مُقْتَضَيات الحكم | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 5 ربيع الثاني 1440 هـ الموافق لـ 12 ديسمبر 2018 م

مُقْتَضَيات(١) الحكم

الحاكم هو الله تعالى(٢)

وَكُلُّ حَاكِمٍ مِنَ الخَلْقِ إِنَّمَا(٣) يَكُونُ حَاكِمًا شَرْعًا(٤) إِذَا كَانَ يَحْكُمُ بِحُكْمِ اللهِ: يَتَحَرَّاهُ وَيَقْصِدُهُ(٥)؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ[الأنعام: ٥٧؛ يوسف: ٤٠، ٦٧](٦)، ﴿وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ[المائدة: ٤٩](٧)، ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِتَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُۚ[النساء: ١٠٥](٨)، ﴿وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٤٤[المائدة]، ﴿وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٤٥[المائدة]، ﴿وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٤٧[المائدة](٩).

المحكوم فيه

هُوَ فِعْلُ المُكَلَّفِ: الظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ، وَلَمْ يُكَلِّفِ اللهُ العِبَادَ إِلَّا بِمَا فِي مَقْدُورِهِمْ وَلَا حَرَجَ عَلَيْهِمْ فِيهِ؛ فَلَا تَكْلِيفَ بِغَيْرِ المَقْدُورِ(١٠) كَقِيَامِ المُقْعَدِ(١١) لِلصَّلَاةِ، وَلَا بِمَا فِيهِ حَرَجٌ كَقِيَامِ المَرِيضِ لَهَا(١٢)؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ[البقرة: ٢٨٦]، ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ[البقرة: ٢٨٦]، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ[الحج: ٧٨](١٣)(١٤).

المحكوم عليه(١٥)

وَهُوَ(١٦) المُكَلَّفُ البَالِغُ العَاقِلُ(١٧) المُخْتَارُ دُونَ الصَّبِيِّ وَالمَجْنُونِ وَالمَعْتُوهِ(١٨) وَالمُكْرَهِ(١٩).

المُخاطَب بالأحكام

إِذَا كَانَ الخِطَابُ بِحُكْمٍ وَضْعِيٍّ فَهُوَ عَلَى عُمُومِهِ لِلْمُكَلَّفِ وَغَيْرِهِ؛ وَلِهَذَا لَزِمَ الصَّبِيَّ وَالمَجْنُونَ أَرْشُ جِنَايَتِهِمَا(٢٠)، وَوَجَبَتِ الزَّكَاةُ بِمِلْكِ النِّصَابِ فِي مَالِهِمَا(٢١). وَإِنْ كَانَ الخِطَابُ بِحُكْمٍ تَكْلِيفِيٍّ فَهُوَ لِخُصُوصِ المُكَلَّفِينَ(٢٢).

ثُمَّ الخِطَابُ التَّكْلِيفِيُّ إِنْ كَانَ مِمَّا(٢٣) تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مَصْلَحَةُ كُلِّ فَرْدٍ تَوَقُّفًا مُبَاشِرًا تَوَجَّهَ لِكُلِّ فَرْدٍ، وَسُمِّيَ الخِطَابُ: خِطَابًا عَيْنِيًّا(٢٤)، وَيُسَمَّى المَطْلُوبُ بِهِ: مَطْلُوبًا عَيْنِيًّا ـ وَاجِبًا كَانَ أَوْ مَنْدُوبًا ـ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالحَجِّ وَالصَّدَقَةِ(٢٥): فَرْضِهَا وَنَفْلِهَا، وَلَا يَسْقُطُ الطَّلَبُ فِيهِ(٢٦) عَنْ أَحَدٍ بِقِيَامِ غَيْرِهِ بِهِ(٢٧).

وَإِنْ كَانَ مِمَّا(٢٨) تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مَصْلَحَةُ المَجْمُوعِ وَمَصْلَحَةُ الفَرْدِ ـ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ جُزْءٌ مِنَ المَجْمُوعِ ـ تَوَجَّهَ لِلْمَجْمُوعِ، وَسُمِّيَ الخِطَابُ: خِطَابًا كِفَائِيًّا(٢٩)، وَيُسَمَّى المَطْلُوبُ بِهِ: مَطْلُوبًا كِفَائِيًّا، وَاجِبًا كَانَ الطَّلَبُ: كَطَلَبِ العِلْمِ(٣٠) وَالأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، أَوْ مَنْدُوبًا: كَإِفْشَاءِ السَّلَامِ وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ(٣١)، وَيَسْقُطُ الطَّلَبُ عَنِ المَجْمُوعِ إِذَا قَامَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَيَكْفِي فِيهِ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ غَيْرُهُ، وَمِنْ هَذَا القِسْمِ جَاءَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٠٤[آل عمران](٣٢)، ﴿فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَحۡذَرُونَ ١٢٢[التوبة](٣٣).

