«التصفيف الحادي والخمسون: عقائد الإيمان بالرُّسُل عليهم الصلاةُ والسلام (٥)» | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 17 ربيع الأول 1443 هـ الموافق لـ 23 أكتوبر 2021 م

العقائد الإسلامية
مِنَ الآيات القرآنية والأحاديث النبوية

للشيخ عبد الحميد بنِ باديس (ت: ١٣٥٩ﻫ)

بتحقيق وتعليق د: أبي عبد المعزِّ محمَّد علي فركوس ـ حفظه الله ـ

«التصفيف الحادي والخمسون:
عقائد الإيمان بالرُّسُل عليهم الصلاةُ والسلام ـ ٥ ـ»

[الفصل ٧١: تأدُّبُنا معهم فيما عُوتِبوا عليه واستغفَروا منه](١):

هُمْ عِبَادُ اللهِ يُخَاطِبُهُمْ بِمَا شَاءَ وَيُعَاتِبُهُمْ بِمَا أَرَادَ، فَيَعْتَرِفُونَ وَيَسْتَغْفِرُونَ، وَلَيْسَ(٢) لَنَا فِيمَا عُوتِبُوا عَلَيْهِ وَاسْتَغْفَرُوا مِنْهُ إِلَّا حِكَايَةُ لَفْظِهِ كَمَا ثَبَتَ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، مَعَ اعْتِقَادِ احْتِرَامِهِمْ [وَإِكْبَارِ جَانِبِهِمْ](٣)، وَأَنَّ اللهَ يُعَاتِبُهُمْ عَلَى قَدْرِ عُلُوِّ مَنْزِلَتِهِمْ، وَأَنَّهُمْ ـ لِكَمَالِ مَعْرِفَتِهِمْ بِرَبِّهِمْ وَعَظِيمِ حَقِّهِ عَلَيْهِمْ ـ يَرَوْنَ مَا لَا يُعَدُّ تَقْصِيرًا ـ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِمْ ـ تَقْصِيرًا بِالنِّسْبَةِ لَهُمْ(٤)؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمۡ عَذَابٗا مُّهِينٗا٥٧[الأحزاب].

ـ يُتبَع ـ


(١) «م.ف»: «ترجمة: الرُّسُل: تأدُّبُنا معهم فيما عُوتِبوا عليه واستغفَروا منه».

(٢) الواو ساقطةٌ مِنْ «م.ف».

(٣) «م.ر»: «وَإِكْبَارِهِمْ».

(٤) القرآن الكريم نصَّ في آياتٍ متعدِّدةٍ على أنَّ النبوَّةَ نعمةٌ ربَّانيَّةٌ ومِنْحةٌ إلهيَّةٌ خاصَّةٌ، كما قال تعالى: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّ‍ۧنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٖ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡرَٰٓءِيلَ وَمِمَّنۡ هَدَيۡنَا وَٱجۡتَبَيۡنَآۚ[مريم: ٥٨]؛ فليس ـ في الأنبياء والرُّسُل ـ شيءٌ مِنْ خصائص الربوبيَّة ولا صفاتِ الألوهيَّة، بل هم يتبرَّأون مِنَ الحول والطَّوْل، ويعتصمون بالله الواحد الأحَد، حَبَاهم اللهُ بالكمال في صُوَرهم الظاهرة، وأخلاقِهم الباطنة، وعقولِهِم الراجحة، وغيرِها ممَّا أنعم اللهُ عليهم به مِنَ المواهب والقدرات والسجايا، ووفَّقهم بها لتحقيق العبوديَّة لله ربِّ العالَمِين، وقد خصَّهم اللهُ تعالى بميزة الوحي والعصمةِ وغيرِهما دون سائر البشر؛ غيرَ أنَّ موضوعَ عصمةِ الرُّسُل والأنبياء عليهم السلام يدور في محورين مُتداخِلَيْن:

الأوَّل: بين تعظيم الأنبياء والرُّسُل وتوقيرهم وتعزيرهم مع إثباتِ العصمة لهم وهو موقفُ الأمَّة الإسلاميَّة، وبين مَطاعنِ اليهود والنصارى فيهم ورميِهم بالكبائر والفواحش والعظائم.

الثاني: بين عصمةٍ قاصرةٍ على التبليغ وعصمةٍ مِنَ الكبائر دون الصغائر، وبين عصمةٍ عامَّةٍ شاملةٍ وعوارضَ بشريَّةٍ لا تقدح في العصمة.

وقد بيَّن المصنِّف ـ رحمه الله ـ مُعتقَدَ أهلِ السُّنَّة والجماعة تُجاهَ الأنبياء والمُرْسَلين صلواتُ اللهِ عليهم ـ في باب العصمة ـ بأنه يجب علينا الإيمانُ بأنهم معصومون مِنَ الكبائر، وأمَّا الصغائرُ فقَدْ تقع منهم بمقتضَى بشرِيَّتِهم، والكتابُ والسُّنَّةُ يدلَّان على ذلك ـ كما سيأتي تفصيلُه ـ علمًا أنه إذا لم يعصمهم اللهُ مِنْ صغائر الذنوب فقَدْ عَصَمهم مِنَ الإصرار عليها؛ فإنهم لا يُقَرُّون عليها، بل يُوفَّقون للتوبة والإنابة والاستغفار، وهُمْ ـ بعدها ـ أكملُ ممَّا كانوا عليه قبلها؛ واللهُ تعالى يُعاتِبُ أنبياءَه ورُسُلَه على قَدْرِ عُلُوِّ منزلتهم، وما عاتَبَهم عليه اعترفوا به وتابوا منه واستغفروا؛ فغَفَرَ اللهُ لهم وتَجاوَزَ عنهم وطهَّرهم منه؛ فإنَّ مقتضى الأدبِ الواجبِ مع الأنبياء والمُرْسَلين أَنْ لا تُتَّخَذَ صغائرُ الذنوب التي تصدر منهم ذريعةً للطعن فيهم، وسبيلًا للإزراء عليهم وانتقاصِ مكانتهم والحطِّ مِنْ عُلُوِّ مرتبتهم؛ فإنَّ ذلك أذيَّةٌ لله ورُسُلِه متوعَّدٌ فاعلُها بعذابٍ مُهينٍ.

