا المؤمنين فلا يستمرُّون في عبورهم له، بل يتساقطون في النار، تخطفهم كلاليبُ معلَّقةٌ مأمورةٌ بأخذِ مَنْ أُمِرَتْ به، كُلُّ واحدٍ في الموضع الذي شاء اللهُ له.

وحقيقٌ بالتنبيه والملاحظة أنَّ المصنِّف ـ رحمه الله ـ ذَكَر أنَّ الصراط الذي يُضْرَبُ على ظهرِ جهنَّمَ يمرُّ عليه الناسُ أجمعون، كذا بالعموم المؤكَّد مِنْ غيرِ استثناءٍ، والصحيحُ في ذلك أنه يُستثنى مِنْ هذا العمومِ: مَنْ يدخل الجنَّة بغير حسابٍ، والكُفَّارُ والمشركون، وبالأخصِّ جبابرتُهم وعُتاتُهم وغُلاتُهم المعاندون وغيرُهم؛ فإنَّ عُنُقَ النار تلتقطهم، فينطوي عليهم فيقذفهم في غَمَرات جهنَّمَ، وذلك قبل اجتياز الأمم على الصراط إهانةً لهم وتعذيبًا؛ ويدلُّ عليه: حديثُ أبي هريرة رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «تَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَهَا عَيْنَانِ تُبْصِرَانِ وَأُذُنَانِ تَسْمَعَانِ وَلِسَانٌ يَنْطِقُ، يَقُولُ: إِنِّي وُكِّلْتُ بِثَلَاثَةٍ، بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، وَبِكُلِّ مَنْ دَعَا مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ، وَبِالمُصَوِّرِينَ» [أخرجه الترمذيُّ في «صفة جهنَّمَ» (٤/ ٧٠١) بابُ ما جاء في صفة النار. والحديثُ صحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الترمذي» (٣/ ٢٥) وفي «السلسلة الصحيحة» (٢/ ٢٥) رقم: (٥١٢)، ثمَّ قال: «قد رواه فراسٌ ـ أيضًا ـ عن عطيَّةَ عن أبي سعيدٍ مِثْلَه، إلَّا أنه قال: «وَبِمَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ» مكانَ: «وَبِالمُصَوِّرِينَ»، وزاد: «فَيَنْطَوِي عَلَيْهِمْ فَيَقْذِفُهُمْ فِي غَمَرَاتِ جَهَنَّمَ»، أخرجه أحمد (٣/ ٤٠)، والبزَّار نحوَه، وقال: «فَتَنْطَلِقُ بِهِمْ قَبْلَ سَائِرِ النَّاسِ بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ» مكانَ زيادةِ أحمد كما في «الترغيب» (٣/ ٢٠٤)»].

قال ابنُ رجبٍ ـ رحمه الله ـ في [«التخويف مِنَ النار» (٢٣٥)]: «واعْلَمْ أنَّ الناس مُنْقسِمون إلى مؤمنٍ يعبد الله وَحْدَه ولا يُشْرِك به شيئًا، ومُشْرِكٍ يعبد مع الله غيرَه؛ فأمَّا المشركون فإنهم لا يمرُّون على الصراط، وإنما يَقَعون في النار قبل وضعِ الصراط».

وقد احتجَّ ابنُ رجبٍ ـ رحمه الله ـ على ذلك بحديثِ أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم أنه قال: «يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَقُولُ: «مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْهُ»، فَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ، وَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ القَمَرَ القَمَرَ، وَيَتَّبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: «أَنَا رَبُّكُمْ»، فَيَقُولُونَ: «نَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ، هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ»، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ تَعَالَى فِي صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ: «أَنَا رَبُّكُمْ»، فَيَقُولُونَ: «أَنْتَ رَبُّنَا»، فَيَتَّبِعُونَهُ، وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ، وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا الرُّسُلُ، وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: «اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ»» الحديث [تقدَّم تخريجه، انظر: (الرابط)]؛ وقد أشار الحافظ ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ في [«فتح الباري» (١١/ ٤٥٢)] إلى أنَّ الكُفَّار يُقْذَفون في النار قبل وضعِ الصراط فقال: «فينتظم مِنَ الحديثين أنهم إذا حُشِروا وَقَع ما في حديثِ الباب مِنْ تَساقُطِ الكُفَّار في النار، ويبقى مَنْ عداهم في كَرْبِ الموقف فيَستشفِعون، فيقع الإذنُ بنصب الصراط، فيقعُ الامتحانُ بالسجود ليتميَّزَ المنافقُ مِنَ المؤمن، ثمَّ يجوزون على الصراط».