 



(١) «ب»: «مقتضى».

(٢) وهو المُشرِّعُ للأحكام، واضعُها ومُثْبِتُها ومُنْشِئُها ومُصْدِرُها والمُوجِبُ لها؛ فلا حُكْمَ إلَّا ما حَكَمَ به باتِّفاق المسلمين قاطبةً، كما يتَّفقون على أنَّ الحاكم الذي يُدْرِكُ الأحكامَ ويُظْهِرُها ويكشف عنها بعد البعثة وبلوغِ الدعوة إنما هو الشرعُ الذي جاء به النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، لكنَّهم يختلفون في تحديد الحاكم بهذا المعنى قبل البعثة، وسببُ اختلافهم يرجع إلى الاختلاف في مسألة الحُسن والقُبح العقليَّين.

والصحيحُ مِنَ المذاهب والفِرَقِ أنَّ الحُسْن والقبح صفاتٌ ثابتةٌ للأفعال؛ فقَدْ يُعْرَفان بالعقل أو بالفطرة أو بالشرع، غيرَ أنَّ ما عُرِفَ حُسْنُه وقُبْحُه بطريقِ العقل والفطرة لا يَترتَّبُ عليه مَدْحٌ ولا ذَمٌّ ولا عقابٌ ولا ثوابٌ ما لم يَأْتِ به الرُّسُلُ؛ لأنَّ الدليل الشرعيَّ أَثْبَتَ ذلك على مَنْ قامَتْ عليه الحُجَّةُ بالرُّسُل والكُتُب؛ وعليه فالمدحُ والذمُّ والثوابُ والعقاب إنما يَترتَّبُ حُسْنُه وقُبْحُه بطريقِ الشرع فقط، [وللمزيد مِنَ التوسُّع راجِعْ: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٨/ ٤٢٨، ٤٣١)، «مفتاح دار السعادة» لابن القيِّم (٢/ ٣٩٨)].

(٣) «أ»: «فإنما».

(٤) قيدٌ مُهِمٌّ لإخراج الحاكم والقاضي الوضعيَّين.

وتحكيمُ شرعِ الله مِنْ أَعْظَمِ الواجبات وأجَلِّ العبادات، لقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا ٦٥[النساء]، وقولِه تعالى: ﴿إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٠[يوسف].

قال ابنُ القيِّم في «إعلام الموقِّعين» (٢/ ١٧٦): «وعلى الحاكم مِنْ عبوديةِ إقامةِ الحقِّ وتنفيذِه وإلزامِه مَنْ هو عليه به، والصبرِ على ذلك والجهادِ عليه، ما ليس على المُفتي»، وقال: «فعلى العالِمِ مِنْ عبوديةِ نَشْرِ السنَّة والعلمِ الذي بَعَثَ اللهُ به رسولَه ما ليس على الجاهل، وعليه مِنْ عبودية الصبر على ذلك ما ليس على غيرِه».

هذا، وتحكيمُ غيرِ الشرعِ شركٌ في عبادةِ الله وحُكْمِه، كما أخبر تعالى بقوله: ﴿وَلَا يُشۡرِكُ فِي حُكۡمِهِۦٓ أَحَدٗا ٢٦[الكهف]، وقولِه تعالى: ﴿أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمۡ يَأۡذَنۢ بِهِ ٱللَّهُۚ[الشورى: ٢١]، وقولِه تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا ١١٠[الكهف].

(٥) «ب»: «وقصده».

(٦) الآية حَصَرَتِ الحاكميةَ في الله سبحانه وتعالى.

(٧) والآيةُ بَيَّنَتْ أنَّ الواجبَ على المؤمنين الحكمُ بما أَنْزَلَ اللهُ سبحانه وتعالى.

(٨) والآيةُ كسابقتها تأمر النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أَنْ يحكم بين الناسِ بما أرَاهُ اللهُ سبحانه وتعالى وأوحى إليه.