وتفصيلُ ذلك:

 أوَّلًا: العصمة ثابتةٌ في تحمُّلِ الرسالة والتبليغ:

وهذا محلُّ اتِّفاقٍ بين العلماء؛ فكما أنَّ الله عَصَمهم في تحمُّل الرسالة فلا ينسَوْن شيئًا ولا ينقصون شيئًا فقَدْ تَكفَّل اللهُ تعالى لرسوله بأَنْ يُقْرِئه الوحيَ ويجمعه في صدره؛ فلا ينسى ممَّا أوحى إليه شيئًا إلَّا ما شاء الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ٣ إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ٤[النجم]، وقال تعالى: ﴿سَنُقۡرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰٓ٦ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلۡجَهۡرَ وَمَا يَخۡفَىٰ٧[الأعلى]، وقال تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكۡ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعۡجَلَ بِهِۦٓ١٦ إِنَّ عَلَيۡنَا جَمۡعَهُۥ وَقُرۡءَانَهُۥ١٧ فَإِذَا قَرَأۡنَٰهُ فَٱتَّبِعۡ قُرۡءَانَهُۥ١٨ ثُمَّ إِنَّ عَلَيۡنَا بَيَانَهُۥ١٩[القيامة]، فكذلك عَصَم اللهُ تعالى الرُّسُلَ والأنبياء في التبليغ؛ فهُم أُمَناءُ صادقون كما جاء ـ حكايةً عنهم ـ في قوله تعالى: ﴿إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ١٠٧ [الشُّعَراء: ١٠٧، ١٢٥، ١٤٣، ١٦٢، ١٧٨؛ الدخان: ١٨]، لا تحملهم رغبةٌ أو رهبةٌ على أَنْ يكتموا بعضًا ممَّا أوحى اللهُ إليهم فأُمِرُوا بإبلاغه إلى الناس؛ فالكتمانُ للوحي الإلهيِّ خيانةٌ تستحيل في حقِّهم ولا تَتأتَّى لهم؛ قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ[المائدة: ٦٧]؛ وقد بيَّن اللهُ تعالى الوعيدَ اللاحق بالكاتم المغيِّر لِمَا أوحى اللهُ في قوله تعالى: ﴿وَلَوۡ تَقَوَّلَ عَلَيۡنَا بَعۡضَ ٱلۡأَقَاوِيلِ٤٤ لَأَخَذۡنَا مِنۡهُ بِٱلۡيَمِينِ٤٥ ثُمَّ لَقَطَعۡنَا مِنۡهُ ٱلۡوَتِينَ٤٦[الحاقَّة]؛ فمتى وُجِدَ الكتمانُ ضاعَتِ الأمانةُ وبَطَلَتِ النبوَّةُ وانتفَتِ الرسالةُ.

وهذه العصمةُ فيما يُبلِّغونه عن الله ثابتةٌ للأنبياء والرُّسُل، وهي التي يحصل بها مقصودُ النبوَّة والرسالة؛ فلا يجوز أَنْ يَستقِرَّ في شيءٍ مِنَ الشريعةِ خطأٌ باتِّفاقِ المسلمين [انظر: «منهاج السُّنَّة» لابن تيميَّة (٣/ ٣٧٢)]؛ قال ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ في [«مجموع الفتاوى» (١٠/ ٢٨٩)]: «إنَّ الأنبياءَ صلواتُ الله عليهم معصومون فيما يخبرون به عن الله ـ سبحانه ـ وفي تبليغِ رسالاته باتِّفاق الأمَّة؛ ولهذا وَجَبَ الإيمانُ بكُلِّ ما أُوتُوهُ كما قال تعالى: ﴿قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِ‍ۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ١٣٦ فَإِنۡ ءَامَنُواْ بِمِثۡلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا هُمۡ فِي شِقَاقٖۖ فَسَيَكۡفِيكَهُمُ ٱللَّهُۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ١٣٧[البقرة]».

 ثانيًا: العصمة مِنْ كبائر الذنوب:

نَقَل القرطبيُّ ـ رحمه الله ـ في [«تفسيره» (١/ ٣٠٨)] الإجماعَ على أنَّ الأنبياء والرُّسُلَ عليهم السلام معصومون مِنْ كبائر الذنوب ومِنْ كُلِّ رذيلةٍ فيها شَيْنٌ ونقصٌ، [انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيميَّة (٤/ ٣١٩)]؛ لكِنْ يأبى اليهودُ والنصارى إلَّا أَنْ يطعنوا في خِيرةِ خَلْقِ الله وأصفيائه، ويَجْرَحوهم بالعظائم، وينسبوا إليهم ما نزَّههم اللهُ عنه وصانَهم منه، بل إنَّ كُتُبَهم المحرَّفة مِنَ التوراة والإنجيل عاجَّةٌ بالقبائح، ترمي رُسُلَ اللهِ وأنبياءَه بالمخازي والكبائر والإثم والفواحش ـ تعالى اللهُ عمَّا يقولون عُلُوًّا كبيرًا ـ.

وممَّا ينسبه اليهودُ للأنبياء والرُّسُل مِنْ أوصافٍ وأعمالٍ قبيحةٍ:

ـ أنَّ إبراهيم ـ عليه السلام ـ قدَّم سارَةَ إلى فرعون حتَّى يَنال الخيرَ بسببها.

ـ وأنَّ لوطًا ـ عليه السلام ـ شَرِبَ خمرًا حتَّى سَكِر، ثمَّ قام على ابنتَيْه فزَنَى بهما واحدةً بعد الأخرى.

ـ وأنَّ يعقوب ـ عليه السلام ـ سَرَق مواشيَ مِنْ حَمِيه، وخَرَجَ بأهله خِلْسةً دون أَنْ يُعْلِمه.

ـ وأنَّ هارون ـ عليه السلام ـ صَنَع عجلًا وعَبَده مع بني إسرائيل.

ـ وأنَّ داود ـ عليه السلام ـ زَنَى بزوجةِ رجلٍ مِنْ قُوَّادِ جيشه، ثمَّ دبَّر حيلةً لقتلِ الرَّجل فقُتِل، وبعد ذلك أخَذَ داودُ الزوجةَ وضمَّها إلى نسائه، فولَدَتْ له سليمانَ ـ عليه السلام ـ.

ـ وأنَّ سليمان ـ عليه السلام ـ ارتدَّ في آخِرِ عمرِه وعَبَدَ الأصنامَ وبنى لها المَعابدَ.

ـ وأنهم افترَوْا على مريم ـ عليهما السلام ـ وعلى ابنها عيسى ـ عليه السلام ـ بهتانًا عظيمًا.

وأمَّا النصارى فنسبوا الألوهيَّةَ لعيسى ابنِ مريم ـ عليهما السلام ـ، وأنه جاء ليُخلِّصَ الناسَ مِنْ خطيئةِ أبيه آدَمَ ويَفْدِيَ البشرَ بنفسه، وأنَّ عيسى ـ عليه السلام ـ مِنْ نسلِ سليمان ابنِ داود، وأنَّ جدَّهم: فارض الذي هو مِنْ نسلِ الزِّنا مِنْ يهوذا بنِ يعقوب، وأنَّ عيسى ـ عليه السلام ـ أهانَ أُمَّه وسط جمعٍ مِنَ الناس، وشَهِدَ عيسى على جميع الأنبياء الذين قاموا في بني إسرائيل أنهم سُرَّاقٌ ولصوصٌ، وغير ذلك مِنَ الأوصاف القبيحة المُخْزِيَة، [انظر: «الرُّسُل والرسالات» للأشقر (١٠٤ ـ ١٠٦)].

ولا يخفى أنَّ أنبياءَ اللهِ ورُسُلَه الأطهارَ بريئون كُلَّ البراءة ممَّا نُسِبَ إليهم؛ فهُمْ أزكى الناسِ وأفضلُهم وأكملُهم، يستحيل وقوعُهم في كبائر الذنوب والآثام بحالٍ مِنَ الأحوال؛ لأنهم معصومون مِنْ ذلك بإجماع الأمَّة ـ كما تَقدَّم ـ.

