التصفيف الخمسون: عقائد الإيمان بالرُّسُل عليهم الصلاةُ والسلام ـ ٤ ـ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 15 ربيع الآخر 1441 هـ الموافق لـ 12 ديسمبر 2019 م

العقائد الإسلامية
مِنَ الآيات القرآنية والأحاديث النبوية

للشيخ عبد الحميد بنِ باديس (ت: ١٣٥٩ﻫ)

بتحقيق وتعليق د: أبي عبد المعزِّ محمَّد علي فركوس ـ حفظه الله ـ

«التصفيف الخمسون: عقائد الإيمان بالرُّسُل عليهم الصلاةُ والسلام ـ ٤ ـ»

[الفصل ٧٠: تمام عبوديَّتِهم مع عُلُوِّ مرتبَتِهم](١):

هُمْ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ـ عَلَى عُلُوِّ مَنْزِلَتِهِمْ ـ لَا يَمْتَازُونَ عَنِ الخَلْقِ فِي تَمَامِ عُبُودِيَّتِهِمْ: بِافْتِقَارِهِمْ إِلَى اللهِ، وَجَرَيَانِ قَدَرِهِ عَلَيْهِمْ، وَعَدَمِ مِلْكِهِمْ شَيْئًا مَعَهُ مِنَ(٢) التَّصَرُّفِ فِي مُلْكِهِ، وَعَدَمِ عِلْمِهِمُ الغَيْبَ [إِلَّا مَا عَلَّمَهُمُ اللهُ](٣)، وَجَرَيَانِ شَرْعِهِ عَلَيْهِمْ، وَقِيَامِهِمْ بِمَا كُلِّفُوا بِهِ، خَاضِعِينَ للهِ رَاجِينَ خَائِفِينَ(٤)؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَّن يَسۡتَنكِفَ ٱلۡمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبۡدٗا لِّلَّهِ وَلَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ٱلۡمُقَرَّبُونَ[النساء: ١٧٢](٥)، وَلِقَوْلِهِ(٦): ﴿رَبِّ(٧) إِنِّي لِمَآ أَنزَلۡتَ إِلَيَّ مِنۡ خَيۡرٖ فَقِيرٞ ٢٤[القَصص]، وَلِقَوْلِهِ(٨): ﴿وَمَآ أَدۡرِي مَا يُفۡعَلُ بِي وَلَا بِكُمۡۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ وَمَآ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٩[الأحقاف]، وَلِقَوْلِهِ(٨): ﴿قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي نَفۡعٗا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ وَلَوۡ كُنتُ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ لَٱسۡتَكۡثَرۡتُ مِنَ ٱلۡخَيۡرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوٓءُ[الأعراف: ١٨٨]، وَلِقَوْلِهِ(٨): ﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أُخَالِفَكُمۡ إِلَىٰ مَآ أَنۡهَىٰكُمۡ عَنۡهُ[هود: ٨٨](٩)، وَلِقَوْلِهِ(١٠): ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ ٥١[المؤمنون]، [وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى](١١): ﴿أُوْلَٰٓئِكَ(١٢) ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ يَبۡتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلۡوَسِيلَةَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ وَيَرۡجُونَ رَحۡمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحۡذُورٗا ٥٧[الإسراء](١٣).



(١) «م.ف»: «عُلُوُّ مراتبِ الرُّسُل»، وفي «م.ر.أ»: بزيادةِ عنوانٍ فرعيٍّ: «عبودية الرُّسُل لله».

(٢) في نسخة «م.ف»: «في».

(٣) ما بين المعقوفين ساقطٌ مِنْ «م.ف».

(٤) الرُّسُلُ والأنبياء عليهم السلام بَشَرٌ مِنْ نفسِ الأمَّة؛ فهُمْ مِنْ معدنٍ كريمٍ، خصَّهم اللهُ بكمالاتٍ ذاتيةٍ ومواهِبَ عقليةٍ وفضائلَ خُلُقيةٍ؛ فجَعَلهم اللهُ أشرفَ النوعِ البشريِّ وأَسْماهُ روحًا وأكملَه رفعةً، هيَّأَهم اللهُ التهيئةَ الخاصَّة، وأعدَّهم الإعدادَ المميَّز؛ ليقوموا بما فَرَض اللهُ عليهم مِنَ البلاغ والتبشير والإنذار؛ فهُمْ ـ إذَنْ ـ بشرٌ ممَّنْ خَلَق، يجوز في حقِّهم ـ شرعًا وعقلًا ـ ما يجوز على البشر مِنَ الأكل والشرب والنوم والمشي والجلوس والزواج والبيع والشراء وسائرِ الأعراض والأغراض البشرية التي لا تُفْضي إلى عيبٍ يؤثِّر في مراتبهم أو نقصٍ يلحق كمالاتِهم العليَّةَ؛ قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّآ إِنَّهُمۡ لَيَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشُونَ فِي ٱلۡأَسۡوَاقِ[الفرقان: ٢٠]، وقال تعالى : ﴿مَّا ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٞۖ كَانَا يَأۡكُلَانِ ٱلطَّعَامَ[المائدة: ٧٥]، وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ ٥١[المؤمنون]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلٗا مِّن قَبۡلِكَ وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَذُرِّيَّةٗ[الرعد: ٣٨].

كما يتعرَّضون لِمَا يتعرَّض له البشرُ مِنَ الصحَّة والمرض، واللذَّةِ والألم، والسعادةِ والحزن، ويطرأ عليهم ـ أيضًا ـ ما يطرأ على الناس مِنَ الشِّبَع والجوع، والرِّيِّ والعطش، والحياةِ والموت، والقوَّةِ والضعف ونحو ذلك، غيرَ أنَّ ما ينزل بهم لا يعرِّضُهم لتنفيرِ الناس منهم؛ فقَدْ جاء ذِكْرُ إبراهيمَ عليه السلام لربِّه: ﴿وَٱلَّذِي هُوَ يُطۡعِمُنِي وَيَسۡقِينِ ٧٩ وَإِذَا مَرِضۡتُ فَهُوَ يَشۡفِينِ ٨٠ وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحۡيِينِ ٨١[الشُّعَراء]، وقال تعالى في شأن أيُّوبَ عليه السلام: ﴿وَأَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ٨٣ فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ فَكَشَفۡنَا مَا بِهِۦ مِن ضُرّٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰبِدِينَ ٨٤[الأنبياء]، وقال تعالى لنبيِّه محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٞ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ٣٠[الزُّمَر]، وبيَّن اللهُ أنها سنَّتُه في جميع الرُّسُل فقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ[آل عمران: ١٤٤]، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ» [سبق تخريجه].