(٩) والآياتُ الثلاث ورَدَتْ في الحكم بغيرِ ما أَنْزَلَ اللهُ تعالى، واعتبرَتْ ذلك كفرًا وظلمًا وفسقًا، مع التفصيل في هذا الاعتبار.

(١٠) مُرادُه ﺑ «المقدور» هو: القدرةُ الشرعية المُصحِّحةُ للفعل التي هي مَناطُ الأمرِ والنهي والثوابِ والعقاب، وهذه القدرةُ تَتقدَّمُ الفعلَ؛ فقَدْ تُوجَدُ ويُوجَدُ معها الفعلُ، وقَدْ تُوجَدُ وينتفي معها الفعلُ، أي: يصلح وجودُها مع الفعل وعدَمِه، واستعمالُ معنى هذه القدرةِ غالبٌ في إطلاقاتِ الفُقَهاء وعُرْفِ الناس، وهي مذكورةٌ في نصوصٍ عديدةٍ منها: قولُه تعالى: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ[التغابن: ١٦]، وقولُه عزَّ وجلَّ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗاۚ[آل عمران: ٩٧]، وقولُه صلَّى الله عليه وسلَّم لعِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه: «صَلِّ قَائِمًا، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» [أخرجه البخاريُّ (٢/ ٥٨٧) رقم: (١١١٧) مِنْ حديثِ عِمْران بنِ حُصَينٍ رضي الله عنه]، وقولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» [جزءٌ مِنْ حديثٍ أخرجه البخاريُّ (١٣/ ٢٥١) رقم: (٧٢٨٨)، ومسلمٌ (٩/ ١٠٠) رقم: (١٣٣٧)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه]. فمِثْلُ هذه القدرةِ لم يُكَلِّفِ اللهُ تعالى أحَدًا شيئًا بدونها؛ فلا تكليفَ إلَّا بمقدورٍ.

وتُقابِلُها القدرةُ الكونية القَدَريةُ المُوجِبةُ للفعل المُقارِنةُ له ولا تكون إلَّا معه، وهي مَناطُ القضاء والقَدَر؛ فإنَّ هذه القدرةَ غيرُ مشروطةٍ في شيءٍ مِنَ الأمرِ والنهي باتِّفاق المسلمين.

(١١) «المُقْعَد» هو: العاجز المُصابُ بداء القُعاد، [انظر: «المعجم الوسيط» (٢/ ٧٤٩)].

(١٢) «ب»: «فلا تكليف المريض لها».

هذا، ومِنَ المسائل التي لا قُدْرَةَ للمكلَّف فيها: تكليفُه بالأمور الفطرية التي لا كَسْبَ للإنسان فيها ولا اختيارَ: كالخوف في الظلام، والانفعالِ عند الغضب، والحُمرة عند الخجل، والشهيَّةِ عند الطعام. كما لا يدخل في مقدورِه تكليفُه بأَنْ يفعل غيرُه فعلًا أو يَكُفَّ غيرُه عن فعلٍ؛ فلا يُسْأَلُ العبدُ عن فِعْلِ غيرِه ولا يُعاقَبُ مكانَه؛ لقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفۡسِۢ بِمَا كَسَبَتۡ رَهِينَةٌ ٣٨[المدَّثِّر]، وقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَكۡسِبُ كُلُّ نَفۡسٍ إِلَّا عَلَيۡهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ[الأنعام: ١٦٤]. ومِنْ فروع هذه المسألةِ: النيابةُ عن الغير، [انظر: «مَقاصِدَ المكلَّفين» للأشقر (٢٦٤) وما بعدها، و«أصول الفقه» لمحمَّد الزحيلي (٣٩٩)].

(١٣) فالأحكام الشرعية مَبْنِيَّةٌ على التيسير ورَفْعِ الحَرَجِ عن المُكلَّفين، مشروطةٌ بالقدرة والاستطاعة، قائمةٌ على تحقيقِ مَصالِحِ العِباد، قال ابنُ رجبٍ في «المَحَجَّة» (٣٦، ٣٧): «إنَّ أَحَبَّ الأعمالِ إلى الله ما كان على وجهِ السداد والاقتصاد والتيسير، دون ما كان على وجه التكلُّف والاجتهاد والتعسير، كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ[البقرة: ١٨٥]، ﴿مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ[المائدة: ٦]».