 ثالثًا: عوارضُ بشريَّةٌ لا تَقْدَحُ في العصمة ولا تُناقِضُ النبوَّةَ والرسالة:

ذكرَتْ نصوصُ الكتابِ والسُّنَّةِ ما انْتَابَ بعضَ الأنبياءِ والرُّسُلِ مِنْ عوارضَ إنسانيَّةٍ عاديَّةٍ كالخوف والغضب والنسيان والخطإ، تُوهِمُ ـ بظاهِرِها ـ أنهم ارتكبوا ما يُخِلُّ بعصمتهم، وليس الأمرُ كذلك، بل هي عوارضُ بشريَّةٌ طبيعيَّةٌ وأمورٌ فطريَّةٌ جِبِلِّيَّةٌ لا تَتنافى مع العصمة بحالٍ.

ومِنْ أمثلةِ ذلك:

١) عارِضُ الخوف: كالذي حَدَث لإبراهيم ـ عليه السلام ـ مع ضيوفه الذين لم يعلم بأنهم ملائكةٌ تَشكَّلوا على هيئةٍ بشريَّةٍ، فلمَّا رأى أيدِيَهم لا تمتدُّ إلى الطعام المقدَّمِ لهم خاف منهم وظنَّ أنهم أتَوْهُ بِشَرٍّ ومكروهٍ، وذلك قبل أَنْ يعرف أَمْرَهم؛ قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَءَآ أَيۡدِيَهُمۡ لَا تَصِلُ إِلَيۡهِ نَكِرَهُمۡ وَأَوۡجَسَ مِنۡهُمۡ خِيفَةٗۚ قَالُواْ لَا تَخَفۡ إِنَّآ أُرۡسِلۡنَآ إِلَىٰ قَوۡمِ لُوطٖ٧٠[هود].

وكذلك موسى ـ عليه السلام ـ لمَّا أمَرَه ربُّه أَنْ يُلْقِيَ عصاهُ حين كلَّمه، فألقاها فإذا هي حيَّةٌ تهتزُّ وتسعى سعيًا شديدًا ولها صورةٌ مَهيلةٌ؛ استولى على موسى ـ عليه السلام ـ الروعُ في قلبه وولَّى هاربًا خائفًا؛ فقال اللهُ له: ﴿يَٰمُوسَىٰٓ أَقۡبِلۡ وَلَا تَخَفۡۖ إِنَّكَ مِنَ ٱلۡأٓمِنِينَ٣١[القَصص].

وفي حادثةِ يومِ الزينة مع السحرة عندما ألقَوْا حبالَهُم وعِصِيَّهم خُيِّلَ إلى موسى عليه السلام ـ مِنْ سحرِهم البليغ ـ أنها تسعى؛ ﴿فَأَوۡجَسَ فِي نَفۡسِهِۦ خِيفَةٗ مُّوسَىٰ٦٧ [طه]؛ فالخوفُ الطبيعيُّ هو مِنْ مقتضى الخِلْقة البشريَّة، فضلًا عن خوفه ـ أيضًا ـ على الناس أَنْ يفتنهم السحرةُ بسحرهم ويغترُّوا به قبل أَنْ يُلْقِيَ ما في يده، وإلَّا فموسى جازمٌ بوعد اللهِ ونصرِه.

٢) عارِضُ الغضب: ويدلُّ على هذا العارضِ الفطريِّ ما حدَثَ لموسى ـ عليه السلام ـ بعد أَنْ تمَّ ميقاتُ ربِّه: رجَعَ إلى قومه فوجَدَهم قد ضلُّوا باتِّخاذِهم العِجْلَ إلهًا فعَبَدوه مِنْ دون الله؛ فامتلأ موسى ـ عليه السلام ـ غضبًا وغيظًا عليهم؛ قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ غَضۡبَٰنَ أَسِفٗا قَالَ بِئۡسَمَا خَلَفۡتُمُونِي مِنۢ بَعۡدِيٓۖ أَعَجِلۡتُمۡ أَمۡرَ رَبِّكُمۡۖ وَأَلۡقَى ٱلۡأَلۡوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأۡسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُۥٓ إِلَيۡهِۚ قَالَ ٱبۡنَ أُمَّ إِنَّ ٱلۡقَوۡمَ ٱسۡتَضۡعَفُونِي وَكَادُواْ يَقۡتُلُونَنِي فَلَا تُشۡمِتۡ بِيَ ٱلۡأَعۡدَآءَ وَلَا تَجۡعَلۡنِي مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ١٥٠[الأعراف].

ومِنْ ذلك عتابُ اللهِ لنبيٍّ مِنَ الأنبياء تَفاعَلَ غضبًا مع نملةٍ قرَصَتْه، فأمَرَ بقريةِ النمل فأُحْرِقَتْ؛ ففي حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم قال: «نَزَلَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَلَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ، فَأَمَرَ بِجَهَازِهِ فَأُخْرِجَ مِنْ تَحْتِهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِبَيْتِهَا فَأُحْرِقَ بِالنَّارِ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: فَهَلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً» [مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الجهاد» (٦/ ١٥٤) باب: إذا حرَّق المشركُ المسلمَ هل يُحرَّقُ؟ وفي «بدء الخَلْق» (٦/ ٣٥٦) باب: إذا وَقَع الذُّبابُ في شراب أحَدِكم، ومسلمٌ في «السلام» (١٤/ ٢٣٨، ٢٢٩) باب النهي عن قتلِ النمل، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه].

٣) عارِضُ النسيان والسهوِ والجحود والخطإ: ويدلُّ عليه ما رواهُ أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «لَمَّا خَلَقَ اللهُ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ، فَسَقَطَ مِنْ ظَهْرِهِ كُلُّ نَسَمَةٍ هُوَ خَالِقُهَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَجَعَلَ بَيْنَ عَيْنَيْ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ وَبِيصًا مِنْ نُورٍ، ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى آدَمَ فَقَالَ: «أَيْ رَبِّ، مَنْ هَؤُلَاءِ؟» قَالَ: «هَؤُلَاءِ ذُرِّيَّتُكَ»، فَرَأَى رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَعْجَبَهُ وَبِيصُ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَقَالَ: «أَيْ رَبِّ، مَنْ هَذَا؟» فَقَالَ: «هَذَا رَجُلٌ مِنْ آخِرِ الأُمَمِ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ يُقَالُ لَهُ: دَاوُدُ»، فَقَالَ: «رَبِّ، كَمْ جَعَلْتَ عُمْرَهُ؟» قَالَ: «سِتِّينَ سَنَةً»، قَالَ: «أَيْ رَبِّ، زِدْهُ مِنْ عُمْرِي أَرْبَعِينَ سَنَةً»، فَلَمَّا قُضِيَ عُمْرُ آدَمَ جَاءَهُ مَلَكُ المَوْتِ، فَقَالَ: «أَوَلَمْ يَبْقَ مِنْ عُمْرِي أَرْبَعُونَ سَنَةً؟» قَالَ: «أَوَلَمْ تُعْطِهَا ابْنَكَ دَاوُدَ؟» قَالَ: «فَجَحَدَ آدَمُ فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَنُسِّيَ آدَمُ فَنُسِّيَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَخَطِئَ آدَمُ فَخَطِئَتْ ذُرِّيَّتُهُ» [أخرجه الترمذيُّ في «تفسير القرآن» (٥/ ٢٦٧) باب: ومِنْ سورة الأعراف، والبيهقيُّ في «الأسماء والصفات» (٣٢٤)، مِنْ طُرُقٍ عن أبي هريرة رضي الله عنه. وأخرجه أحمد في «مسنده» (١/ ٢٥١، ٢٩٩، ٣٧١) مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. قال الترمذيُّ: «حسنٌ صحيحٌ»، وصحَّحه الألبانيُّ في «ظِلال الجنَّة» (١/ ٩٠) برقم: (٢٠٤، ٢٠٥) وفي «صحيح الجامع» (٥/ ٤٨)].