كما استدلَّ ابنُ رجبٍ رحمه الله ـ أيضًا ـ بحديثِ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه، وفيه قولُه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «يُنَادِي مُنَادٍ: «لِيَذْهَبْ كُلُّ قَوْمٍ إِلَى مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ»، فَيَذْهَبُ أَصْحَابُ الصَّلِيبِ مَعَ صَلِيبِهِمْ، وَأَصْحَابُ الأَوْثَانِ مَعَ أَوْثَانِهِمْ، وَأَصْحَابُ كُلِّ آلِهَةٍ مَعَ آلِهَتِهِمْ، حَتَّى يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ، وَغُبَّرَاتٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، ثُمَّ يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ تُعْرَضُ كَأَنَّهَا سَرَابٌ، فَيُقَالُ لِلْيَهُودِ: «مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟» قَالُوا: «كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللهِ»، فَيُقَالُ: «كَذَبْتُمْ، لَمْ يَكُنْ للهِ صَاحِبَةٌ وَلَا وَلَدٌ، فَمَا تُرِيدُونَ؟» قَالُوا: «نُرِيدُ أَنْ تَسْقِيَنَا»، فَيُقَالُ: «اشْرَبُوا»، فَيَتَسَاقَطُونَ فِي جَهَنَّمَ، ثُمَّ يُقَالُ لِلنَّصَارَى: «مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟» فَيَقُولُونَ: «كُنَّا نَعْبُدُ المَسِيحَ ابْنَ اللهِ»، فَيُقَالُ: «كَذَبْتُمْ، لَمْ يَكُنْ للهِ صَاحِبَةٌ وَلَا وَلَدٌ؛ فَمَا تُرِيدُونَ؟» فَيَقُولُونَ: «نُرِيدُ أَنْ تَسْقِيَنَا»، فَيُقَالُ: «اشْرَبُوا»، فَيَتَسَاقَطُونَ فِي جَهَنَّمَ، حَتَّى يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ فَيُقَالُ لَهُمْ: «مَا يَحْبِسُكُمْ وَقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ؟» فَيَقُولُونَ: «فَارَقْنَاهُمْ وَنَحْنُ أَحْوَجُ مِنَّا إِلَيْهِ اليَوْمَ، وَإِنَّا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي: لِيَلْحَقْ كُلُّ قَوْمٍ بِمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ، وَإِنَّمَا نَنْتَظِرُ رَبَّنَا»»، قَالَ: «فَيَأْتِيهِمُ الجَبَّارُ فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ فَيَقُولُ: «أَنَا رَبُّكُمْ»، فَيَقُولُونَ: «أَنْتَ رَبُّنَا!»، فَلَا يُكَلِّمُهُ إِلَّا الأَنْبِيَاءُ، فَيَقُولُ: «هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ تَعْرِفُونَهُ؟» فَيَقُولُونَ: «السَّاقُ»، فَيَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ، وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ للهِ رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ كَيْمَا يَسْجُدَ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا، ثُمَّ يُؤْتَى بِالجَسْرِ فَيُجْعَلُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ»، قُلْنَا: «يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الجَسْرُ؟» قَالَ: «مَدْحَضَةٌ مَزِلَّةٌ، عَلَيْهِ خَطَاطِيفُ وَكَلَالِيبُ، وَحَسَكَةٌ مُفَلْطَحَةٌ لَهَا شَوْكَةٌ عُقَيْفَاءُ تَكُونُ بِنَجْدٍ يُقَالُ لَهَا: السَّعْدَانُ» الحديث [تقدَّم تخريجه، انظر: (الرابط)]؛ قال ابنُ رجبٍ ـ رحمه الله ـ عَقِبَ إيراد الحديث في [«التخويف مِنَ النار» (٢٣٧)]: «فهذا الحديث صريحٌ في أنَّ كُلَّ مَنْ أظهر عبادةَ شيءٍ سوى اللهِ كالمسيح وعُزَيْرٍ مِنْ أهل الكتاب، فإنه يلحق بالمشركين في الوقوع في النار قبل نَصْبِ الصراط، إلَّا أنَّ عُبَّادَ الأصنام والشمسِ والقمر وغيرِ ذلك مِنَ المشركين تتبع كُلُّ فرقةٍ منهم ما كانَتْ تعبد في الدنيا، فتَرِدُ النارَ مع معبودها أوَّلًا، وقد دلَّ القرآنُ على هذا المعنى في قوله تعالى في شأن فرعون: ﴿يَقۡدُمُ قَوۡمَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَأَوۡرَدَهُمُ ٱلنَّارَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡوِرۡدُ ٱلۡمَوۡرُودُ ٩٨[هود]؛ وأمَّا مَنْ عبد المسيح والعُزَيْرَ مِنْ أهل الكتاب فإنهم يتخلَّفون مع أهل المِلَل المُنْتسِبين إلى الأنبياء، ثمَّ يردون في النار بعد ذلك؛ وقد وَرَد في حديثٍ آخَرَ أنَّ مَنْ كان يعبد المسيحَ يُمثَّلُ له شيطانُ المسيح فيتَّبِعونه، وكذلك مَنْ كان يعبد العُزَيْرَ، وفي حديث الصُّور أنه يُمثَّلُ لهم مَلَكٌ على صورة المسيح ومَلَكٌ على صورة العُزَيْر، ولا يبقى بعد ذلك إلَّا مَنْ كان يعبد اللهَ وَحْدَه في الظاهر، سواءٌ كان صادقًا أو منافقًا مِنْ هذه الأمَّةِ وغيرها، ثمَّ يتميَّز المنافقون عن المؤمنين بامتناعهم مِنَ السجود، وكذلك يمتازون عنهم بالنور الذي يُقْسَمُ للمؤمنين».