والأنبياء والرُّسُل عليهم السلام بَشَرٌ تمتدُّ إليهم أيدي العدوان والظلم، وينالهم الاضطهادُ، وقد يَصِلُ إلى حدِّ قتلِهم: كما أخبر اللهُ تعالى عن بني إسرائيلَ بقوله: ﴿وَيَقۡتُلُونَ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ[آل عمران: ١١٢]، ﴿وَقَتۡلَهُمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ[آل عمران: ١٨١]؛ فيعتريهم ما يعتري سائرَ البشر فيما لا علاقةَ له بتبليغ الشرع والأحكام عن الله تعالى.

«والحاصل أنهم عليهم الصلاةُ والسلامُ مِنَ البشر، وأُرْسِلوا إلى البشر؛ فظواهرُهم خالصةٌ للبشر، يجوز عليها مِنَ الآفات والتغييرات والآلام والأسقام وتجرُّعِ كأسِ الحِمَام [وهو قَدَرُ الموتِ وقَضاؤه، انظر: «القاموس المحيط» للفيروزآبادي (١٠٩٧)] ما يجوز على البشر ممَّا لا نقيصةَ فيه؛ فإنَّ نبيَّنا صلَّى الله عليه وسلَّم كان يمرض ويتألَّمُ ويتشكَّى، وكان يُصيبُه الحرُّ والقُرُّ، والجوعُ والعطش، والغضبُ والضجر، والنَّصَبُ والتعب، ونحوُ ذلك ممَّا لا نَقْصَ عليه فيه، ولا يُوجِبُ الاتِّصافُ به نوعَ نفرةٍ عند كُلِّ نبيهٍ» [«لوامع الأنوار البهيَّة» للسفاريني (٢/ ٣١٠)].

والرُّسُلُ والأنبياء عليهم السلام مَحَلُّ محبَّةٍ واجبةٍ وتعظيمٍ دائمٍ، ومع ذلك يَحْرُمُ الغُلُوُّ فيهم ورفعُهم فوق منزلتهم، ومجاوَزةُ الحدِّ المقدَّرِ المشروع في حقِّهم إلى ما ليس بمشروعٍ؛ قال تعالى ناهيًا أهلَ الكتاب عن الغُلُوِّ في الدِّين: ﴿يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ إِنَّمَا ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلۡقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرۡيَمَ وَرُوحٞ مِّنۡهُ[النساء: ١٧١]، قال ابنُ كثيرٍ ـ رحمه الله ـ في [«تفسيره» (١/ ٥٨٩)]: «ينهى تعالى أهلَ الكتاب عن الغُلُوِّ والإطراء، وهذا كثيرٌ في النصارى؛ فإنهم تَجاوَزوا الحدَّ في عيسى حتَّى رفعوه فوقَ المنزلة التي أعطاهُ اللهُ إيَّاها، فنَقَلوه مِنْ حيِّزِ النبوَّة إلى أَنِ اتَّخَذوه إلهًا مِنْ دونِ الله يعبدونه كما يعبدونه، بل قد غَلَوْا في أتباعه وأشياعه ممَّنْ زَعَم أنه على دِينِه؛ فادَّعَوْا فيهم العصمةَ، واتَّبَعوهم في كُلِّ ما قالوه سواءٌ كان حقًّا أو باطلًا، أو ضلالًا أو رشادًا، أو صحيحًا أو كذبًا؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ[التوبة: ٣١]»، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِيَّاكُمْ وَالغُلُوَّ فِي الدِّينِ؛ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الغُلُوُّ فِي الدِّينِ» [أخرجه النسائيُّ في «المناسك» (٥/ ٢٦٨) بابُ الْتقاطِ الحصى، وابنُ ماجه في «المناسك» (٢/ ١٠٠٨) بابُ قَدْرِ حَصَى الرمي، وأحمد في «مسنده» (١/ ٢١٥، ٣٤٧)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٤٦٦)، والبيهقيُّ في «السنن الكبرى» (٥/ ١٢٧)، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. والحديث صحَّحه النوويُّ في «المجموع» (٨/ ١٧١)، والألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٣/ ٢٧٨)]، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ؛ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ» [أخرجه البخاريُّ في «أحاديث الأنبياء» (٦/ ٤٧٨) بابُ قولِ الله: ﴿وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَرۡيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتۡ مِنۡ أَهۡلِهَا[مريم: ١٦]، والحُمَيْديُّ في «مسنده» (١/ ١٦)، والبغويُّ في «شرح السنَّة» (١٣/ ٢٤٦)، مِنْ حديثِ عمر بنِ الخطَّاب رضي الله عنه]، وقال رجلٌ للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ»، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَجَعَلْتَنِي وَاللهَ عَدْلًا [وفي لفظٍ: نِدًّا]، بَلْ مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ» [أخرجه أحمد في «مسنده» (١/ ٢١٤، ٢٢٤، ٢٨٣)، وابنُ ماجه بنحوه في «الكفَّارات» (١/ ٦٨٤) باب النهي أَنْ يقال: ما شاء اللهُ وشئتَ، والبخاريُّ في «الأدب المُفْرَد» (٢/ ٤٧٥)، والبيهقيُّ في «السنن الكبرى» (٣/ ٢١٧)، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. قال أحمد شاكر في تحقيقه ﻟ «مسند أحمد» (٣/ ٢٥٣): «إسنادُه صحيحٌ»، وصحَّحه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (١/ ٥٦) رقم: (١٣٩)].