وقد كان النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم يسهو في صلاته وينسى لتَقتدِيَ أمَّتُه به في التشريع، كما يَطْرَأُ عليه النسيانُ ـ بمُقتضَى بشريَّتِه ـ في غيرِ أمور التبليغ، وقد صرَّح النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم بطروء النسيان عليه على ما يجري مِنْ عادة البشر عامَّةً، وذلك بعد نسيانه في إحدى الصلوات حيث قال: «وَلَكِنْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي» [مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الصلاة» (١/ ٥٠٣) باب التوجُّه نحو القِبلة حيث كان، ومسلمٌ في «المساجد ومواضع الصلاة» (٥/ ٦١) باب السهو في الصلاة والسجودِ له، مِنْ حديثِ عبد الله بنِ مسعودٍ رضي الله عنه]؛ قال النوويُّ ـ رحمه الله ـ في [«شرح مسلم» (٥/ ٦١)]: «فيه دليلٌ على جواز النسيان عليه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم في أحكام الشرع، وهو مذهبُ جمهورِ العلماء، وهو ظاهرُ القرآنِ والحديث، اتَّفَقوا على أنه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم لا يُقَرُّ عليه، بل يُعْلِمُه اللهُ تعالى به، ثمَّ قال الأكثرون: شرطُه تنبُّهُه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم على الفور متَّصِلًا بالحادثة ولا يقع فيه تأخيرٌ، وجوَّزَتْ طائفةٌ تأخيرَه مدَّةَ حياتِه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، واختاره إمامُ الحرمين، ومنعَتْ طائفةٌ مِنَ العلماء السهوَ عليه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم في الأفعال البلاغيَّة والعبادات، كما أجمعوا على منعِه واستحالته عليه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم في الأقوال البلاغيَّة، وأجابوا عن الظواهر الواردة في ذلك، وإليه مالَ الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائينيُّ؛ والصحيحُ الأوَّلُ؛ فإنَّ السهو لا يُناقِضُ النبوَّةَ، وإذا لم يُقَرَّ عليه لم يحصل منه مفسدةٌ، بل تحصل فيه فائدةٌ، وهو بيانُ أحكام الناسي وتقريرُ الأحكام».

وقال ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ في [«فتح الباري» (١/ ٥٠٤)]: «وفيه دليلٌ على جوازِ وقوع السهو مِنَ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الأفعال؛ قال ابنُ دقيق العيد: وهو قولُ عامَّةِ العلماء والنُّظَّار، وشذَّتْ طائفةٌ فقالوا: لا يجوز على النبيِّ السهوُ، وهذا الحديث يردُّ عليهم؛ لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم فيه: «أنسى كما تنسَوْن»، ولقوله: «فإذا نسِيتُ فذكِّرُوني» أي: بالتسبيح ونحوِه».

قلتُ: ويدلُّ عليه ـ أيضًا ـ:

ـ حديثُ أبي هريرة رضي الله عنه في قصَّةِ ذي اليدين قال: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم إِحْدَى صَلَاتَيِ العَشِيِّ، إِمَّا الظُّهْرَ وَإِمَّا العَصْرَ، فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَتَى جِذْعًا فِي قِبْلَةِ المَسْجِدِ فَاسْتَنَدَ إِلَيْهَا مُغْضَبًا، وَفِي القَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَهَابَا أَنْ يَتَكَلَّمَا، وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ: قُصِرَتِ الصَّلَاةُ، فَقَامَ ذُو اليَدَيْنِ فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ؟» فَنَظَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم يَمِينًا وَشِمَالًا فَقَالَ: «مَا يَقُولُ ذُو اليَدَيْنِ؟» قَالُوا: «صَدَقَ، لَمْ تُصَلِّ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ»، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَفَعَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَرَفَعَ» [مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «السهو» (٣/ ٩٩) بابُ مَنْ يُكبِّرُ في سجدَتَيِ السهو، ومسلمٌ في «المساجد ومواضع الصلاة» (٥/ ٦٧) باب السهو في الصلاة والسجودِ له].

ـ وحديثُ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا، فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ: «أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟» قَالَ: «وَمَا ذَاكَ؟» قَالُوا: «صَلَّيْتَ خَمْسًا»، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ» [مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «السهو» (٣/ ٩٣ ـ ٩٤) باب: إذا صلَّى خمسًا، ومسلمٌ في «المساجد ومواضع الصلاة» (٥/ ٦٤) باب السهو في الصلاة والسجودِ له].

٤) عارِضُ الخطإ في الاجتهاد في المصالح الدنيويَّة وأمورِ الحروب والقضاء:

لا يقدح في الأنبياء والرُّسُلِ عليهم السلام ما كان صادرًا منهم بمقتضى الخبرة البشريَّة المُستفادة مِنَ التجارب الخاصَّة في الحياة كالزراعة والتجارة والصناعة ووصفِ الدواء، ونحوِ ذلك ممَّا يتعلَّق بالمصالح الدنيويَّة وتدبيرِ الحروب؛ وقد ذَكَر ابنُ حزمٍ والشوكانيُّ وغيرُهما الإجماعَ على جوازِ اجتهاد الأنبياء فيها، [انظر: «إحكام الأحكام» لابن حزم (٥/ ٩١٧)، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي (٤/ ٤٧٤)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (٢٥٥)]، بدليلِ وقوعه مِنَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، حيث صالَحَ غَطَفانَ مُقابِلَ ثُلُثِ ثمارِ المدينة، ولم تَتِمَّ هذه المُصالَحةُ بسببِ موقفِ أهل المدينة، [انظر: «الكامل» لابن الأثير (٢/ ١٨٠)، «البداية والنهاية» لابن كثير (٤/ ١٠٤)، «مختصر سيرة الرسول» لابن عبد الوهَّاب (٢٨٥)].