هذا، ونظرًا لعلاقة الصراط العظيم بالقنطرة أحببتُ أَنْ أختم هذا الفصلَ بها، وقد ثبتَتِ القنطرةُ بحديث أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم قال: «إِذَا خَلَصَ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَأَحَدُهُمْ بِمَسْكَنِهِ فِي الجَنَّةِ أَدَلُّ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا» [أخرجه البخاريُّ في «المظالم والغصب» (٥/ ٩٦) بابُ قِصاصِ المظالم، وفي «الرِّقاق» (١١/ ٣٩٥) باب القِصاص يومَ القيامة].

والحديث دلَّ على ثبوت القنطرة بين الجنَّة والنار، وهي خاصَّةٌ بمسلك المؤمنين إلى الجنَّة، حيث يقفون عليها ليَقتصَّ بعضُهم مِنْ بعضٍ مظالمَ كانَتْ بينهم في الدنيا، وهذا القِصاصُ غيرُ القِصاص الأوَّل في عَرَصات القيامة، وإنما هو قِصاصٌ خاصٌّ بالمؤمنين متعلِّقٌ بنزعِ ما في صدورهم مِنْ غِلٍّ وحقدٍ وعداوةٍ وبغضاءَ على وجه التهذيب والتنقية والتطهير والتطييب؛ فهو أَشْبَهُ ما يكون بتصفية الذهب وتنقِيَتِه مِنَ الشوائب العالقة به مهما دقَّتْ ليكون نقيًّا خالصًا، فإذا خَلَصوا مِنَ الآثام بمُقاصَّةِ بعضِها ببعضٍ وإسقاطها فإنه يُؤْذَنُ لهم ـ بعدها ـ بدخول الجنَّة، لا يحملون في صدورهم غِلًّا كما قال تعالى: ﴿وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلٍّ إِخۡوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرٖ مُّتَقَٰبِلِينَ ٤٧[الحِجْر].