ذلك لأنَّ مِنْ مقتضى بَشَريَّتِهم أنهم لا يتَّصِفون بصفات الملائكة الكِرام ولا بصفات الإلهية وخصائصها؛ فليس بإمكانهم التصرُّفُ في الكون ـ ألبتَّةَ ـ ولا التأثيرُ في إرادة الله عزَّ وجلَّ، بل يبرأون مِنَ الحول والطَّوْل، ويعتصمون بالله وَحْدَه؛ ﴿وَإِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ءَأَنتَ قُلۡتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيۡنِ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالَ سُبۡحَٰنَكَ مَا يَكُونُ لِيٓ أَنۡ أَقُولَ مَا لَيۡسَ لِي بِحَقٍّۚ إِن كُنتُ قُلۡتُهُۥ فَقَدۡ عَلِمۡتَهُۥۚ تَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِي وَلَآ أَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِكَۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ١١٦ مَا قُلۡتُ لَهُمۡ إِلَّا مَآ أَمَرۡتَنِي بِهِۦٓ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۚ وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ١١٧[المائدة]؛ فهُمْ ـ صلواتُ الله عليهم ـ لا يملكون النفعَ أو الضرَّ، ولا يعلمون الغيبَ ولا يدَّعون منه إلَّا القَدْرَ الذي أطلعهم اللهُ عليه وأراده لهم؛ ﴿قُلۡ إِنِّي لَآ أَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا رَشَدٗا ٢١[الجن]، ﴿قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي نَفۡعٗا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ وَلَوۡ كُنتُ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ لَٱسۡتَكۡثَرۡتُ مِنَ ٱلۡخَيۡرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوٓءُۚ إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ وَبَشِيرٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ١٨٨[الأعراف]، وقال تعالى: ﴿عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ فَلَا يُظۡهِرُ عَلَىٰ غَيۡبِهِۦٓ أَحَدًا ٢٦ إِلَّا مَنِ ٱرۡتَضَىٰ مِن رَّسُولٖ فَإِنَّهُۥ يَسۡلُكُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ رَصَدٗا ٢٧ لِّيَعۡلَمَ أَن قَدۡ أَبۡلَغُواْ رِسَٰلَٰتِ رَبِّهِمۡ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيۡهِمۡ وَأَحۡصَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ عَدَدَۢا ٢٨[الجن].

هذا، وينبغي الحذرُ والتحرُّزُ مِنَ الاشتباهِ الذي قد يحصل ما بين حقِّ الله تعالى وما للرسول مِنْ حقٍّ؛ إذ قد يَقَعُ التداخلُ بين الحقَّيْن على وجهٍ لا يشعر العبدُ فيه بالفرق، وقد يتعمَّدُ الخلطَ بين المفهومين ظانًّا أنه بذلك يؤدِّي واجبًا تُجاهَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، أو قد يكون مدفوعًا بفرطِ محبَّةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم والمبالغةِ في تعظيمه؛ فيتجاوزُ بذلك حدودَ حقِّ الله تعالى الخالصِ فيجعلُه مِنْ حقِّ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم ظلمًا وغُلُوًّا، فيصرف ـ بذلك ـ العبادةَ إليه، فيقع في الشرك المنهيِّ عنه بهذه الأسبابِ أو بغيرها؛ فلا يحقِّق ـ بالتالي ـ رُكْنَ الشهادة ولا شَرْطَها.

والمعلومُ أنَّ لله حقًّا خالصًا لا يُشْرَكُ فيه معه غيرُه، وهو ما يختصُّ به مِنَ الربوبية والألوهية، والأسماءِ والصفات؛ فإنَّ كُلَّ ما دَعَا إليه الشرعُ الحكيمُ مِنْ أنواع الطاعات وأعمالِ الخير والإحسان ـ ممَّا أَمَر به وحثَّ على فعلِه، ورغَّب فيه مِنَ الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة ـ داخلٌ في مفهوم العبادة وعمومِها، لا يجوز صرفُه ـ بحالٍ ـ لغير الله تعالى، بل حقُّ اللهِ المؤكَّدُ على العبيد: وجوبُ صرفِ كُلِّ العبادات له دون غيرِه؛ لأنه هو المعبودُ المُطاع، ولا معبودَ بحقٍّ سِواه، وهي الغايةُ التي خَلَقَ اللهُ الخَلْقَ لأجلها؛ ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ ٥٦[الذاريات]، والمعلومُ أَنْ لا نصيبَ لأحَدٍ في الجنَّة بدون القيام بحقِّ الله تعالى، كما جاء في حديثِ مُعاذ بنِ جبلٍ رضي الله عنه قال: قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «يَا مُعَاذُ، أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى العِبَادِ؟» قَالَ: «اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ»، قَالَ: «أَنْ يُعْبَدَ اللهُ وَلَا يُشْرَكَ بِهِ شَيْءٌ»، قَالَ: «أَتَدْرِي مَا حَقُّهُمْ عَلَيْهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟» فَقَالَ: «اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ»، قَالَ: «أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ» [أخرجه البخاريُّ في «التوحيد» (١٣/ ٣٤٧) بابُ ما جاء في دعاء النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أمَّتَه إلى توحيد الله تَبارَك وتعالى، ومسلمٌ في «الإيمان» (١/ ٢٣٣) باب الدليل على أنَّ مَنْ مات على التوحيد دَخَل الجنَّةَ قطعًا، مِنْ حديثِ مُعاذ بنِ جبلٍ رضي الله عنه] الحديث، قال السعديُّ ـ رحمه الله ـ في [«الحقِّ الواضح المبين» (١١١)]: «وهذا النوعُ ـ يعني: توحيدَ الألوهية والعبادة ـ زبدةُ رسالةِ الله لرُسُله؛ فكُلُّ نبيٍّ يبعثه اللهُ يدعو قومَه يقول: ﴿ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓ[الأعراف: ٥٩، ٦٥، ٧٣، ٨٥؛ هود: ٥٠، ٦١، ٨٤؛ المؤمنون: ٢٣، ٣٢]، ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ[النحل: ٣٦]، وهو الذي خَلَق اللهُ الخَلْقَ لأجله، وشَرَع الجهادَ لإقامته، وجَعَل الثوابَ الدنيويَّ والأخرويَّ لمَنْ قام به وحقَّقه، والعقابَ لمَنْ تَرَكه، وبه يحصل الفرقُ بين أهل السعادة القائمين به، وأهلِ الشقاوةِ التاركين له»، وقال ـ رحمه الله ـ في موضعٍ آخَرَ في [«القول السديد» (١٣)]: «فجميعُ الكُتُبِ السماويةِ وجميعُ الرُّسُل دَعَوْا إلى هذا التوحيد، ونَهَوْا عن ضِدِّه مِنَ الشرك والتنديد، وخصوصًا محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم وهذا القرآنُ الكريم؛ فإنه أَمَر به وفَرَضه، وقرَّره أعظمَ تقريرٍ، وبيَّنه أعظمَ بيانٍ، وأخبر أنه لا نجاةَ ولا فلاحَ ولا سعادةَ إلَّا بهذا التوحيد، وأنَّ جميعَ الأدلَّةِ العقلية والنقلية والأُفُقية والنفسيةِ أدلَّةٌ وبراهينُ على هذا الأمرِ بهذا التوحيدِ ووجوبِه؛ فالتوحيدُ هو حقُّ اللهِ الواجبُ على العبيد، وهو أعظمُ أوامرِ الدِّينِ وأصلُ الأصول كُلِّها وأساسُ الأعمال».