(١٤) اكتفى المُصنِّفُ بذِكْرِ شرطٍ واحدٍ مِنْ شروط الفعل المُكلَّفِ به، وهو أَنْ يكون مُمْكِنًا، أي: مقدورًا عليه؛ لأنَّ تحصيل الفعلِ مَطلوبٌ شرعًا، والمُحالُ لا يُتَصوَّرُ وقوعُه، فلا يقعُ التكليفُ به، غيرَ أنَّ أهل الأصولِ يَشْتَرِطون في الفعل ـ فضلًا عن هذا الشرط ـ أَنْ يكون معدومًا؛ لأنَّ التكليف بتحصيلِ الموجود تحصيلُ حاصلٍ وهو مُحالٌ، [انظر الفتوى (٩٣١) الموسومة ﺑ: «في اشتراطِ كونِ المحكوم فيه معدومًا»]، وأَنْ يكون الفعلُ ـ أيضًا ـ معلومًا حقيقةً ليُتصوَّرَ قَصْدُه إليه، كما يُشْتَرَطُ عِلْمُه بأنَّ الأمر المُتقرَّبَ به إلى الله تعالى هو أمرٌ منه عزَّ وجلَّ حتَّى يُتصوَّرَ قَصْدُ الطاعةِ والامتثال.

ولعلَّ المُصنِّفَ عَدَلَ عن بقيَّةِ الشروط اكتفاءً بذِكْرِ القدرةِ كشرطٍ عائدٍ إلى الفعل المُكلَّفِ به لعِلْمِه بأنَّ الشروط الأخرى راجعةٌ إلى القدرة؛ ذلك لأنَّ اشتراط كونِ الفعلِ معدومًا هو لتمكينِ المكلَّف مِنْ إيجاد الفعل وتحصيلِه، ولا يتمُّ إلَّا بالقدرة، وكذلك اشتراطُ العلمِ هو اشتراطُ القدرة؛ فإنَّ الجاهل عاجزٌ عن الفعل لعَدَمِ تَصوُّرِه له؛ فالتكليفُ حاصِلُه مشروطٌ بالقدرة على العلم والعمل.

(١٥) أي: هو الذي تَوَجَّهَ إليه خطابُ الله بفِعْلِه.

(١٦) «ب»: «المحكوم عليه فهو المكلَّف، المكلَّف هو».

(١٧) شرطُ البلوغِ يمكن الاستغناءُ عنه بذِكْرِ العقل وفَهْمِ الخطاب؛ لكونه غيرَ مقصودٍ بذاته، وإنما جَعَلَ الشارعُ البلوغَ علامةً على ظهور العقل، واشتراطُ فَهْمِ الخطاب يَسْتَوْجِبُ وجودَ كُلٍّ مِنْ فَهْمِ الخطاب والعقلِ جميعًا؛ إذ لا يَلْزَمُ مِنَ العقلِ فَهْمُ الخطابِ؛ لجوازِ أَنْ يكون عاقلًا لا يفهم الخطابَ؛ فالصبيُّ والناسي والسكرانُ والمُغْمَى عليه والنائمُ ومَنْ خُوطِبَ بغيرِ ما يَفْهَمُ مِنَ اللغاتِ وغيرُهم هم في حكمِ العُقَلاء مُطلقًا، أو مِنْ بعض الوجوه، وهُم لا يفهمون الخطابَ.

(١٨) الصبيُّ لا تكليفَ عليه؛ لأنه لا يفهم معنى كلام الشرع، وعدَمُ فَهْمِه له بالأصالة؛ لأنَّ عَقْلَه الذي يفهم ذلك به لم يَكْمُلْ بحيث يقوى على الإدراك ويتأتَّى منه القصدُ؛ لأنَّ مقتضى التكليفِ الامتثالُ والطاعةُ، ولا يتمُّ الامتثالُ والطاعة إلَّا بالقصد إليهما، ولا يُتصوَّرُ قَصْدُ الامتثالِ والطاعة في حقِّ الصبيِّ، وكذلك في حقِّ المجنون الذي لا يعقل؛ لوجودِ عارضٍ قويٍّ قهريٍّ وهو الجنونُ أو العَتَهُ في حقِّ المعتوه؛ ذلك لأنَّ القصد إنما يكون بعد الفهم، وهؤلاء ومَنْ في معناهم لا يفهمون، وقد رَفَعَ الشرعُ عنهم التكليفَ بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم : «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ» [أخرجه أبو داود (٤٣٩٨)، والنسائيُّ (٦/ ١٥٦) رقم: (٣٤٣٢)، وابنُ ماجه ـ واللفظ له ـ (١/ ٦٥٨) رقم: (٢٠٤١)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها، وأخرجه أحمد في «مسنده» (١٣٢٨) مِنْ حديثِ عليٍّ رضي الله عنه، وله ألفاظٌ أُخَرُ. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (١/ ٦٥٩) و«الإرواء» (٢/ ٥ ـ ٦) برقم: (٢٩٧). وفي زيادةٍ: «والخَرِفِ»].

