Skip to Content
الإثنين 11 ربيع الأول 1440 هـ الموافق لـ 19 نوفمبر 2018 م

الكلمة الشهرية رقم: ١٣٠

[الحلقة الرابعة]

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فقَدْ تابع الشيخ محمَّد البشير الإبراهيمي ـ رحمه الله ـ كلامَه فقال:

«وهذا درسٌ مِنْ دروسه ينشره اليومَ ـ في أصل العقيدة الإسلامية بدلائلها مِنَ الكتاب والسُّنَّة ـ تلميذُه الصالح كاسْمِه: [محمَّد الصالح رمضان](١)؛ فجاءَتْ عقيدةً مُثْلَى يتعلَّمها الطالبُ فيأتي منه مسلمٌ سلفيٌّ، موحِّدٌ لربِّه بدلائل القرآن كأحسنِ ما يكون المسلمُ السلفيُّ(٢)، ويستدلُّ على ما يعتقد في ربِّه بآيةٍ مِنْ كلام ربِّه، لا بقول السنوسيِّ(٣) في «عقيدته الصغرى»: «أمَّا برهانُ وجودِه تعالى فحدوثُ العالَمِ»(٤)!!».

 



(١) ما بين المعقوفين ساقطٌ مِنْ «م.ر.أ».

(٢) «م.ر.ش»: «النقيُّ».

(٣) هو أبو عبد الله محمَّد بنُ يوسف بنِ عمر بنِ شعيبٍ السنوسيُّ الحسنيُّ الأشعريُّ، أحَدُ أعلامِ تلمسان، له مُشارَكةٌ في شتَّى العلومِ وأنواعِ المَعارف، مِنْ مؤلَّفاته: تفسيرُ سورةِ الفاتحة، وتفسيرُ «ص» وما بعدها، و«شرح صحيح البخاري» لم يكمله، و«مكمل إكمال الإكمال في شرح مسلم»، و«عقيدة أهل التوحيد» وتُسمَّى ﺑ: «العقيدة الكبرى»، و«أمُّ البراهين» وتُسمَّى ﺑ: «العقيدة الصغرى»، و«شرح الآجرُّومية» وغيرها. وُلِد بتلمسان سنة: (٨٣٢ﻫ)، وتُوُفِّيَ بها سنة: (٨٩٥ﻫ).

انظر ترجمته في: «البستان» لابن مريم (٢٣٧)، «درَّة الحجال» (١/ ١٤١) و«لقط الفرائد» (٢٧١) كلاهما لابن القاضي، «نيل الابتهاج» للتنبكتي (٣٢٥)، «الأعلام» للزركلي (٧/ ١٥٤)، «شجرة النور» لمخلوف (١/ ٢٦٦)، «فهرس الفهارس» للكتَّاني (٢/ ٩٩٨)، «تعريف الخلف» للحفناوي (١/ ١٧٩)، «معجم المؤلِّفين» لكحالة (٣/ ٧٨٦)، «الفكر السامي» للحجوي (٢/ ٢٦٢).

(٤) «أمُّ البراهين» («العقيدة الصغرى») للسنوسي ومعه: «شرح أمِّ البراهين» لمحمَّد بنِ عمر بنِ إبراهيم الملَّالي التلمساني (٢٩).

والعقيدة السنوسيَّة في «أمِّ البراهين» لا تُمثِّل ـ في الحقيقة ـ مذهبَ أهل السُّنَّة والجماعة ولا تُقرِّر عقيدتَهم، وإنَّما تُقرِّر عقيدةَ الأشاعرة في أصولهم، وهي ـ على الأصحِّ ـ تعكس مذهبَ الأشاعرة على عقيدةِ إمام الحرمين أبي المَعالي عبد الملك بنِ عبد الله الجُوَيْنيِّ (ت: ٤٧٨ﻫ)، الذي كان أوَّلَ مَنْ توسَّع في وضعِ القواعد الفلسفيَّة والكلاميَّة وقانونِ تأويل الصِّفَات بعد الجهميَّة والمُعتزِلة، فمَزَج بين العقيدة الكُلَّابيَّة والاعتزال، أي: أنَّه خَلَط بين العقيدة المتوسِّطة [وهي العقيدة الكُلَّابيَّة التي انتقل إليها أبو الحسن الأشعريُّ في مرحلته الثانية] وعقيدتِه في المرحلة الأولى التي كان فيها على مذهب المعتزلة، فقام أبو المَعالي بخلطِ عقيدةِ أبي الحسن الأشعريِّ في مرحلتَيْه معًا: الكُلَّابية والاعتزال، فأَصبحَ أوَّلَ مَنْ نَفَى الصِّفاتِ الخبريَّةَ مِنَ الأشاعرة، [انظر: «درء تعارض العقل والنقل» لابن تيمية (١/ ٢٤١)]؛ ذلك لأنَّ أبا المَعالي كان كثيرَ المُطالَعةِ لكُتُبِ أبي هاشمٍ الجُبَّائيِّ المُعتزِليِّ، قليلَ المعرفة بالآثار؛ فأثَّر فيه مجموعُ الأمرين.

ثمَّ أَتمَّ هذا المنهجَ الكلاميَّ الممزوج فخرُ الدِّينِ الرازيُّ الذي غالى في دفعِ نصوص الشرع في الصِّفات الإلهيَّة بالعقليَّات كما في كتابه: «أساس التقديس»، وقد انبرى له ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ فرَدَّ عليه وعلى أمثاله في كتابَيْه: «بيان تلبيس الجهميَّة» وفي «درء تَعارُض العقل والنقل».