والمعلوم ـ أيضًا ـ أنَّ للرُّسُل والأنبياء صلواتُ الله وسلامُه عليهم ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ حقًّا خاصًّا: هو توقيرُهم وتبجيلهم وإعانتُهم ونُصرتُهم وتقديرهم بما يَستحِقُّون؛ لقوله تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ[الفتح: ٩]، وهذا الحقُّ الخاصُّ للرُّسُل والأنبياء عليهم السلام يَندرِجُ في النصيحة لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في الحديث المشهور: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، قُلْنَا: «لِمَنْ؟» قَالَ: «للهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» [أخرجه مسلمٌ في «الإيمان» (٢/ ٣٧) بابُ بيانِ أنَّ الدين النصيحةُ، مِنْ حديثِ تميم بنِ أوسٍ الداريِّ رضي الله عنه]، قال الخطَّابيُّ ـ رحمه الله ـ في [«أعلام الحديث» (١/ ١٩٢)]: «وأمَّا النصيحة لرسوله صلَّى الله عليه وسلَّم فإنما هي في تصديقه على الرسالة، وقَبولِ ما جاء به ودَعَا إليه، وطاعتِه فيما سنَّ وشَرَع، وبيَّن مِنْ أمرِ الدِّين وشَرَح، والانقيادِ له فيما أَمَر ونَهَى، وحَكَم وأَمْضى، وتركِ التقديم بين يدَيْه، وإعظامِ حقِّه وتعزيره وتوقيره ومؤازَرتِه ونصرتِه، وإحياءِ طريقته في بَثِّ الدعوة وإشاعةِ السنَّة، ونفيِ التهمة في جميعِ ما قالَهُ ونَطَق به؛ فإنه لَكَمَا وَصَفه ربُّه وباعِثُه فقال: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ ٣ إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ ٤[النجم]، وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا ٦٥[النساء]».

وأمَّا قولُه تعالى: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلًا ٩[الفتح] فإنَّ التسبيح مِنْ حقوق الله الخاصَّةِ به؛ فلا يجوز تسبيحُ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم كما يُسبَّحُ اللهُ تعالى؛ فإنَّ ذلك يُعَدُّ ـ بلا شكٍّ ـ شركًا، بخلافِ الإيمان بالله ورسوله وطاعتِهما؛ فإنهما مِنَ الحقوق المشترَكةِ بين الله ورسوله؛ لقوله تعالى: ﴿لِّتُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ[الفتح: ٩؛ المجادلة: ٤]، ولقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ[المائدة: ٩٢؛ التغابن: ١٢]. والإيمانُ بالله والرسولِ وطاعتُه هو ـ في حقيقة الأمر ـ إيمانٌ بالله وطاعةٌ له؛ لقوله تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَ[النساء: ٨٠]، «فذَكَر اللهُ ـ في هذه الآية ـ الحقَّ المشترَكَ بين الله وبين رسوله وهو: الإيمانُ بهما، والمختصَّ بالرسول وهو: التعزيرُ والتوقير، والمختصَّ بالله وهو: التسبيحُ له والتقديسُ بصلاةٍ أو غيرِها» [«تفسير السعدي» (٩٣٤)].

لذلك يَحْرُمُ مجاوَزةُ الحدِّ المشروع في الأنبياء والرُّسُلِ عليهم السلام والغُلُوُّ فيهم؛ خشيةَ رفعِهم مِنْ درجة النبوَّةِ إلى حيِّزِ صفات الربوبية والألوهية: كنسبةِ عِلْمِ اللوح والقلم للرسول صلَّى الله عليه وسلَّم، أو اعتقادِ القدرة فيه على كشفِ الضرِّ أو جلبِ النفع والخير، وما يَنجَرُّ عنه مِنْ دعائه والاستغاثةِ به فيما لا يقدر على تحصيله إلَّا اللهُ تعالى، والتوكُّلِ عليه، ونحوِ ذلك ممَّا يُنافي التوحيدَ؛ لكونها مِنَ الحقوق الخاصَّةِ بالله عزَّ وجلَّ، سواءٌ وَقَع التداخلُ والخلطُ بين هذه الحقوقِ مِنْ غيرِ تميُّزٍ بينها ـ جهلًا ـ أو بدعوَى مَزيدِ محبَّة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم المُفْرِطة، علمًا أنَّ محبَّةَ الرسولِ الحقيقيةَ إنما هي مُتابَعتُه والمُسارَعةُ في طاعته فيما يُحِبُّه اللهُ مِنَ الإيمان والعمل الصالح، ومِنْ دفعِ ما يبغضه مِنَ الكفر والفسوق والعصيان؛ فالمحبَّةُ لها علامتان: فهي لا تتمُّ إلَّا بتجريد المتابَعةِ لشرعِ الله الذي جاء به النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن ربِّه أوَّلًا؛ لقوله تعالى: ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣١[آل عمران]، وممَّا جاء به صلَّى الله عليه وسلَّم عن ربِّه: إفرادُ الله بالعبادة بجميعِ أنواعها ومراتبها وصُوَرِها، مِنْ غيرِ صرفِ أيِّ شيءٍ منها لأحَدٍ كائنًا مَنْ كان، وهذا معنَى كلمةِ التوحيد، ولا تتمُّ محبَّةُ الله ـ ثانيًا ـ إلَّا بموالاته تعالى ومُوافَقته فيما يُحِبُّ ويكره؛ فيُحِبُّ العبدُ ما يُحِبُّه ربُّه ويبغض ما يبغضه؛ عملًا بقوله تعالى: ﴿قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦ[التوبة: ٢٤]، وبقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «[فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ]، لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ [وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ]» [أخرجه البخاريُّ في «الإيمان» (١/ ٥٨) باب: حبُّ الرسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم مِنَ الإيمان، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه. وأخرجه البخاريُّ (١/ ٥٨)، ومسلمٌ في «الإيمان» (٢/ ١٥) بابُ وجوبِ محبَّة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أكثرَ مِنَ الأهل والولدِ والوالد والناس أجمعين، مِنْ حديثِ أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه].