هذا، ويَشْمَلُ قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ» المُميِّزَ وغيرَ المُميِّز؛ لأنَّ المُميِّز وإِنْ كان يفهم الخطابَ إلَّا أنَّ فَهْمَهُ قاصرٌ لم يَكْمُلْ فيما يَتعلَّقُ بالقصد إلى الامتثال قَصْدًا صحيحًا؛ فجَعَلَ له عَلَمًا ظاهرًا يُكلَّفُ عنده وهو البلوغُ، [انظر الفتوى (٩٣٢) الموسومة ﺑ: «في البلوغ باعتبارِه علامةً لظهور العقل»].

(١٩) لا نِزاعَ في المُكْرَهِ الذي بَلَغَ به الإكراهُ إلى حَدِّ الإلجاء، وهو أَنْ لا يصحَّ منه التركُ والامتناع: كمَنْ أُلْقِيَ مِنْ شاهقٍ على إنسانٍ فقَتَلَه، أو مالٍ فأَتْلَفَه، أو أُضْجِعَتِ المرأةُ فزُنِيَ بها مِنْ غيرِ قدرةٍ لها على الامتناع، أو أُدْخِلَ الرَّجُلُ كرهًا إلى مكانٍ حَلَفَ أَنْ لا يدخله؛ فهو غيرُ مُكلَّفٍ؛ لأنه كالآلة لا اختيارَ له، وهذا قسمٌ لا إشكالَ فيه.

أمَّا إذا كان إكراهُه أقَلَّ مِنْ ذلك بحيث يُطيقُ الإقدامَ والإحجامَ عنه، سواءٌ بالتهديد بالقتل أو التعذيب أو الضرب؛ ففي تكليفِ هذا تفصيلٌ، وهو:

ـ إِنْ كان الإكراهُ على الأقوال فلا إثمَ على المُكْرَهِ في القول المُحرَّمِ الذي ينطقه، ولا يُؤاخَذُ عليه في أحكام الدنيا والآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنۡ أُكۡرِهَ وَقَلۡبُهُۥ مُطۡمَئِنُّۢ بِٱلۡإِيمَٰنِ[النحل: ١٠٦]، وقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» [رواهُ ابنُ ماجه (١/ ٦٥٩) رقم: (٢٠٤٥)، والحاكم (٢/ ١٩٨) رقم: (٢٨٠١)، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. وجَوَّد إسنادَه ابنُ كثيرٍ في «تحفة الطالب» (٢٧١)، والنوويُّ في «الأربعين»، وصحَّحه ابنُ حزمٍ في «الإحكام» (٥/ ١٤٩)، وحسَّنه الألبانيُّ في «الإرواء» (٨٢)].

ـ أمَّا إِنْ كان في الأفعال: فما كان منها حَقًّا لله تعالى فهو مُتجاوَزٌ عنه: كالأكل في نهارِ رمضانَ ولُبْسِ المخيط في الإحرام، وما كان حقًّا للمخلوقين فهو مُؤاخَذٌ به: كقتلِ معصومِ الدم وإتلاف مالِه، [انظر: «زاد المَعاد» لابن القيِّم (٥/ ٢٠٥)، «مذكِّرة الشنقيطي» (٣٢)].

وهذه الأمثلةُ التي ساقَها المُصنِّفُ ليسَتْ على سبيل الحصر، وإنما تنحصرُ في ضابط العقل وفهمِ الخطاب؛ وعليه فالنائمُ ـ حالَ نومه ـ لا يفهم خطابَ الشرعِ لعارضٍ طبيعيٍّ وهو النومُ، والناسي ـ حالَ نسيانه ـ لا يفهمه لعارضٍ ضروريٍّ خفيفٍ، ويدخل في ذلك كُلُّ مَنْ كان في معناهما؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»، ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ ..».