هذا، والعقيدة المنسوبةُ إلى الأشعريِّ ـ اليومَ ـ ما هي ـ في الحقيقة ـ إلَّا عقيدةُ أبي المَعالي الجُوَيْنيِّ المُثبِتةِ لعشرين صفةً فقط [انظر: «تعريف الخلف» للبريكان (٢٩٦)]، وهي مُقسَّمةٌ إلى أربعةِ أقسامٍ:

١) إثبات صفة الوجود، وتُسمَّى: صفةً نفسيَّةً.

٢) إثبات سبعِ صِفَاتٍ تُسمَّى: صفاتِ المعاني، وهي الحياة، والسمع، والبصر، والإرادة، والقدرة، والعلم، والكلام؛ مع التحفُّظ على صفةِ إثباتهم لبعضِ هذه الصِّفات فقد أثبتوها بخلاف ما هو مقرر عند أهل السنة، وهُم لا يُثبِتون مِنَ الصِّفات الخبريَّة إلَّا الصِّفاتِ السبعَ التي هي صفاتُ المعاني.

٣) إثبات الصِّفات المَنفِيَّة، وهي: القِدَم، والبقاء، ومخالفة الحوادث، وقيامُه بنفسه، ووحدانيَّتُه، وتُسمَّى: الصِّفاتِ السَّلبيَّةَ؛ وسُمِّيَتْ كذلك لأنَّ معناها النفيُ؛ فالقِدَم ـ عندهم ـ هو: عدم الحوادث، والبقاء: عدم الفَناء، وهكذا.

٤) إثبات الصفات المعنويَّة السبع المُلازِمة لصِفات المعاني، وهي: كونُه حيًّا، وسميعًا، وبصيرًا، وقادرًا، ومُريدًا، وعالِمًا، ومُتكلِّمًا [انظر: «أصول الدِّين» للبغدادي (٩٠)، «المِلَل والنِّحَل» للشهرستاني (١/ ١١٩)، «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٦/ ٣٥٩)، «الصِّفات الإلهيَّة» للجامي (١٩٩)، «القواعد الكُلِّيَّة» للبريكان (٣٧)].

وأمَّا بقيَّةُ الصِّفات الواردةِ في الأخبار، والثابتةِ في كتاب الله وسُنَّةِ رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم كالوجه واليدين والعينين وغيرِها مِنْ صفات الذات، والنزولِ والاستواء وغيرِهما مِنْ صفات الفعل فهي ـ عندهم ـ منفيَّةٌ.

وأمَّا التوحيد الذي يُقرِّره السنوسيُّ في كتابه فهو نفيُ الكُموم السِّتَّة ولم يُعرِّج مُؤلِّفُ الكتاب على التوحيد الذي جاءَتْ به الرُّسُلُ الكرامُ وأُنزِلَتِ ـ لأجله ـ الكُتُبُ، وهو توحيد الألوهيَّة والعبادة؛ وغايةُ ما في مُؤلَّفه منه: إثباتُ الصانع بدلائلَ عقليَّةٍ ما أَنزلَ اللهُ بها مِنْ سلطانٍ، وصِيَغٍ منطقيَّةٍ خاليةٍ مِنَ النصوص الشرعيَّة إلَّا النزرَ اليسير.

والجدير بالتَّنبيه والملاحظة: أنَّه كما لا يجوز نسبةُ مذهبِ الاعتزال للأشعريِّ في مرحلته الأولى ـ وهي مرحلة النَّشأة ـ فكذلك لا يجوز نسبةُ مذهبِ ابنِ كُلَّابٍ له في مرحلته المتوسِّطة بعد توبته ورجوعِه إلى مذهب السَّلف الصَّالح وعقيدتِهم الصحيحة، وموتِه عليها؛ لأنَّه لا يُنسَب للمرء إلَّا ما اعتقده أخيرًا ومات عليه؛ وبالمُقابِل لا يُوصَفُ الأشعريُّ ـ في عقيدته المتوسِّطة ـ بأنَّه سلفيٌّ؛ لِمَا في ذلك مِنَ الإيهام؛ وإيضاحُه: أنَّ مَنْ كان على عقيدة مُتأخِّري الأشاعرة، وانتسب إلى أبي الحسن الأشعريِّ في مرحلته الأخيرة على أنه سلفيُّ العقيدة؛ فإنَّ ذلك يُعَدُّ بدعةً منهيًّا عنها، تُؤدِّي ـ بطريقٍ أو بآخَرَ ـ إلى امتداحِ عقيدة الأشاعرة ـ وخاصَّةً المُتأخِّرين منهم ـ الممزوجةِ بأدران الاعتزال؛ وفي هذا المعنى قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ في [«مجموع الفتاوى» (٦/ ٣٥٩)]: «لكنَّ مُجرَّد الانتساب إلى الأشعريِّ بدعةٌ، لا سيَّما وأنَّه بذلك يُوهِم حُسنًا بكُلِّ مَنِ انتسب هذه النِّسبةَ، وينفتح بذلك أبوابُ شرٍّ».

وعليه، فلا ينطبق وصفُ السَّلفيِّ ـ بالحقيقة ـ إلَّا على مَنِ انتسب إلى مذهب السَّلف، الَّذين تَطابقَتْ ـ عندهم ـ دلالةُ الوحي والفطرة والعقل الصَّريح؛ ففازوا بالسَّلامة، ووُقُوا مِنْ شرِّ الفتنة والحيرة والاضطراب الذي وَقَع فيه أهلُ الكلام.

[يُتبَع]

الجزائر في: ٠٤ ذي الحِجَّة ١٤٣٩ﻫ
الموافق ﻟ: ١٥ أوت ٢٠١٨م