ولتثبيتِ هذه الحقائقِ والمعاني في نفوس المسلمين وترسيخِها أَفصحَ القرآنُ الكريم أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم بَشَرٌ يدعو إلى عبادة الله وَحْدَه لا شريكَ له وإلى إقامةِ دِينِه، مقيَّدًا بما جاء به مِنْ سنَّتِه؛ قال تعالى: ﴿قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا ١١٠[الكهف]، وقد بيَّن ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ هذا المعنى ـ بجلاءٍ ـ بقوله في [«إعلام الموقِّعين» (٢/ ١٨١)]: «والأعمال أربعةٌ: واحدٌ مقبولٌ وثلاثةٌ مردودةٌ؛ فالمقبولُ ما كان لله خالصًا وللسنَّة مُوافِقًا، والمردودُ ما فُقِدَ منه الوصفان أو أحَدُهما، وذلك أنَّ العمل المقبولَ هو ما أَحَبَّه اللهُ ورَضِيَه، وهو ـ سبحانه ـ إنما يُحِبُّ ما أَمَر به وما عُمِلَ لوجهِه، وما عَدَا ذلك مِنَ الأعمال فإنه لا يُحِبُّها، بل يمقتها ويمقت أهلَها»، وفصَّل ابنُ رجبٍ ـ رحمه الله ـ مسألةَ العمل ـ مِنْ حيث ظاهِرُه وباطِنُه ـ في [«جامع العلوم والحِكَم» (١٠)] بما نصُّه: «.. وإنما يتمُّ ذلك بأمرين: أحَدُهما: أَنْ يكون العملُ ـ في ظاهِرِه ـ على مُوافَقةِ السنَّة، وهذا هو الذي تَضمَّنَه حديثُ عائشة: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» [أخرجه البخاريُّ في «الصلح» (٥/ ٣٠١) باب: إذا اصطلحوا على صُلحِ جَوْرٍ فالصلحُ مردودٌ (٢٦٩٧)، ومسلمٌ في «الأقضية» (١٢/ ١٦) بابُ نقضِ الأحكام الباطلة وردِّ مُحْدَثات الأمور، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها]، والثاني: أَنْ يكون العملُ في باطِنِه يُقْصَدُ به وجهُ الله عزَّ وجلَّ، كما تَضمَّنَهُ حديثُ عمر رضي الله عنه: «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» [أخرجه البخاريُّ في «بدء الوحي» (١/ ٩) باب: كيف كان بدءُ الوحي إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم؟ ومسلمٌ في «الإمارة» (١٣/ ٥٣) بابُ قولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: إنما الأعمال بالنيَّة وأنه يدخل فيه الغزوُ وغيرُه مِنَ الأعمال، مِنْ حديثِ عمر بنِ الخطَّاب رضي الله عنه]، وقال الفُضَيْلُ في قوله تعالى: ﴿لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗا[هود: ٧؛ المُلْك: ٢]، قال: «أَخْلصُه وأَصْوبُه»، وقال: «إنَّ العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقْبَلْ، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقْبَلْ، حتَّى يكون خالصًا وصوابًا»، قال: «والخالصُ: إذا كان لله عزَّ وجلَّ، والصوابُ: إذا كان على السنَّة»».

ولهذا كان الدعاءُ لجلبِ الخير والنفع أو لكشفِ الضرِّ أو دفعِ السوء والأذى إنما هو مُوجَّهٌ للمعبود الحقِّ دون غيره؛ قال تعالى: ﴿ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡ[غافر: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ[البقرة: ١٨٦]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ٱدۡعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِهِۦ فَلَا يَمۡلِكُونَ كَشۡفَ ٱلضُّرِّ عَنكُمۡ وَلَا تَحۡوِيلًا ٥٦[الإسراء]، وقد فسَّر ابنُ باديس ـ رحمه الله ـ هذه الآيةَ في [«مجالس التذكير مِنْ كلام الحكيم الخبير» (٤٦٨)] بقوله: «فمَنْ دَعَا غيرَ اللهِ فقَدْ عَبَده، ومَنْ دَعَا مخلوقًا مع الخالق فقَدْ أشرك، فإذا دَعَوْتَ فادْعُ ربَّك ولا تَدْعُ معه أحَدًا، وكيف تدعو مَنْ لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا؟! وإذا تَوسَّلْتَ فتَوَسَّلْ بأعمالك: بإيمانك وتوحيدِك، وباتِّباعك لمحمَّدٍ صلَّى الله عليه وآلِه وسلَّم، ومحبَّتِك فيه، واعتقادِك ما له عند الله مِنْ عظيمِ المنزلة وسُمُوِّ المَقام عليه وعلى آله الصلاةُ والسلامُ»، ولقوله تعالى: ﴿قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي ضَرّٗا وَلَا نَفۡعًا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ[يونس: ٤٩]، قال محمَّد صدِّيق حسن خان ـ رحمه الله ـ في حكم التوجُّه إلى الرسول بالدعاء والاستغاثة به في [«فتح البيان» (٤/ ٢٢٥)] ما نصُّه: «وفي هذا أعظمُ واعظٍ وأبلغُ زاجرٍ لمَنْ صار دَيْدنُه وهِجِّيراهُ المناداةَ لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم والاستغاثةَ به عند نزول النوازل التي لا يقدر على دفعِها إلَّا اللهُ سبحانه، وذلك مَنْ صار يطلب مِنَ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم ما لا يقدر على تحصيله إلَّا اللهُ سبحانه؛ فإنَّ هذا مَقامُ ربِّ العالَمِين الذي خَلَق الأنبياءَ والصالحين وجميعَ المخلوقين: رَزَقهم وأحياهم ويُميتُهم؛ فكيف يطلب مِنْ نبيٍّ مِنَ الأنبياء أو مَلَكٍ مِنَ الملائكة أو صالحٍ مِنَ الصالحين ما هو عاجزٌ عنه غيرُ قادرٍ عليه، ويترك الطلبَ لربِّ الأرباب، القادرِ على كُلِّ شيءٍ، الخالقِ الرازق المعطي المانع؟ وحَسْبُك ـ في هذه الآيةِ ـ موعظةً! فإنَّ هذا سيِّدُ ولدِ آدَمَ وخاتمُ الرُّسُل يأمره اللهُ بأَنْ يقول لعباده: ﴿لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي ضَرّٗا وَلَا نَفۡعًا﴾؛ فكيف يملكه لغيره؟ وكيف يملكه غيرُه ـ ممَّنْ رتبتُه دون رتبته، ومنزلتُه لا تبلغ إلى منزلته ـ لنفسه فضلًا عن أَنْ يملكه لغيره؟ فيا عجبًا لقومٍ يعكفون على قبور الأموات الذين قد صاروا تحت أطباق الثرى، ويطلبون منهم مِنَ الحوائج ما لا يقدر عليه إلَّا اللهُ عزَّ وجلَّ: كيف لا يتيقَّظون لِمَا وقعوا به مِنَ الشرك، ولا ينتبهون لِمَا حلَّ بهم مِنَ المخالفة لمعنى: «لا إلهَ إلَّا اللهُ» ومدلولِ: ﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ١[الإخلاص]؟! وأعجبُ مِنْ هذا اطِّلاعُ أهلِ العلم على ما يقع مِنْ هؤلاء، ولا يُنْكِرون عليهم ولا يحولون بينهم وبين الرجوع إلى الجاهلية الأولى، بل إلى ما هو أَشَدُّ منها!! فإنَّ أولئك يعترفون بأنَّ الله ـ سبحانه ـ هو الخالقُ الرازق المُحيي المُميتُ الضارُّ النافع، وإنما يجعلون أصنامَهم شُفَعاءَ لهم عند الله ومقرِّبين إليه، وهؤلاء يجعلون لهم قدرةً على الضرِّ والنفع، ويُنادونهم ـ تارةً ـ على الاستقلال وتارةً مع ذي الجلال، وكفاك مِنْ شرٍّ سماعُه! واللهُ ناصِرُ دِينِه ومُظهِرُ شريعته مِنْ أوضار الشرك وأدناسِ الكفر، ولقد تَوسَّلَ الشيطانُ ـ أخزاهُ اللهُ ـ بهذه الذريعةِ إلى ما تَقَرُّ به عَيْنُه ويَنثلِجُ به صدرُه مِنْ كفرِ كثيرٍ مِنْ هذه الأمَّةِ المُبارَكة وهُمْ يحسبون أنهم يُحْسِنون صنعًا، إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون».