كما يدلُّ على الاجتهاد في الأمور الدنيويَّة: حديثُ أنسٍ وعائشةَ رضي الله عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ، فَقَالَ: «لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ»، قَالَ: فَخَرَجَ شِيصًا، فَمَرَّ بِهِمْ فَقَالَ: «مَا لِنَخْلِكُمْ؟» قَالُوا: «قُلْتَ: كَذَا وَكَذَا»، قَالَ: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ» [أخرجه مسلمٌ في «الفضائل» (١٥/ ١١٧) بابُ وجوبِ امتثالِ ما قالَهُ شرعًا دون ما ذَكَره صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم مِنْ مَعايشِ الدنيا على سبيل الرأي، وابنُ ماجه في «الرهون» (٢/ ٨٢٥) بابُ تلقيحِ النخل].

أمَّا الخطأ في إصابة الحقِّ في الاجتهاد القضائيِّ فمِنْ ذلك: ما حدَثَ في قصَّة الحرث التي حَكَم فيها داودُ ـ عليه السلام ـ: أنه لمَّا اعتدَتْ غنمُ قومٍ على زرعِ آخَرِين فذَهَب صاحبُ الزرعِ والغنمِ يتخاصمان إلى داود ـ عليه السلام ـ ليحكم بينهما، فقضى بينهما في تلك القضيَّةِ بعينها ولم يُصِبْ فيها الحقَّ، بل وفَّق اللهُ ابنَه سليمان ـ عليه السلام ـ إلى الحكم الموافِقِ للصواب؛ قال تعالى: ﴿وَدَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ إِذۡ يَحۡكُمَانِ فِي ٱلۡحَرۡثِ إِذۡ نَفَشَتۡ فِيهِ غَنَمُ ٱلۡقَوۡمِ وَكُنَّا لِحُكۡمِهِمۡ شَٰهِدِينَ٧٨ فَفَهَّمۡنَٰهَا سُلَيۡمَٰنَۚ وَكُلًّا ءَاتَيۡنَا حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ[الأنبياء: ٧٨ ـ ٧٩]؛ ففي الآيةِ دليلٌ على أنَّ الحاكم مطلقًا، نبيًّا كان أو غيرَه، قد يُصيبُ ـ في حكمه ـ الحقَّ والصواب وقد يخطئ في ذلك، وهو ـ في ذلك ـ ليس بمَلومٍ إذا أخطأ، بل مأجورٌ على اجتهاده في دَرْكِ الحقِّ فيما طُرِحَ عليه مِنَ القضايا والمسائل.

ويدلُّ عليه ـ أيضًا ـ: ما حَكَم به كُلٌّ مِنْ داودَ وسليمانَ ـ عليهما السلام ـ فيما رواهُ أبو هريرة رضي الله عنه: أنه سَمِعَ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم يقول: «كَانَتِ امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا، جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا فَقَالَتْ لِصَاحِبَتِهَا: «إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ»، وَقَالَتِ الأُخْرَى: «إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ»، فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ ـ عليه السلام ـ فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى، فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ ـ عليهما السلام ـ فَأَخْبَرَتَاهُ، فَقَالَ: «ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَهُمَا»، فَقَالَتِ الصُّغْرَى: «لَا تَفْعَلْ، يَرْحَمُكَ اللهُ، هُوَ ابْنُهَا»، فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى» [مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «أحاديث الأنبياء» (٦/ ٤٥٨) بابُ قولِ الله تعالى: ﴿وَوَهَبۡنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيۡمَٰنَۚ نِعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ٣٠ [ص]، وفي «الفرائض» (١٢/ ٥٥) باب: إذا ادَّعَتِ المرأةُ ابْنًا، ومسلمٌ في «الأقضية» (١٢/ ١٨) بابُ بيانِ اختلاف المجتهدين].

قال ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ في [«فتح الباري» (٦/ ٤٦٥)]: «وفيه أنَّ الحقَّ في جهةٍ واحدةٍ، وأنَّ الأنبياء يَسُوغُ لهم الحكمُ بالاجتهاد وإِنْ كان وجودُ النصِّ ممكنًا لديهم بالوحي، لكِنَّ في ذلك زيادةً في أجورهم، ولعصمتِهم مِنَ الخطإ في ذلك؛ إِذْ لا يُقَرُّون ـ لعصمتِهم ـ على الباطل».

وقد بيَّن النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم هذا المعنى حقَّ البيانِ في حديثِ أمِّ سَلَمةَ رضي الله عنها زوجِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: أَنَّهُ سَمِعَ خُصُومَةً بِبَابِ حُجْرَتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَدَقَ، فَأَقْضِي لَهُ بِذَلِكَ؛ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ، فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ فَلْيَتْرُكْهَا» [مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «المظالم» (٥/ ١٠٧) بابُ إثمِ مَنْ خاصَمَ في باطلٍ وهو يعلمه، وفي «الشهادات» (٥/ ٢٨٨) بابُ مَنْ أقام البيِّنةَ بعد اليمين، وفي «الحِيَل» (١٢/ ٣٣٩)، وفي «الأحكام» (١٣/ ١٥٧) بابُ موعظةِ الإمام للخصوم، و(١٣/ ١٧٢) بابُ مَنْ قُضِيَ له بحقِّ أخيه فلا يأخُذْه، و(١٣/ ١٧٨) باب: القضاءُ في قليلِ المال وكثيرِه سواءٌ، ومسلمٌ في «الأقضية» (١٢/ ٤) باب الحكم بالظاهر واللحنِ بالحجَّة].

قال ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ في [«فتح الباري» (١٣/ ١٧٤)]: «وفيه أنَّ المجتهد قد يخطئ، فيُرَدُّ به على مَنْ زَعَم أنَّ كُلَّ مجتهدٍ مُصيبٌ؛ وفيه أنَّ المجتهد إذا أخطأ لا يلحقه إثمٌ، بل يُؤْجَر .. وفيه أنه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم كان يقضي بالاجتهاد فيما لم يُنْزَلْ عليه فيه شيءٌ، وخالف في ذلك قومٌ، وهذا الحديثُ مِنْ أصرحِ ما يُحتجُّ به عليهم؛ وفيه أنه ربَّما أدَّاهُ اجتهادُه إلى أمرٍ فيحكم به، ويكون ـ في الباطن ـ بخلافِ ذلك، لكنَّ مِثْلَ ذلك لو وَقَع لم يُقَرَّ عليه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم لثبوتِ عصمته».

