Skip to Content
الإثنين 12 ذي القعدة 1445 هـ الموافق لـ 20 مايو 2024 م

﴿أَلَا يَظُنُّ أُوْلَـٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبۡعُوثُونَ ٤ لِيَوۡمٍ عَظِيمٖ ٥ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦
[سورة المطفِّفين]

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصَّلاةُ والسَّلام على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فلقد سبَقَ لي منذ أكثرَ مِنْ أربعِ سنواتٍ خلَتْ أَنْ ردَدْتُ في مقالي: «تبيين الحقائق للسالك» على أقلامٍ مسعورةٍ لمَزَتْ عِرضي وتهجَّمَتْ على منهجي، ونَسبَتْ إليَّ ما هي أَوْلى بالاتِّصاف به، مِنَ التَّكفير والغُلُوِّ والطُّغيان والتَّطرُّف والظُّلم والجهل والابتداع والضَّلال والسَّفه والغوغائيَّة، بل قَرَنوا اسْمِي بأحداث التِّسعينيات وسَفْكِ الدِّماء واستحلالِ الأعراض مِنْ غيرِ بيِّنةٍ ولا برهانٍ، وهم أعلمُ بأصحابِ هذه الفتنةِ ومَنْ سَعَى في خراب البلاد وإفسادِ العباد، ثمَّ عادت هذه الاتِّهاماتُ مِنْ جديدٍ إلى الواجهة؛ فبئس هؤلاء الورثةُ المُفلِسون! حمَلَهم الشَّرَهُ والغرورُ ومحبَّةُ المَناصِبِ والظُّهور على الكذب والافتراء والبهتان، ولكُلِّ قومٍ وارثٌ، كيف يجترئ هؤلاء على حُرُمات الأعراض بالإفك والبهتان، ولا يخافون أنَّهم مبعوثون ليومٍ عظيمٍ، فمسؤولون عمَّا يفعلون؟ ألا يتَّقونَ اللهَ، ويحذَرونَ غضبَه وعُقوبتَه، ويَستجيبونَ للنَّاصحينَ.

علمًا أنَّ دعوى التَّكفير قد أجَبْتُ عنها في مقالي السَّابق، وأُعيدُه ـ في هذا المَقام ـ بما نصُّه: «أمَّا دعوى أنِّي أُكفِّر ـ بهذه الكلمة ـ المُخالِفين مِنَ المُسلمين فهي دعوَى كاسدةٌ، تشهد فتاوايَ ومُؤلَّفاتي بخلافها، ويُقِرُّ المُنصِفُ ببطلانها؛ إذ لا يخفى أنَّ «مَنْ كفَّر الثِّنتين والسَّبعين فِرقةً كُلَّهم فقَدْ خالف الكتابَ والسُّنَّةَ وإجماعَ الصَّحابة والتَّابعين لهم بإحسانٍ»؛ قال ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ: «وإذا قال المؤمن: ﴿رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ﴾ [الحشر: ١٠] يقصد كُلَّ مَنْ سَبَقه مِنْ قُرون الأُمَّة بالإيمان، وإِنْ كان قد أَخطأَ في تأويلٍ تَأوَّله فخالف السُّنَّةَ أو أَذنبَ ذنبًا؛ فإنَّه مِنْ إخوانه الَّذين سَبَقوه بالإيمان؛ فيدخل في العموم وإِنْ كان مِنَ الثِّنتين والسَّبعين فِرقةً؛ فإنَّه ما مِنْ فِرقةٍ إلَّا وفيها خَلْقٌ كثيرٌ ليسوا كُفَّارًا، بل مؤمنين فيهم ضلالٌ وذنبٌ يَستحِقُّون به الوعيدَ كما يَستحِقُّه عُصَاةُ المؤمنين؛ والنَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لم يُخرِجهم مِنَ الإسلام، بل جَعَلهم مِنْ أُمَّته، ولم يَقُلْ: إنَّهم يخلدون في النَّار؛ فهذا أصلٌ عظيمٌ ينبغي مُراعاتُه؛ فإنَّ كثيرًا مِنَ المُنتسِبين إلى السُّنَّة فيهم بدعةٌ مِنْ جنسِ بِدَع الرَّافضة والخوارج».