قال ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ في [«فتح الباري» (٥/ ٩٦)]: «ويشهد لهذا الحديثِ قولُه في حديثِ جابرٍ رضي الله عنه الآتي ذِكْرُه في «التوحيد» [انظر: «الفتح» (١٣/ ٤٥٧)]: «لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ وَلِأَحَدٍ قِبَلَهُ مَظْلَمَةٌ» [أخرجه أحمد في «مسنده» (٣/ ٤٩٥)، والبخاريُّ في «خَلْقِ أفعال العباد» (٤٠، ٩٨)، والحاكم في «المستدرك» (٤/ ٥٧٤)، والبيهقيُّ في «الأسماء والصفات» (١/ ١٩٦)، وابنُ أبي عاصمٍ في «السُّنَّة» (١/ ٢٢٥)، مِنْ حديثِ جابرٍ عن عبد الله بنِ أُنَيْسٍ رضي الله عنهما. وصحَّحه الألبانيُّ في «ظِلال الجنَّة» برقم: (٥١٤)]».

ويشهد لذلك ـ أيضًا ـ ما ذَكَره ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ في [«فتح الباري» (١١/ ٣٩٩)] بقوله: «قلت: ولأصلِ الحديثِ شاهدٌ مِنْ مُرْسَلِ الحسن أخرجه ابنُ أبي حاتمٍ بسندٍ صحيحٍ عنه قال: بَلَغني أنَّ رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم قال: «يُحْبَسُ أَهْلُ الجَنَّةِ بَعْدَ مَا يَجُوزُونَ الصِّرَاطَ حَتَّى يُؤْخَذَ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ ظُلَامَاتُهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وَلَيْسَ فِي قُلُوبِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ غِلٌّ»».

والقنطرة ثابتةٌ بالسُّنَّة النبويَّة، وهي واحدةٌ غيرُ متعدِّدةٍ؛ لأنَّ القول بتعدُّد القناطر يفتقر إلى دليلٍ صحيحٍ يُثْبِته، بل ظواهر النصوص على خلافه؛ فالثابتُ ـ إذَنْ ـ أنها قنطرةٌ واحدةٌ تكون بعد عبور الصراط العظيم، جَعَلها اللهُ للمؤمنين خاصَّةً الناجين مِنَ النار.

وإذا ثَبَت أنَّ القنطرة واحدةٌ لعبور أهل الجنَّة عليها إلَّا أنَّ العلماء اختلفوا في صفة القنطرة المذكورة في الحديث: هل هي جزءٌ مِنَ الصراط العظيم المنصوب على جسر جهنَّمَ وتتمَّةٌ له، وهي طرَفُه الذي يلي الجنَّةَ، أم أنَّ القنطرة جسرٌ صغيرٌ مُستقِلٌّ يكون بين الصراط الأوَّل والجنَّة، وهو خاصٌّ بالمؤمنين الذين كُتِبَتْ لهم السعادةُ؟

والظاهر أنَّ ابنَ حجرٍ ـ رحمه الله ـ مالَ إلى القول الأوَّل دون جزمٍ، حيث قال في [«فتح الباري» (٥/ ٩٦)]: «الذي يظهر أنها [أي: القنطرة] طرَفُ الصراط ممَّا يلي الجنَّةَ، ويحتمل أَنْ تكون مِنْ غيره بين الصراط والجنَّة»؛ وجَزَم السيوطيُّ ـ رحمه الله ـ باختياره له فيما نَقَله عنه السفَّارينيُّ ـ رحمه الله ـ في [«لوامع الأنوار البهيَّة» (٢/ ١٩٠)] بما نصُّه: «قال الحافظ جلال الدين السيوطيُّ في كتابه «البدور السافرة في علوم الآخرة»: والأوَّلُ ـ يعني: أنه طرَفُ الصراط الذي يلي الجنَّةَ ـ هو المختارُ الذي دلَّتْ عليه أحاديثُ القناطر والحساب على الصراط».