٥) عُرْضةُ الأنبياء والرُّسُل لارتكاب الصغائر مع العصمة مِنَ الإصرار عليها:

تَقدَّمَ أنَّ الأنبياء والرُّسُل عليهم السلام معصومون في تحمُّل الرسالة وتبليغِها ومِنِ ارتكاب الكبائر، لكنَّ العصمةَ المُطلَقةَ غيرُ مُلازِمةٍ لهم في كُلِّ شئونهم وأعمالِهِم وأقوالهم وأحوالهم؛ فهُمْ عُرْضةٌ للمُخالَفاتِ الصغيرة بوصفهم بشرًا؛ غيرَ أنهم يَفْضُلون سائرَ البشر ويمتازون عليهم بعدمِ إقرار الله تعالى لهم على مُخالَفاتهم وأخطائهم بعد صدورها منهم، بل يُنبِّهُهم إليها، وقد يُعاتِبهم عليها تارةً، ويعصمهم ـ في كُلِّ الأحوال ـ مِنَ الإصرار على صغائر الذنوب، ويوفِّقهم للتوبة منها والأَوْبة والاستغفار؛ وهذا هو مذهبُ جماهيرِ العلماء، ويكون الاقتداءُ بهم في التوبة منها؛ علمًا أنه لم يُنْقَلْ عن السلف مِنَ الصحابة والتابعين والأئمَّة المهديِّين خلافُه؛ قال ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ في [«مجموع الفتاوى» (٤/ ٣١٩)]: «القول بأنَّ الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر هو قولُ أكثرِ علماء الإسلام وجميعِ الطوائف، حتَّى إنه قولُ أكثرِ أهل الكلام، كما ذَكَر أبو الحسن الآمديُّ أنَّ هذا قولُ أكثر الأشعريَّة، وهو ـ أيضًا ـ قولُ أكثرِ أهل التفسير والحديثِ والفقهاء، بل هو لم ينقل عن السلف والأئمَّة والصحابة والتابعين وتابِعِيهم إلَّا ما يُوافِقُ هذا القولَ».

وعُمْدةُ جماهيرِ العلماء على صحَّةِ مذهبهم ما يأتي:

ـ معصيةُ آدَمَ ـ عليه السلام ـ ربَّه وغوايَتُه بمخالَفتِه لأمرِه، واستجابتُه لدعوة الشيطان بأكله مِنَ الشجرة التي نَهَاهُ الله تعالى عن الأكل منها، فكان ذلك زلَّةً وَقَع فيها؛ قال تعالى: ﴿وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ١٢١ [طه]، وقال تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ عَنۡهَا فَأَخۡرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِۖ [البقرة: ٣٦]؛ ويُؤكِّد معصيةَ آدَمَ ـ عليه السلام ـ ربَّه: حديثُ أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم قال: «حَاجَّ مُوسَى آدَمَ فَقَالَ لَهُ: «أَنْتَ الَّذِي أَخْرَجْتَ النَّاسَ مِنَ الجَنَّةِ بِذَنْبِكَ وَأَشْقَيْتَهُمْ»، قَالَ: «قَالَ آدَمُ: «يَا مُوسَى، أَنْتَ الَّذِي اصْطَفَاكَ اللهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ، أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي ـ أَوْ قَدَّرَهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي ـ؟»، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى» [سبق تخريجه].

والمعلوم أنَّ معصيةَ آدَمَ ـ عليه السلام ـ لم تكن عن عزمٍ أو قَصْد تعمُّدِ ارتكابِ ما نَهَاهُ اللهُ عن فعله، وإنما وقعَتْ نسيانًا منه لوصايةِ الله له وعهدِه إليه؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ عَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبۡلُ فَنَسِيَ وَلَمۡ نَجِدۡ لَهُۥ عَزۡمٗا١١٥[طه]؛ لكنَّ الله تعالى أَلْهَمَ آدَمَ ـ عليه السلام ـ كلماتٍ يقولها وهي: ﴿رَبَّنَا ظَلَمۡنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمۡ تَغۡفِرۡ لَنَا وَتَرۡحَمۡنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ٢٣ [الأعراف]؛ فاعترف آدَمُ ـ عليه السلام ـ بذنبه وسألَ اللهَ أَنْ يغفر له فتابَ عليه ورَحِمَه؛ قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ٣٧[البقرة]؛ وهذا مِنْ رحمةِ اللهِ بعباده أَنْ وفَّقهم للتوبة وعَفَا عنهم وصَفَح؛ فليس لنا فيما عُوتِبُوا عليه واستغفروا منه إلَّا حكايةُ لفظِه في الكتاب والسُّنَّة، مع إجلالهم وتقديرهم والاعترافِ بمكانتهم عند الله تعالى.

ـ سؤال نوحٍ ـ عليه السلام ـ ربَّه في شأنِ ابنه الكافر الهالك في الطوفان، مع وعدِ الله بنجاته ونجاةِ أهله؛ ﴿وَنَادَىٰ نُوحٞ رَّبَّهُۥ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبۡنِي مِنۡ أَهۡلِي وَإِنَّ وَعۡدَكَ ٱلۡحَقُّ وَأَنتَ أَحۡكَمُ ٱلۡحَٰكِمِينَ٤٥[هود]؛ وعاتَبَه ربُّه على دُعائه ولامَهُ على سؤاله، وأَعْلَمه بأنَّ نسبَ ابنِه انقطع بكفره وإعراضِه عن دعوة الله؛ مُبيِّنًا له أنَّ الصِّلَةَ الدِّينيَّةَ أقوى مِنَ الصِّلَة الطينيَّة، وأنه إذا انقطع النسبُ الروحيُّ لم يُسْرِع به النسبُ الرَّحِميُّ؛ ولهذا قال تعالى ـ مُعْلِمًا نوحًا عليه السلام ـ: ﴿يَٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيۡسَ مِنۡ أَهۡلِكَۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيۡرُ صَٰلِحٖۖ فَلَا تَسۡ‍َٔلۡنِ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۖ إِنِّيٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ٤٦ [هود]؛ ثمَّ تاب نوحٌ ـ عليه السلام ـ إلى الله واستغفر مِنْ عثرته التي لا عِلْمَ له بأنها ذنبٌ ولم يكن ليقصدها، فقال: ﴿رَبِّ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِكَ أَنۡ أَسۡ‍َٔلَكَ مَا لَيۡسَ لِي بِهِۦ عِلۡمٞۖ وَإِلَّا تَغۡفِرۡ لِي وَتَرۡحَمۡنِيٓ أَكُن مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ٤٧[هود].

ـ نصرة موسى ـ عليه السلام ـ للذي مِنْ شيعته وقومِه على خصمِه القبطيِّ الذي ضَرَبه موسى ـ عليه السلام ـ؛ فأصابَتْ ضربتُه منه مَقْتَلًا، ولم يتعمَّدْ موسى ـ عليه السلام ـ قَتْلَه، وإنما قَصَد صَدَّ عدوانِه، واعترف موسى ـ عليه السلام ـ بظُلْمِه لنفسه، ورَجَع إلى الله تعالى ذاكرًا خطأَه، سائلًا اللهَ العفوَ والغفران؛ فغَفَر اللهُ تعالى له؛ قال تعالى: ﴿وَدَخَلَ ٱلۡمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفۡلَةٖ مِّنۡ أَهۡلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيۡنِ يَقۡتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِۦ وَهَٰذَا مِنۡ عَدُوِّهِۦۖ فَٱسۡتَغَٰثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِۦ عَلَى ٱلَّذِي مِنۡ عَدُوِّهِۦ فَوَكَزَهُۥ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيۡهِۖ قَالَ هَٰذَا مِنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِۖ إِنَّهُۥ عَدُوّٞ مُّضِلّٞ مُّبِينٞ١٥ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمۡتُ نَفۡسِي فَٱغۡفِرۡ لِي فَغَفَرَ لَهُۥٓۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ١٦ [القَصص].