هذا، والقرآنُ الكريم تَضمَّنَ العديدَ مِنَ الآيات الناهية عن الدعاء بجلب الخير، والسؤالِ لكشفِ الضرِّ أو تحويلِه، إلَّا مِنَ الله تعالى الذي دَعَانا إلى طلبِه منه والتوجُّهِ إليه مُباشَرةً دون واسطةٍ؛ قال تعالى: ﴿ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡ[غافر: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة: ١٨٦].

وعليه، فلا وساطةَ للرُّسُل والأنبياء عليهم السلام في شيءٍ بين الله تعالى وعبادِه مِنْ طلبِ الحوائج مِنَ الله تعالى، وإنما وساطتُهم تتجلَّى في تبليغِ شرعِ الله ودِينِه لعباده. وفي بيانِ هذه الوساطةِ وإثباتِها قال عبدُ العزيز المحمَّد السلمان ـ رحمه الله ـ في [«الكواشف الجليَّة» (٧٣)] ما نصُّه: «إنها على قسمين:

ـ واسطةٌ مِنْ تمام الدِّينِ والإيمانِ إثباتُها: وهي أنَّ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم وغيرَه مِنَ الرُّسُل وسائطُ بين الله وبين عباده في تبليغِ دِينِه وشرعِه.

ـ وواسطةٌ شركيةٌ: وهي التقرُّبُ إلى أحَدٍ مِنَ الخَلْق ليُقرِّبَه إلى الله، وليَجلِبَ له المنافعَ التي لا يقدر عليها إلَّا اللهُ، أو يدفع عنه المَضارَّ؛ فهذا النوعُ مِنَ الشرك الأكبر الذي لا يغفره اللهُ.

فالخَلْق مُضطرُّون إلى وساطة الرُّسُل في تبليغِ الدِّين، وليس بهم حاجةٌ إلى وساطةِ أحَدٍ في طلبِ الحوائج مِنَ الله؛ فليس بين العبد وبين الله حجابٌ ولا واسطةٌ».

ومنه يُعْلَمُ أنَّ الله تعالى لم يجعل وساطةَ الرُّسُل والأنبياء عليهم السلام ولا مكانتَهم وجاهَهم ـ فضلًا عن الصالحين ـ طريقًا للتقرُّب منه، أو وسيلةً مُوصِلةً إليه، ولا سببًا للزُّلفى لدَيْهِ؛ وإنما جَعَل القُرْبَ منه والوسيلةَ إليه في تصديقهم فيما أخبروا به، واتِّباعِ النور الذي جاءوا به مِنْ عبادته وطاعتِه وامتثالِ أوامره ونواهيه، والْتزامِ مَحَابِّه واجتنابِ مَكارهِه، والعملِ على تقريرِ شرعِه ونَشْرِه وتثبيتِه وإقامتِه بين الخَلْق.

ومِنْ هنا يظهر ـ جليًّا ـ أنَّ حياةَ أنبياءِ اللهِ ورُسُله ـ صلواتُ الله وسلامُه عليهم ـ لم تكن مبنيَّةً على تغييبِ حقيقتهم البشرية، أو رفعِ أَنْفُسهم إلى مَقامِ الربوبية، أو ادِّعاءِ خصائص الألوهية، أو إرادةِ تلبيسٍ بين حقِّ الله الخالص وحقِّ أنبيائه الكرام عليهم السلام، كلَّا، إنما كانَتْ حياتُهم مليئةً بالصِّلَة بالله، وعامرةً بالعلم النافع والعملِ الصالح، والقوَّةِ في العبادة، والمُسارَعةِ في الخيرات، والبصيرةِ النافذة في الدِّين؛ حتَّى بلغوا الغايةَ في العبودية والسُّمُوِّ الروحيِّ، يَهْدُون الناسَ إلى الله، ويبلِّغون دِينَه وشَرْعَه، ويَدْعُون إلى الهدى ودِينِ الحقِّ، ويتنافسون في القُرْبِ مِنْ ربِّهم، ويبذلون ما في وُسْعِهم مِنَ الأعمال الصالحة المقرِّبةِ إلى الله بجِدٍّ واجتهادٍ، يَرْجُون رحمتَه ويخافون عذابَه، ويخشَوْن عقوبتَه وانتقامه؛ لعلمِهم بقوَّة الله وعظيمِ سلطانه، وأنَّ عذابه أليمٌ شديدٌ، شأنُه أَنْ يُتَّقَى ويُحْذَرَ؛ قال الله تعالى عن أهل اصطفائه واجتبائه: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ يَبۡتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلۡوَسِيلَةَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ وَيَرۡجُونَ رَحۡمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحۡذُورٗا ٥٧[الإسراء]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِمۡ فِعۡلَ ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَوٰةِۖ وَكَانُواْ لَنَا عَٰبِدِينَ ٧٣[الأنبياء]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ ٩٠[الأنبياء].