أمَّا القرطبيُّ ـ رحمه الله ـ فقَدْ رجَّح القولَ الثانيَ: على أنه صراطٌ آخَرُ مُستقِلٌّ عن الأوَّل، فبوَّب على ذلك في [«التذكرة» (٢/ ٤٠٨)]: «بابُ ذِكْرِ الصراط الثاني وهو القنطرةُ التي بين الجنَّة والنار»، ثمَّ أردف قائلًا: «اعْلَمْ ـ رحمك الله ـ أنَّ في الآخرة صراطين: أحَدُهما مَجازٌ لأهل المَحْشَر كُلِّهم ثقيلِهم وخفيفِهم إلَّا مَنْ دَخَل الجنَّةَ بغير حسابٍ، أو مَنْ يَلتقِطُه عُنُقُ النار، فإذا خَلَص مَنْ خَلَص مِنْ هذا الصراطِ الأكبر الذي ذَكَرناه ـ ولا يَخْلُصُ منه إلَّا المؤمنون الذين عَلِم اللهُ منهم أنَّ القِصاصَ لا يَستنفِدُ حسناتِهم ـ حُبِسُوا على صراطٍ آخَرَ خاصٍّ لهم، ولا يرجع إلى النار مِنْ هؤلاء أحَدٌ إِنْ شاء اللهُ؛ لأنهم قد عبروا الصراطَ الأوَّلَ المضروبَ على متن جهنَّمَ، الذي يسقط فيها مَنْ أَوْبَقَه ذنبُه، وأربى على الحسناتِ بالقِصاص جرمُه».

واستدلَّ له بحديثِ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه المتقدِّم [انظر: (الرابط)]، وما نَقَله عن مُقاتِلٍ أنه قال: «إذا قطعوا جسرَ جهنَّمَ حُبِسوا على قنطرةٍ بين الجنَّة والنار، فيُقتصُّ لبعضهم مِنْ بعضٍ مَظالمُ كانَتْ بينهم في الدنيا، حتَّى إذا هُذِّبُوا وطُيِّبُوا قال لهم رضوان وأصحابُه: ﴿سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡ﴾ ـ بمعنى التحيَّة ـ. ﴿طِبۡتُمۡ فَٱدۡخُلُوهَا خَٰلِدِينَ ٧٣[الزُّمَر]».

ويُؤيِّد هذا القولَ بأنَّ القنطرة جسرٌ مُستقِلٌّ قولُه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم ـ في حديثِ أبي سعيدٍ رضي الله عنه المتقدِّم ـ وفيه: «حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ» [تقدَّم تخريجه، انظر: (الرابط)]؛ فإنَّ ظاهر الحديثِ مُشْعِرٌ أنَّ القنطرة صراطٌ آخَرُ صغيرٌ ليس على متن جهنَّمَ ـ كما هو شأنُ الصراط العظيم ـ وإنما هو بين الجنَّة والنار، وهذا يدلُّ على أنَّ القنطرة مُنفصِلةٌ عن جهنَّمَ تبدأ حيث ينتهي الصراطُ المضروبُ على جهنَّمَ، هذا مِنْ جهةٍ، ولحصول الاختلافِ المتميِّزِ بين الصراط والقنطرة ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ سواءٌ مِنْ حيثُ الحكمة أو الاختصاص:

أمَّا مِنَ الحيثيَّة الأولى فإنَّ الحكمة مِنْ نَصْبِ الصراط: ليسقط منه الهالكون مَنْ عَدَا المؤمنين أثناءَ عبورهم إهانةً لهم وتعذيبًا، وإظهارًا لفضلِ الله تعالى على المؤمنين في النجاة مِنَ النار وتحسيرِ الكافرين بفوز المؤمنين ونجاتهم؛ بينما الحكمة مِنْ نَصْبِ القنطرة تختلف عن هذا المعنى؛ فهو لتنقيةِ ما في قلوب المؤمنين وتخليصهم مِنْ كُلِّ الشوائب وتطييبِهم؛ ليدخلوا الجنَّةَ منزوعًا مِنْ صدورهم الغِلُّ ـ كما تقدَّم قريبًا [انظر: (الرابط)] ـ.

وأمَّا مِنْ حيثيَّة الاختصاص فإنَّ القنطرة خاصَّةٌ بالمؤمنين، يجري فيها قصاصٌ أخصُّ، لا شبيهٌ له، ويكون لاقتصاصِ مَظالمَ خاصَّةٍ بين أهل الجنَّة، لا يَستنفِدُ القصاصُ ـ فيما بينهم ـ حسناتِ أحَدٍ منهم، وليس فيه سقوطٌ في النار، وهذا الاختصاصُ المميِّز غيرُ واردٍ في الصراط العظيم، واللهُ أعلمُ.

(٣) «م.ر.ب»: ﴿جُثِيّٗا ٦٨﴾، وهي قراءةُ نافعٍ.