ـ تعجُّل داودَ ـ عليه السلام ـ في الحُكم بين الخصمين، فقضى بينهما بعد أَنْ سَمِع مِنْ أحَدِهما ولم يسمع مِنَ الطرف الآخَر، والتعجيلُ بالحكم قبل الاستماع مِنَ الطرفين يُعَدُّ ـ في نظر الفقهاء ـ مُخالَفةً، فعَلِم داودُ ـ عليه السلام ـ أنَّ ما وَقَع له اختبارٌ ليَنتبهَ إلى ما صَدَر منه؛ ﴿فَٱسۡتَغۡفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّۤ رَاكِعٗاۤ وَأَنَابَ۩٢٤ فَغَفَرۡنَا لَهُۥ ذَٰلِكَۖ وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلۡفَىٰ وَحُسۡنَ مَ‍َٔابٖ٢٥[ص].

ـ فتنة سليمان ـ عليه السلام ـ؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ فَتَنَّا سُلَيۡمَٰنَ وَأَلۡقَيۡنَا عَلَىٰ كُرۡسِيِّهِۦ جَسَدٗا ثُمَّ أَنَابَ٣٤ [ص]؛ وكانَتْ فتنتُه ـ عليه السلام ـ بسببِ تركِ قوله: «إِنْ شاء اللهُ» على ما جاء في الصحيحين؛ فعند ذلك دَعَا سليمانُ ـ عليه السلام ـ ربَّه أَنْ يغفر له ما حَدَث منه مِنْ تقصيرٍ في شكرِ الله، وسأله أَنْ يَهَبَه مُلْكًا يَستأثِرُ به دون غيره، فاستجاب اللهُ له؛ قال تعالى عنه: ﴿قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَهَبۡ لِي مُلۡكٗا لَّا يَنۢبَغِي لِأَحَدٖ مِّنۢ بَعۡدِيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ٣٥[ص].

ـ مُغاضَبةُ يونس ـ عليه السلام ـ وخروجُه مِنْ قومه مُستعجِلًا قبل أَنْ يأذن اللهُ له؛ فاستحقَّ اللومَ والعتابَ والتأديبَ الربَّانيَّ؛ فالْتقمه الحوتُ بأمر الله، وسارَ به في الظلمات في حفظِ الله وهو في عُبابِ البحر ـ حيًّا ـ يسبِّحُ اللهَ ويستغفره ويتوب إليه؛ فأنجاهُ اللهُ تعالى وتاب عليه؛ قال تعالى: ﴿وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبٗا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقۡدِرَ عَلَيۡهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ٨٧ فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَنَجَّيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡغَمِّۚ وَكَذَٰلِكَ نُ‍ۨجِي ٱلۡمُؤۡمِنِينَ٨٨[الأنبياء].

ـ عتاب اللهِ تعالى نبيَّه محمَّدًا صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم في مَواطِنَ مِنَ القرآن منها:

 معاتبةُ اللهِ نبيَّه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم في عبوسه في وجه الأعمى: ابنِ أمِّ مكتومٍ رضي الله عنه، وانشغالِه عنه طمعًا في إسلامِ بعضِ صناديدِ قريشٍ الذين أقبل عليهم صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم يدعوهم إلى الله تعالى؛ قال تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ١ أَن جَآءَهُ ٱلۡأَعۡمَىٰ٢ وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّهُۥ يَزَّكَّىٰٓ٣ أَوۡ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكۡرَىٰٓ٤ أَمَّا مَنِ ٱسۡتَغۡنَىٰ٥ فَأَنتَ لَهُۥ تَصَدَّىٰ٦ وَمَا عَلَيۡكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ٧ وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسۡعَىٰ٨ وَهُوَ يَخۡشَىٰ٩ فَأَنتَ عَنۡهُ تَلَهَّىٰ١٠[عَبَس].

 نهيُ الله تعالى نبيَّه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم أَنْ يقول: «سأُخْبِرُكم غدًا» أي: سيفعل شيئًا في المُستقبَلِ إلَّا معلِّقًا ذلك بمشيئة الله تعالى، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَاْيۡءٍ إِنِّي فَاعِلٞ ذَٰلِكَ غَدًا٢٣ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ[الكهف: ٢٣ ـ ٢٤].

 معاتبةُ اللهِ نبيَّه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم في اجتهاده في أسرى بدرٍ وقَبولِه الفداءَ كما في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسۡرَىٰ حَتَّىٰ يُثۡخِنَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنۡيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ٦٧ لَّوۡلَا كِتَٰبٞ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمۡ فِيمَآ أَخَذۡتُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ٦٨[الأنفال].

 معاتبةُ اللهِ نبيَّه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم في قَبوله أعذارَ المتخلِّفين عن الغزو دون تمحيصِ هذه الأعذار، قَصْدَ تمييز الصادق مِنَ الكاذب؛ قال تعالى: ﴿عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعۡلَمَ ٱلۡكَٰذِبِينَ٤٣[التوبة].

 معاتبةُ اللهِ نبيَّه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم في تحريمه على نفسِه سُرِّيَّتَه ماريةَ أو شُرْبَ العسلِ مراعاةً لخاطرِ بعضِ أزواجه؛ وذلك في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَۖ تَبۡتَغِي مَرۡضَاتَ أَزۡوَٰجِكَۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ١[التحريم].

وكان صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم يتوب ويَستغفِرُ مِنْ كُلِّ ما عُوتِبَ فيه، واللهُ تعالى عَفَا عنه وغَفَر له ما تَقدَّم مِنْ ذنبه وما تَأخَّر؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّا فَتَحۡنَا لَكَ فَتۡحٗا مُّبِينٗا١ لِّيَغۡفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكَ وَيَهۡدِيَكَ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا٢ وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصۡرًا عَزِيزًا٣[الفتح].

فهذه صُوَرٌ وأمثلةٌ مِنَ الصغائر منسوبةٌ للأنبياء والرُّسُل نصَّ القرآنُ الكريم على وقوعها منهم، مع مُسارَعتِهم ـ بعدها ـ إلى التوبة والأوبة والاستغفار، كما سَبَق ذِكْرُه في الآيات التي تشهد على صحَّةِ مذهبِ جماهير العلماء.