فهؤلاء الرُّسُلُ والأنبياء صلواتُ الله عليهم وسلامُه:

ـ منهم مَنْ جَمَعَ اللهُ له بين الصدِّيقية والنبوَّة مثل: إبراهيم عليه السلام الذي جَعَل اللهُ في ذرِّيَّته النبوَّةَ والكتاب، ودَعَا الخَلْقَ القريبَ والبعيد إلى الله، وصَبَر على ما نالهُ مِنَ الأذى كما في قوله تعالى: ﴿وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِبۡرَٰهِيمَ‌ۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيًّا ٤١[مريم]، وإدريس عليه السلام كما في قوله تعالى: ﴿وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِدۡرِيسَ‌ۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيّٗا ٥٦[مريم].

ـ ومنهم مَنِ اجتباهُ اللهُ وعلَّمه كما هو حالُ يوسفَ الصدِّيقِ عليه السلام الذي مَنَّ اللهُ عليه بالأوصاف الجليلة والمناقب الجميلة، وعلَّمه مِنْ تعبير الرؤيا ومِنْ تأويل الأحاديث الصادقة كالكُتُب السماوية ونحوِها، قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ يَجۡتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكَ وَعَلَىٰٓ ءَالِ يَعۡقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَا عَلَىٰٓ أَبَوَيۡكَ مِن قَبۡلُ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ‌ۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٦[يوسف].

ـ ومنهم مَنِ اصطنعه اللهُ لنَفْسِه، كما هو شأنُ موسى عليه السلام الذي تَربَّى على نظرِ الله وحُسْنِ كفالتِه وجميلِ حِفْظه؛ فاصطفاهُ مِنْ خَلْقه بما أجرى عليه اللهُ مِنْ كريم صنائعه ونِعَمِه الدينية والدنيوية؛ فأراده اللهُ لنفسه ليؤدِّيَ مَهَمَّةَ الرسالةِ بالتبليغ والدعوة إلى ربِّه، قال تعالى: ﴿وَأَلۡقَيۡتُ عَلَيۡكَ مَحَبَّةٗ مِّنِّي وَلِتُصۡنَعَ عَلَىٰ عَيۡنِيٓ ٣٩[طه]، وقال تعالى: ﴿فَلَبِثۡتَ سِنِينَ فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ ثُمَّ جِئۡتَ عَلَىٰ قَدَرٖ يَٰمُوسَىٰ ٤٠ وَٱصۡطَنَعۡتُكَ لِنَفۡسِي ٤١[طه].

ـ ومنهم مَنْ نوَّه اللهُ بذِكْرِهم كما هو حالُ داود وسليمان عليهما السلام ؛ فقَدْ خصَّهما بالحُكْم والعلم الواسع، ومَدَحهما اللهُ في كتابه مدحًا عظيمًا؛ فهُما مِنْ خواصِّ الأنبياء، لكِنْ دون درجةِ أُولي العزم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ عِلۡمٗا‌ۖ وَقَالَا ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّنۡ عِبَادِهِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٥[النمل]، وقال تعالى: ﴿وَكُلًّا ءَاتَيۡنَا حُكۡمٗا وَعِلۡمٗا[الأنبياء: ٧٩].

ـ ومنهم مَنْ خَلَقهُ اللهُ بكلمته وجَعَله عَبْدَه ورسوله؛ فقَدْ كان عيسى عليه السلام وجيهًا في الدنيا والآخرة ومِنَ المقرَّبين الصالحين؛ قال تعالى: ﴿إِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٖ مِّنۡهُ ٱسۡمُهُ ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ وَجِيهٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ ٤٥ وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗا وَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ٤٦[آل عمران].

ـ ومنهم مَنْ هو بعين الله ورؤيته وحِفْظه، محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم، جَعَله اللهُ أفضلَ الخليلَيْنِ وخاتمَ الأنبياء والمُرْسَلِينَ، واختصَّه ربُّنا عن غيره مِنَ الأنبياء والرُّسُل بخصائصَ جمَّةٍ ومَكارِمَ عِدَّةٍ ومراتِبَ عاليةٍ، نال بذلك التفضيلَ المطلق على العالَمِين مِنَ الجِنَّة والناسِ أجمعين [للوقوف على النصوص الكثيرة المُثْبِتة لهذه الأفضليةِ المُطْلَقة والمكانةِ العالية للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ورتبتِه المرموقة على سائر الخلائق في الدنيا والآخرة، يمكن مُراجَعةُ رسالةٍ لطيفةٍ للعزِّ ابنِ عبد السلام، وهي الموسومة ﺑ: «بداية السول في تفضيل الرسول» تحقيق: محمَّد ناصر الدين الألباني، وانظر ـ أيضًا ـ: «لوامع الأنوار» للسفاريني (٢/ ٢٩٤ وما بعدها)]، قال تعالى: ﴿وَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعۡيُنِنَا[الطور: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٖ مِّن رِّجَالِكُمۡ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ[الأحزاب: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿قُلۡ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا[الأعراف: ١٥٨]، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ لِيَكُونَ لِلۡعَٰلَمِينَ نَذِيرًا ١[الفرقان]، وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ ١٠٧[الأنبياء]، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «فُضِّلْتُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا، وَأُرْسِلْتُ إِلَى الخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ» [أخرجه مسلمٌ في «المساجد ومواضع الصلاة» (٥/ ٥)، والترمذيُّ في «السِّيَر» (٤/ ١٢٣) بابُ ما جاء في الغنيمة، وأحمد في «مسنده» (٢/ ٤١١ ـ ٤١٢)، كُلُّهم مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه].