والذي تولَّى كِبْرَ هذه الدَّعوى: إمَّا أَنْ يكون ماكرًا يريد المَنْقصةَ والتَّهويل والبُعدَ عن الحقِّ لِيصرف النَّاسَ عنه، فهذا يتولَّاه ربِّي بعدله؛ وإمَّا أَنْ يكون ضيِّقَ الأُفُقِ سقيمَ الفهم، يفهم الكلامَ على غير وجهه، وبخلافِ مُرادِ صاحبِه وقائلِه، فيُحرِّف ألفاظَه ويُغيِّر مَعانِيَه؛ فهذا حالُه كما قال المُتنبِّي:

وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلًا صَحِيحًا * وَآفَتُهُ مِنَ الفَهْمِ السَّقِيمِ

وَلَكِنْ تَأْخُذُ الأَذْهَانُ مِنْهُ * عَلَى قَدْرِ القَرَائِحِ وَالفُهُومِ

فماذا عَسَاني أَنْ أقول لِلْغَوِيِّ أو العَيِيِّ الذي لم يفهم مقالي؟! إنَّ الحُكم بالتَّكفير قبل فهمِ مُرَادي حُمقٌ وبَلَادةٌ.

قال البُحْتُرِيُّ:

عَلَيَّ نَحْتُ القَوَافِي مِنْ مَقَاطِعِهَا * وَمَا عَلَيَّ إِذَا لَمْ تَفْهَمِ البَقَرُ

وإنِّي أَبْرَأُ إلى الله تعالى مِنْ تُهمة التَّكفير والتَّنظيم والزَّعامة وغيرِها ممَّا أنا منها بريءٌ براءةَ الذِّئب مِنْ دمِ ابنِ يعقوب عليهما السَّلام، وعليه فكُلُّ مَنْ جَرَتْ على لسانه ـ طعنًا وظُلمًا في شخصي ومنهجي ـ فلا أجعله في حِلٍّ، وأنا خصمُه يومَ القيامة.

وصاحبُ هذه المَطاعِنِ والتُّهَم ـ في الحقيقة ـ ما ثَلَب إلَّا دِينَه، ولا لَهِج إلَّا بذَمِّ مُخالِفه، ولا عابَ إلَّا أعمالَه، ولا سَعَى إلَّا في هلاكِ نفسِه، مع عِلمه ـ قطعًا ـ أنَّنا ندعوه إلى حقِّ الاتِّباع لدِينِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم المُصفَّى، غير أنَّه ينأَى بنفسِه عن اتِّباعه ويتباعد عنه؛ وقد قال تعالى: ﴿وَهُمۡ يَنۡهَوۡنَ عَنۡهُ وَيَنۡـَٔوۡنَ عَنۡهُ‌ۖ وَإِن يُهۡلِكُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ٢٦﴾ [الأنعام]. أمَّا المُوحِّد السُّنِّيُّ فلا بُدَّ أَنْ يحصل له نصيبٌ مِنَ الإيذاء اختبارًا له؛ لِيتبيَّن الحقُّ مِنَ الباطل، ويَتميَّز الخبيثُ مِنَ الطَّيِّب».

أَسْأَلُ اللهَ تعالى أَنْ يَهدِيَنا الصِّراطَ المُستقيمَ، ويسلكَ بنا سبيلَ العلماء العاملين، وأَنْ يَقِيَنا طُرُقَ الغِواية والضَّلالة، ومِنْ شرِّ الفتنة والحيرة والاضطراب الذي وَقَع فيه أهل الهوى وأهلُ الكلام ـ أهلُ الفساد في القول والعلم ـ وأهلُ التَّصوُّف ـ أهلُ الفساد في السلوك والعمل ـ، ويُوفِّقَنا للاستقامة على دِينه بالعلم النَّافع والعملِ الصَّالح، والفوزِ بالجنَّة والنَّجاةِ مِنَ النَّار؛ إنَّه وليُّ ذلك والقادرُ عليه.

وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في ٢٠ مِنْ جمادى الآخرة ١٤٤٤هـ
المُــوافــــق ﻟ: ١٢ جـــانـــفي ٢٠٢٣م