هذا، وقد أجمعَتِ الروافضُ مِنَ الشيعة الإماميَّة الاثنا عشريَّة على أنَّ الأنبياء وكذا أئمَّتَهم الاثني عشر معصومون مِنَ الوقوع في صغائر الذنوب وكبائرها، [انظر: «عقائد الإماميَّة» لمحمَّد رضا المظفَّر (٥٣)، «عقائد الإماميَّة الاثنا عشريَّة» لإبراهيم الموسوي الزنجاني (١/ ٤٠)]؛ كما ذهبَتْ طائفةٌ مِنْ أهل العلم إلى أنَّ خصوصَ الأنبياءِ والرُّسُل معصومون مِنَ الكبائر والصغائر جميعًا؛ وتَمسَّك الفريقان ـ في تقريرِ مذهبهم ـ بشبهتين مُتهافِتَتَيْن وهما:

الشبهة الأولى: ما ذَكَره القرطبيُّ ـ رحمه الله ـ في [«تفسيره» (١/ ٣٠٨)] بقوله: «لأنَّا أُمِرْنا باتِّباعهم في أفعالهم وآثارهم وسِيَرهم أمرًا مطلقًا مِنْ غيرِ الْتزامِ قرينةٍ؛ فلو جوَّزْنا عليهم الصغائرَ لم يمكن الاقتداءُ بهم؛ إذ ليس كُلُّ فعلٍ مِنْ أفعالهم يتميَّزُ مَقْصِدُه مِنَ القُرْبة والإباحة أو الحظر أو المعصية؛ ولا يصحُّ أَنْ يُؤمَرَ المرءُ بامتثالِ أمرٍ لعلَّهُ معصيةٌ، لا سيَّما على مَنْ يرى تقديمَ الفعلِ على القول إذا تَعارَضَا مِنَ الأصوليِّين»، هذا مِنْ جهةٍ؛ ولأنَّ الإجماع ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ معصومٌ مِنَ الخطإ فالرسولُ أَوْلى بالعصمة لعُلُوِّ مرتبته.

وفنَّد ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ في [«مجموع الفتاوى» (١٠/ ٢٩٣)] جزئيَّةَ الشبهة الأولى بقوله: «ومعلومٌ أنَّ التأسِّيَ بهم إنما هو مشروعٌ فيما أُقِرُّوا عليه دون ما نُهُوا عنه ورجعوا عنه، كما أنَّ الأمر والنهي إنما تجب طاعتُهم فيما لم يُنْسَخْ منه؛ فأمَّا ما نُسِخَ مِنَ الأمر والنهي فلا يجوز جعلُه مأمورًا به ولا منهيًّا عنه، فضلًا عن وجوبِ اتِّباعه والطاعةِ فيه».

هذا، وقد ردَّ ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ على احتجاجهم بأنه لو جاز وقوعُ الخطإ في حُكمِه لَلَزِمَ أمرُ المكلَّفين بالخطإ لثبوت الأمر باتِّباعه في جميعِ أحكامه بقوله: «إنَّ الأمر إذا استلزم إيقاعَ الخطإ لا محذورَ فيه؛ لأنه موجودٌ في حقِّ المقلِّدين؛ فإنهم مأمورون باتِّباع المفتي والحاكم ولو جاز عليه الخطأُ» [«فتح الباري» لابن حجر (١٣/ ١٧٤)].

وأمَّا الجزئيَّةُ الثانيةُ لهذه الشبهةِ المتمثِّلةُ في استدلالهم بأولويَّةِ عصمةِ الرسول صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم مِنَ الإجماع المعصومِ فجوابُه أنَّ «الإجماع إذا فُرِضَ وجودُه دلَّ على أنَّ مُستنَدَهم ما جاء عن الرسول؛ فرَجَع الاتِّباعُ إلى الرسول لا إلى نفس الإجماع» [المصدر السابق، الجزء والصفحة نفسُهما].

الشبهة الثانية: أنَّ الذنوب تُنافي الكمالَ، وتُعَدُّ نقصًا مُخِلًّا بمَناصِبِ الأنبياء والرُّسُل، وقدحًا في رتبتهم، وتُوجِبُ التنفيرَ مهما تاب التائبُ منها.

وقد أَبطلَ ابنُ تيميَّة رحمه الله ـ أيضًا ـ في [«مجموع الفتاوى» (١٠/ ٢٩٣)] هذه الشبهةَ بقوله: «فهذا إنما يكون مع البقاء على ذلك وعدمِ الرجوع، وإلَّا فالتوبةُ النَّصوحُ التي يقبلها اللهُ يرفع بها صاحِبَها إلى أعظمَ ممَّا كان عليه، كما قال بعضُ السلف: «كان داودُ ـ عليه السلام ـ بعد التوبة خيرًا منه قبل الخطيئة»، وقال آخَرُ: «لو لم تكن التوبةُ أحَبَّ الأشياءِ إليه لَمَا ابتلى بالذنب أكرمَ الخَلْقِ عليه»؛ وقد ثَبَت في الصِّحاحِ حديثُ التوبة: «لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ رَجُلٍ نَزَلَ مَنْزِلًا» إلخ [مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الدعوات» (١١/  ١٠٢) باب التوبة، ومسلمٌ في «التوبة» (١٧/ ٦١)، مِنْ حديثِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه]؛ وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ٢٢٢[البقرة]، وقال تعالى: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلٗا صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّ‍َٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖۗ[الفرقان: ٧٠] .. واللهُ تعالى لم يذكر في القرآن شيئًا مِنْ ذلك عن نبيٍّ مِنَ الأنبياء إلَّا مقرونًا بالتوبة والاستغفار» كما تَقدَّمَ مِنَ الآيات التي تَناوَلَتْ توبةَ آدَمَ ونوحٍ وموسى وداود وسليمان ويونس عليهم السلام.

فالحاصل: أنَّ النصوص شاهدةٌ بوقوعِ صغائر الذنوب والمُخالَفاتِ اليسيرة مِنَ الأنبياء والرُّسُل في مواضعَ كثيرةٍ لا تقبل التأويلَ في جملتها، وقد أخبرهم اللهُ بها وعاتَبَهم عليها؛ فاعترفوا بها وتَنصَّلوا منها مُشْفِقين منها تائبين إلى الله تعالى، مِنْ غيرِ تأخيرٍ للتوبة، وهُمْ بعدها أكملُ منهم قَبْلَها.

وكُلُّ ذلك لا يُخِلُّ بمكانتهم ولا يُزْري بمَناصِبِهم ولا يقدح في أقدارهم ورُتَبِهم، بل اصطفاهم اللهُ وهداهم ومَدَحهم وفضَّلهم على عباده؛ فهُمْ أنبياءُ اللهِ ورُسُلُه الأصفياءُ الأبرارُ الأطهار؛ فمَنْ رَمَاهم ـ زورًا وبهتانًا ـ بالقبائح، أو طَعَن في أعراضهم بالعظائم، أو وَصَفهم بما لا يَليقُ بهم تنقُّصًا لرُتَبِهم وأقدارِهم، أو نَسَبَ إليهم الرزايا والرذائلَ ممَّا هم بريئون منه، ونحو ذلك مِنْ أَذِيَّةِ الله ورُسُلِه؛ فقَدْ تَوعَّدَه اللهُ باللعن في الدنيا والآخرة، وأعدَّ له العذابَ المُهينَ في الآخرة، كما أخبر به تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمۡ عَذَابٗا مُّهِينٗا٥٧[الأحزاب]، بل الواجبُ علينا التأسِّي بالرُّسُل والأنبياء الكرام في المسارعة إلى التوبة إلى الله تعالى، والإنابةِ إليه، وكثرة استغفاره، والتوجُّه إليه، وإرضائه ـ سبحانه ـ باستباق العبادات وفعلِ الخيرات.