فتلك هي العبوديةُ الحقَّةُ التي كان الرُّسُلُ والأنبياء عليهم السلام عليها، والمعلومُ أنَّ العبد كلَّما ازداد في تحقيق العبودية الخالصةِ ازداد كمالُه وسَمَتْ روحُه وعَلَتْ درجتُه، وكلَّما نَقَصَتْ عبوديتُه ازداد بُعْدًا وهبوطًا وانحدارًا، والرُّسُلُ والأنبياء عليهم السلام ـ وإِنْ تَفاوَتوا في الفضل والدرجة ـ إلَّا أنهم كانوا يَتنافَسون في القُرْب مِنْ ربِّهم، ويَتسابَقون في تحقيق العبودية، ويُسارِعون في الخيرات كما تَقدَّمَتْ به الآياتُ؛ ولهذا وَصَفهم اللهُ تعالى في كتابه بوصف العبودية التي أساسُها المحبَّةُ والخوفُ والرجاء؛ فقال تعالى: ﴿وَٱذۡكُرۡ عِبَٰدَنَآ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ أُوْلِي ٱلۡأَيۡدِي وَٱلۡأَبۡصَٰرِ ٤٥ إِنَّآ أَخۡلَصۡنَٰهُم بِخَالِصَةٖ ذِكۡرَى ٱلدَّارِ ٤٦ وَإِنَّهُمۡ عِندَنَا لَمِنَ ٱلۡمُصۡطَفَيۡنَ ٱلۡأَخۡيَارِ ٤٧ وَٱذۡكُرۡ إِسۡمَٰعِيلَ وَٱلۡيَسَعَ وَذَا ٱلۡكِفۡلِۖ وَكُلّٞ مِّنَ ٱلۡأَخۡيَارِ ٤٨[ص]، وقال: ﴿وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَآ أَيُّوبَ[ص: ٤١]، وذَكَر نبيَّنا محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم بوصف العبودية في أَسْمَى أحوالِه وأشرفِ مَقاماته: كالإسراء في قوله تعالى: ﴿سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا[الإسراء: ١]، وفي مَقامِ الإيحاء والتحدِّي بالذي أُنْزِلَ عليه، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَوۡحَىٰٓ إِلَىٰ عَبۡدِهِۦ مَآ أَوۡحَىٰ ١٠[النجم]، وقولِه تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا[البقرة: ٢٣]، وفي مَقامِ القيام بالدعوة كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُۥ لَمَّا قَامَ عَبۡدُ ٱللَّهِ يَدۡعُوهُ[الجن: ١٩]، وغيرها مِنَ الآيات المُخْبِرة عن فضائلِ عبادِه المُرْسَلين وأنبيائه العابدين، المُجتهِدين في تحقيقِ العبودية الخالصةِ لله ربِّ العالَمِين.

والواجب علينا أَنْ نقتديَ بهم في سعيهم لتحقيقِ هذه العبودية الخالصةِ لله تعالى ونهتديَ بهَدْيِهم، مع احترام حقِّهم ومنزلتهم في التوقير والتبجيل والمحبَّة والنصرة، مِنْ غيرِ غُلُوٍّ في تعظيمهم ولا إطراءٍ مُفْضٍ بمَحبَّتهم إلى امتزاجِ حقِّهم بما لله تعالى مِنْ حقٍّ خالصٍ في العبودية.

(٥) قال السعديُّ ـ رحمه الله ـ في [«تفسيره» (٢٣٧)]: «لمَّا ذَكَرَ تعالى غُلُوَّ النصارى في عيسى عليه السلام ، وذَكَرَ أنه عَبْدُه ورسولُه؛ ذَكَرَ ـ هنا ـ أنه لا يَستنكِفُ عن عبادةِ ربِّه، أي: لا يَمتنِعُ عنها رغبةً عنها، لا هو ﴿وَلَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ٱلۡمُقَرَّبُونَ﴾؛ فنزَّههم عن الاستنكاف، وتنزيهُهم عن الاستكبار مِنْ بابٍ أَوْلى، ونفيُ الشيءِ فيه إثباتُ ضِدِّه، أي: فعيسى والملائكةُ المقرَّبون قد رَغِبوا في عبادةِ ربِّهم وأحَبُّوها وسَعَوْا فيها بما يَليقُ بأحوالهم؛ فأَوْجَبَ لهم ذلك الشرفَ العظيمَ والفوز العظيم؛ فلم يَستنكِفوا أَنْ يكونوا عبيدًا لربوبيته ولا لإلهيته، بل يرَوْن افتقارَهم لذلك فوق كُلِّ افتقارٍ.

ولا يُظَنَّ أنَّ رَفْعَ عيسى أو غيرِه مِنَ الخَلْق فوق مرتبته التي أنزله اللهُ فيها وترفُّعَه عن العبادة كمالٌ، بل هو النقصُ بعينه، وهو مَحَلُّ الذمِّ والعقاب؛ ولهذا قال: ﴿وَمَن يَسۡتَنكِفۡ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَيَسۡتَكۡبِرۡ فَسَيَحۡشُرُهُمۡ إِلَيۡهِ جَمِيعٗا ١٧٢[النساء] أي: فسيحشر الخَلْق كُلَّهم إليه، المُستنكِفين والمُستكبِرين وعبادَه المؤمنين؛ فيحكم بينهم بحُكْمِه العدلِ وجزائه الفصل».

(٦) ساقطةٌ مِنْ «م.ر».

(٧) ساقطةٌ مِنْ «م.ر.أ».

(٨) ساقطةٌ مِنْ «م.ر».

(٩) وتمامُ الآية: ﴿إِنۡ أُرِيدُ إِلَّا ٱلۡإِصۡلَٰحَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُۚ وَمَا تَوۡفِيقِيٓ إِلَّا بِٱللَّهِۚ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ ٨٨﴾.

(١٠) ساقطةٌ مِنْ «م.ر».

(١١) ما بين المعقوفين ساقطٌ مِنْ «م.ر.أ»، و«تعالى» ساقطةٌ مِنْ «م.ف».

(١٢) ساقطةٌ مِنْ «م.ر.أ، م.ر.ب».

(١٣) قال الشيخ عبد الحميد بنُ باديس ـ رحمه الله ـ في [تفسيره: «مجالس التذكير» (١٥٧)] فيما تُفيدُه هذه الآيةُ مِنْ أحكامٍ ما نصُّه: «أفادَتِ الآيةُ: أنَّ العبادة لا تنفع صاحِبَها إلَّا إذا كانَتْ على الوجه الحقِّ، وإلَّا فإنه لا يحصل منها إلَّا على الخيبة والوبال، وأنَّ المكلَّفَ لا يحمل شيئًا مِنْ إثمِ عملِ غيره إذا لم يكن راضيًا به، ولو كان ذلك العملُ مُتسبَّبًا عنه إذا لم يكن متسبِّبًا هو فيه، وأنَّ المكلَّفَ مُطالَبٌ بأَنْ يطلب أسبابَ القرب إلى الله بجِدٍّ واجتهادٍ، وأَنْ يكون جامعًا بين الرجاء والخوف في سلوكه».