والظاهر أنَّ هذه الشروطَ المذكورةَ راجعةٌ أساسًا إلى القدرة ومحتاجةٌ إليها؛ فالمُكْرَهُ مسلوبُ القدرةِ على قَصْدِ الامتثال، وهذا القصدُ مُتوقِّفٌ على الفهم والعلمِ الذي يَحتاجُ إلى القدرة التي لا تكون إلَّا بكمال العقل وسلامتِه مِنَ الموانع المُخِلَّةِ بالفهم.

(٢٠) أي: أنَّ وجوبَ الزكاةِ وقِيَمِ المُتْلَفات والجناياتِ والغراماتِ في مالَيْهما ليس مِنْ باب التكليف؛ فهُما غيرُ مُكلَّفَيْن، وإنما وَقَعَ ذلك مِنْ باب خطاب الوضع ورَبْطِ الأحكام بأسبابها؛ تحقيقًا لعدلِ الشارعِ في خَلْقِه تعالى ومُراعاةً لمَصالِحِهم، تفضُّلًا منه سبحانه وتعالى.

(٢١) ومسألةُ وجوبِ الزكاةِ في مالِ الصبيِّ والمجنون مُختَلفٌ فيها، يرجع سببُ الخلافِ فيها إلى اختلافهم في مفهوم الزكاة الشرعية: هل هي عبادةٌ كالصلاة والصيام، أم هي حقٌّ واجبٌ للفُقَراء على الأغنياء؟ فمَنْ قال: «إنها عبادةٌ»: اشترط فيها البلوغَ، ومَنْ قال: «إنها حقٌّ واجبٌ للفُقَراءِ والمساكينِ في أموال الأغنياء» لم يَعْتَبِرْ في ذلك البلوغَ مِنْ غيره، [انظر: «بداية المجتهد» لابن رشد (١/ ٢٤٥)].

(٢٢) وهذا مِنْ وجوه التفريق بين الحكم التكليفيِّ والحكم الوضعيِّ ـ على ما تقدَّم [انظر: (الروابط: تفريق ما بينهما، وفروقًا أخرى)] ـ.

(٢٣) «ب»: «بما».

(٢٤) وهذا تقسيمٌ للمُكلَّفِ به باعتبارِ فاعِلِه، وهو المُخاطَبُ بالأحكام المكلَّفُ بالأداء، وهو ينقسم إلى عينيٍّ وكِفائيٍّ.

ويُسمَّى خطابًا عينيًّا؛ لأنه مطلوبٌ مِنْ كُلِّ شخصٍ بعَيْنِه على وجهِ الاختبار والابتلاء، ولا تَبْرَأُ الذِّمَّةُ منه إِنْ كان المطلوبُ به واجبًا إلَّا بأدائه بنَفْسِه؛ فمَقْصِدُ التشريعِ فيه النظرُ إلى فاعِلِه وقيامِه بالمطلوب ومَدَى صِدْقِ امتثالِه.

(٢٥) «ب»: «الصدتة».

(٢٦) «ب»: «فيها».

(٢٧) هذا كلامٌ فيه إجمالٌ، وفي التكاليف البدنية تفصيلٌ:

ـ فالصلاةُ لا تصحُّ فيها النيابةُ باتِّفاقٍ لوجوبها ابتلاءً وامتحانًا مِنَ الله تعالى لاستسلام النفس إلى خالِقِها.

ـ وأمَّا الصومُ فمذهبُ مالكٍ وأصحابِه والشافعيِّ وأبي حنيفةَ: عدَمُ جوازِ النيابةِ في الصوم مُطلقًا، خلافًا لمذهب أحمدَ المُجيزِ للنيابة في النذر خاصَّةً دون الفرضِ الأصليِّ، وخلافًا لطائفةٍ ذَهَبَتْ إلى جوازِه مُطلقًا.

ـ وأمَّا الحجُّ فذَهَبَ جمهورُ العُلَماءِ إلى جوازِ النيابة فيه، خلافًا لمالكٍ وأصحابِه والقاضي مَذْهَبُهم بالمنع.

والذين أجازوا النيابةَ في الصوم والحجِّ اختلفوا في النائب عن غيرِه: هل يُشْتَرَطُ أَنْ يكون ولدًا للحكم بالصحَّة، أم تجوز نيابةُ غيرِ الولد عنه.

ـ أمَّا التكاليفُ الماليةُ كالزكاة والصدقات والتبرُّعات فتجوزُ النيابةُ فيها وتَبْرَأُ الذِّمَّةُ بإخراجِ غيرِه لها مُطلقًا.

