في اشتراط كون المحكوم فيه معدومًا | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 21 شوال 1440 هـ الموافق لـ 24 يونيو 2019 م

في صفحة [٦٤] اشتراط أن يكون المحكوم فيه معدومًا لا يصدق في كلِّ محكومٍ فيه، فقد يكون المحكوم فيه مأمورًا بتركه أو بالمداومة عليه... للمزيد

الفتوى رقم: ٩٣١

الصنـف: فتاوى الأصول والقواعد - أصول الفقه

في اشتراط كون المحكوم فيه معدومًا

السـؤال:

في صفحة [٦٤] اشتراط أن يكون المحكوم فيه معدومًا لا يصدق في كلِّ محكومٍ فيه، فقد يكون المحكوم فيه مأمورًا بتركه أو بالمداومة عليه.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فجمهور العلماء اشترطوا أن يكون الفعل الذي طُلب من المكلَّف معدومًا، وهو يصدق على كلِّ محكومٍ فيه، من حيث إمكان حدوثه، لا مع استحالته لعدم تعلُّق القدرة به، قال الآمدي: «اتفق الناس على جواز التكليف بالفعل قبل حدوثه سوى شذوذ من أصحابنا»(١)؛ ذلك لأنَّ التكليف إنما يكون بإيجاد ما لم يوجد منه، لا إيجاد ما قد وجد، والتكليف بإيجاد الموجود لا يرد به الشرع فهو محال كاستحالة الجمع بين الضدين، وجعل الجسم في مكانين في آنٍ واحدٍ، كما يقال لمن بنى حائطًا أو كتب كتابًا: ابنه أو اكتبه بعينه مع بقائه مبنيًّا مكتوبًا مرة أخرى، قال ابن بدران: «وبيانه أنَّ الإيجاد هو تأثير القدرة في إخراج المعلوم عن العدم إلى الوجود، فلو أوجد مرة ثانية لزم أن يكون معدومًا لاحتياجه إلى الإخراج موجودًا بالإيجاد الأول، فيلزم أن يكون موجودًا معدومًا معًا، وهو جمع بين النقيضين وهو محال»(٢).

ويؤكِّد هذا المعنى الشوكاني بقوله: «لأنّ التكليف بإيجاد الموجود محال؛ لأنه طلب يستدعي مطلوبًا غير حاصل وهو تكليف بمحال؛ ولأنّ القدرة مع الفعل لاستلزامه أن لا تكليف قبله، وهو خلاف المعقول وخلاف الإجماع»(٣).

قلت: فلا يحسن أن يؤمر مَن هو قائم بالقيام، ومَن يكتب بالكتابة، ومَن يبني بالبناء؛ لوجود القيام والكتابة والبناء قبل الأمر.

أمَّا ما اعتمد عليه المعترض ممَّن ذهب إلى القول بجواز الأمر بفعل شيءٍ موجودٍ من جهة أنه لو لم يصحَّ الأمر بفعل الموجود للزم عدم صحة ذمّ الكافر على كفره؛ لأنه لا يصح أمره بتركه لكون الأمر موجودًا، كما يلزم أن لا يكون المؤمن مأمورًا بالإيمان؛ لأنّ ما وجد منه من إيمان لا يصح الأمر به اشتراطًا للعدم فجوابه:

- أنَّ الكافر المتلبِّس بالكفر مأمورٌ بتركه وهو موجود غير معدوم بوجود سابق غير مباشر له، فإن كفّ النفس(٤) عن فعل الكفر واعتقاده والبقاء عليه، فقد باشر الترك بموجود حاصل مباشر له، فتوجه إليه التكليف بالكفِّ عن فعل الترك حال مباشرته، وذلك الفعل لم يكن موجودًا بل معدومًا، ولذلك يقال: إنّ المحال إنما هو إيجاد الموجود بوجود سابق لا بوجود حاصل، فصار الحكم بذمّه على الكفر والبقاء عليه صحيحًا.

- أمَّا أمر المؤمن بالإيمان فإنما هو أمر باستمرار التكليف به والبقاء عليه فلا ينقطع التكليف به إلاّ بعد تمام الفعل، وتمامه عند حصول الموت، لقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]، ومن هنا لا ينبغي توهم التناقض بين منع الأمر بالموجود وبين استمرار التكليف بالفعل (صريحًا أو كفا)؛ لأنّ المنع يتجلى انحصاره في ابتداء الأمر حال الوجود، بينما يتقدم الأمر على الفعل قبل حدوثه، لكن يبقى التكليف به مستمرًّا إلى تمام الفعل، وهو معنى قول الجمهور: «لا يصحُّ الأمر بالموجود، ولا ينقطع التكليف إلاَّ بتمام الفعل».

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٣ رجب ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ١٦ جويلية ٢٠٠٨م


(١) «الإحكام» للآمدي: (١/ ١١٣)، انظر هذه المسألة في: «المسودة» لآل تيمية: (٥٧)، «شرح تنقيح الفصول» للقرافي: (١٤٧)، «فواتح الرحموت» للأنصاري: (١/ ١٣٤)، «تيسير التحرير» لبادشاه: (٢/ ١٤٢)، «العضد على ابن الحاجب»: (٢/ ١٤)، و«إرشاد الفحول» للشوكاني: (١٠).

(٢) «نزهة الخاطر» لابن بدران: (١/ ١٥٠).

(٣) «إرشاد الفحول» للشوكاني: (١١).

(٤) والتحقيق في مسألة الترك إنما يكون فعلاً إن كان الترك بمعنى كف النفس بإرادةٍ وقصدٍ، كمن يكف نفسه وشهوته عن المحرمات حالما أمرته نفسه بمخالفة المأمور شرعًا فيصير كفُّه فعلاً؛ لأنه تركٌ مقصود ومراد لتحصيل الثواب بامتثال أمر الشرع. [انظر: «منتهى الآمال» للسيوطي»: (١٢٣)].