[انظر: «مَقاصِدَ المكلَّفين» للأشقر (٢٦٤) وما بعدها].

(٢٨) «ب»: «بما».

(٢٩) وسُمِّيَ كِفائيًّا لأنَّ قيامَ بعضِ المُكلَّفين به يكفي للوصول إلى تحقيقِ مقصود الشارع المُتمثِّلِ في ذات الفعل بِغَضِّ النظرِ عن فاعِلِه، ويترتَّب على هذا المعنى: أنَّ الإثم يَعُمُّ الجميعَ إذا لم يَقُمْ به أحَدٌ إِنْ كان واجبًا، ويَعُمُّ العقابُ الجميعَ لعمومِ الوجوب، ويَسْقُطُ الإثمُ عن المُتخلِّفين بفعلِ البعض على الوجه المطلوب، ويَسْتَقِلُّون بالحصول على الأجر والفضل على قيامهم بالفعل دون غيرِهم.

(٣٠) مُرادُه بطلبِ العلم الكِفائيِّ: ما كان على جِهَةِ التفصيل، وتَبْرَأُ به ذِمَّةُ الجميعِ عند حصولِ العلم التفصيليِّ في الواقع مِنَ البعض على الوجه المطلوب على ما أشارَ إليه المُصنِّفُ في آية التوبة، وإلَّا فهو فرضٌ على أعيانهم عمومًا على جهةِ الإجمال؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «طَلَبُ العِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» [أخرجه ابنُ ماجه (٢٢٤)، والطبرانيُّ في «الأوسط» (٩)، والبيهقيُّ في «شُعَب الإيمان» (١٦٦٥)، مِنْ حديثِ أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه، والحديث صَحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الترغيب والترهيب» رقم: (٧٢) وفي «صحيح الجامع الصغير» (٢/ ٧٢٧) رقم: (٣٩١٣)] كتصحيحِ المُعْتَقَدات والعبادات والمُعامَلات، وهذا يتنوَّعُ بتنوُّعِ قُدَرِهم وحاجتهم ومعرفتهم.

(٣١) مثَّل المُصنِّفُ للمندوب الكفائيِّ بتشميت العاطس، والمشتهرُ أنه فرضٌ على الكفاية، والراجحُ: أنه واجبٌ عينيٌّ مُقيَّدٌ بكُلِّ مَنْ سَمِعَهُ يحمد اللهَ تعالى، ولا دليلَ على سقوطه عن الباقين لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ العُطَاسَ وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ، فَإذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ وَحَمِدَ اللهَ كَانَ حَقًّا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يَقُولَ: يَرْحَمُكَ اللهُ» [أخرجه البخاريُّ (١٠/ ٦١١) رقم: (٦٢٢٦)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه]. وهذا بخلافِ السلام؛ فقَدْ أخرج أبو داود (٥/ ٣٨٨) رقم: (٥٢١٠)، مِنْ حديثِ عليٍّ رضي الله عنه عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «يُجْزِئُ عَنِ الجَمَاعَةِ إذَا مَرُّوا أَنْ يُسَلِّمَ أَحَدُهُمْ، وَيُجْزِئُ عَنِ الجُلُوسِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ» [«صحيح الجامع الصغير» للألباني (٢/ ١٣٢٩) برقم: (٨٠٢٣)].

(٣٢) وظاهِرُ الأمرِ في قوله: ﴿وَلۡتَكُن﴾ أنه محمولٌ على الإيجاب، وفي الآيةِ بيانُ أنَّ الفلاح مَنوطٌ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ إذ حُصِرَ بقوله: ﴿وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٠٤[آل عمران]، وفي الآيةِ بيانُ أنه فرضُ كفايةٍ لا فرضُ عينٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ﴾.

(٣٣) هذا، وقد ينقلب الواجبُ الكفائيُّ كالجهاد إلى واجبٍ عينيٍّ، كما لو تعرَّضَتْ بلادُ المسلمين للاعتداء والعدوان، أو عَيَّن الإمامُ الأَعْظَمُ جماعةً أو أفرادًا للقتال، كما يَصيرُ واجبًا عينِيًّا ـ أيضًا ـ حالَ انحصارِه في شخصٍ واحدٍ: كوجود مُفْتٍ أو طبيبٍ واحدٍ في بلدةٍ، أو شاهدٍ واحدٍ في قضيَّةٍ.