Skip to Content
الإثنين 15 رمضان 1440 هـ الموافق لـ 20 مايو 2019 م



الكلمة الشهرية رقم: ٢٦

مكمن عز الداعية وجوالب محبته

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإنَّ مِنْ أعظمِ أسبابِ حِفْظِ مكانةِ الداعية إلى الله وتعظيمِ شَرَفِه وعِزِّه أَنْ يعمل على تكوينِ دخلٍ ماليٍّ لنَفْسِه مِنْ مصدرِ رِزقٍ مُناسِبٍ يدفع به حاجتَه، ويقنع بما آتاهُ اللهُ مِنْ فضله، ويُحقِّق به الكفافَ ويتعفَّف عن السؤال فيما يحتاجه في مَطْعَمِه ومَلْبَسِه ومَسْكَنِه ونحوِ ذلك، لا يسأل إلَّا اللهَ تعالى، ويرغب إليه فيه، ويستغني به عن الناس؛ فإذا ضُمَّ المالُ إلى العِلم حَازَ الداعيةُ على الكمال والعِفَّة والقناعة، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ»(١)، وقد بيَّن جبريلُ عليه السلام للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم سبيلَ عِزِّ المسلم وشَرَفِه كما في حديثِ سهلِ بنِ سعدٍ رضي الله عنهما قال: جاء جبريلُ عليه السلام إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: «يَا مُحَمَّدُ، عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ، وَأَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ المُؤْمِنِ قِيَامُ اللَّيْلِ، وَعِزَّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ»(٢)؛ ذلك لأنَّ مَنْ زَهِد فيما هو عند الناسِ أَحَبُّوه ومالوا إليه؛ فاقتضى شَرَفُ الداعيةِ أَنْ لا يكون مُسْتَشْرِفًا إلى المال بقلبه ولا سائلًا له بلسانه إلَّا لضرورةٍ؛ لأنَّ الطبائع جُبِلَتْ على استثقالِ مَنْ أَنْزَلَ بالمخلوقين حاجاتِه وطَمِع فيما في أيديهم؛ فعن سهل بنِ سعدٍ رضي الله عنهما قال: أَتَى النَّبِيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم رَجُلٌ فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا أَنَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي اللهُ وَأَحَبَّنِي النَّاسُ»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: «ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللهُ، وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ»(٣)؛ فإنَّ الاستغناءَ عمَّا في أيدي الناس سببُ محبَّتهم، والسعيُ فيما يُكْسِبُ محبَّتَهم مطلوبٌ شرعًا؛ ويدلُّ عليه قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ»(٤)، والحديثُ أَرْشَدَ إلى إفشاء السلام، كما أَرْشَدَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى التهادي في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «تَهَادَوْا تَحَابُّوا»(٥)، وإنهما مِنْ جوالِبِ المحبَّة التي تُعزِّزُ العلاقةَ الإيمانيةَ، وتُقوِّي أَواصِرَ التعاوُنِ الأخوِيِّ المبنيِّ على البرِّ والتقوى.

فالشَّرَهُ في جَمْعِ المال والسؤالُ لِمَا في أيدي الناسِ يُفْضي إلى الحَطِّ مِنْ شأنِ الداعية وتقليلِ قيمته واستثقالِ الناسِ له، والإعراضُ عن جمعِ المال بالاشتغال بالعلم عن الكسب يُؤدِّي إلى اضطرابِ عيشه واختلالِ مَهَمَّتِه الدعوية نتيجةَ إرهاق الفاقة له؛ الأمرُ الذي يدفعه إلى المُداهَنةِ بسبب الفقر مِنْ أجل استقرارِ حالِه، قال بعضُ السلف: «إنه مَنْ أَغْرَقَ في الحديثِ فلْيُعِدَّ للفقر جلبابًا؛ فلْيأخُذْ أحَدُكم مِنَ الحديث بقَدْرِ الطاقة، ولْيحترِفْ حَذَرًا مِنَ الفاقة»(٦)؛ لذلك ينبغي على الداعية التوسُّطُ والاعتدالُ تُجاهَ المال بين الانهماك عليه وبين تركِه بالكُلِّيَّة، وضِمْنَ هذا المنظورِ المقاصديِّ المُعْتَدِل يقول ابنُ الجوزيِّ ـ رحمه الله ـ في «منفعة المال» ما نصُّه:

«ليس في الدنيا أَنْفَعُ للعلماء مِنْ جَمْعِ المال للاستغناء عن الناس؛ فإنه إذا ضُمَّ إلى العلم حِيزَ الكمالُ، وإنَّ جُمهورَ العلماء شَغَلَهُمُ العلمُ عن الكسب فاحتاجوا إلى ما لا بُدَّ منه، وقَلَّ الصبرُ؛ فدخلوا مَداخِلَ شَانَتْهُم وإِنْ تَأوَّلوا فيها، إلَّا أَنَّ غَيْرَها كان أَحْسَنَ لهم… وهؤلاء ـ وإِنْ كانوا سَلَكوا طريقًا مِنَ التأويل ـ فإنهم فَقَدُوا مِنْ قلوبهم وكمالِ دِينهم أَكْثَرَ ممَّا نالوا مِنَ الدنيا، ولقد رأينا جماعةً مِنَ المتصوِّفة والعلماءِ يَغْشَوْنَ الوُلاةَ لأجلِ نَيْلِ ما في أيديهم: فمنهم مَنْ يُداهِنُ ويُرائي، ومنهم مَنْ يمدح بما لا يجوز، ومنهم مَنْ يسكت عن مُنْكَراتٍ، إلى غيرِ ذلك مِنَ المُداهَنات، وسببُه الفَقْرُ؛ فعَلِمْنَا أنَّ كمال العِزِّ وبُعْدَ الرِّياء إنما يكون في البُعد عن العُمَّال الظَّلَمَة، ولم نَرَ مَنْ صَحَّ له هذا إلَّا في أحَدِ رجلين:

ـ إِمَّا مَنْ كان له مالٌ كسعيدِ بنِ المسيِّب: كان يَتَّجِرُ في الزيت وغيرِه، وسفيانَ الثوريِّ: كانَتْ له بضائعُ، وابنِ المبارَك.

ـ وإمَّا مَنْ كان شديدَ الصبر، قَنوعًا بما رُزِقَ وإِنْ لم يَكْفِه: كبِشْرٍ الحافي، وأحمدَ بنِ حنبلٍ.

ومتى لم يَجِدِ الإنسانُ كصبرِ هذين ولا كمالِ أولئك فالظاهرُ تَقلُّبُه في المِحَن والآفات، وربَّما تَلِفَ دِينُه.

فعليك يا طالِبَ العلمِ بالاجتهاد في جمعِ المال للغِنى عن الناس؛ فإنه يجمع لك دِينَك؛ فما رأَيْنا في الأَغْلَبِ مُنافِقًا في التديُّن والتزهُّد والتخشُّع، ولا آفةً طرأَتْ على عالمٍ إلَّا بحُبِّ الدنيا، وغالبُ ذلك الفقرُ؛ فإِنْ كان له مالٌ يكفيه ثمَّ يطلب بتلك المُخالَطةِ الزيادةَ فذلك معدودٌ في أهل الشَّرَهِ، خارجٌ عن حيِّز العلماء؛ نعوذ بالله مِنْ تلك الأحوال»(٧).

قال سفيانُ الثوريُّ ـ رحمه الله ـ: «مَنْ كان في يده مِنْ هذه شيءٌ [أي: الدنانير] فلْيُصْلِحْه؛ فإنه زمانٌ مَنِ احتاج كان أوَّلَ ما يبذل دِينُه»(٨)، وقال ـ رحمه الله ـ أيضًا: «يا مَعْشَرَ القُرَّاء، ارْفَعوا رؤوسَكم فقَدْ وَضَحَ الطريقُ، واعْمَلوا ولا تكونوا عالةً على الناس»(٩).

وهكذا فعلى الداعيةِ إلى الله ـ إِنْ لم يكن له مَصْدَرُ رزقٍ يغطِّي حاجتَه ونفقتَه منه ـ اكْتَسَبَ مِنَ الحلالِ بقَدْرِ كفايته، وتَرَكَ الغُلُوَّ فيه؛ فقَدْ كان سفيانُ الثوريُّ «إذا أتاهُ الرجلُ يطلب العلمَ سَأَلَهُ: هل لك وَجْهُ معيشةٍ؟ فإِنْ أخبره أنه في كفايةٍ أَمَرَهُ بطلب العلم، وإِنْ لم يكن في كفايةٍ أَمَرَهُ بطلب المَعاش»(١٠). قلت: إنما ذلك تقصُّدًا ليجمعَ همَّه، ويُفرِّغَ قلبَه، ويصونَ عِرْضَه عن الخَلْق، ويُؤدِّيَ مَهَمَّتَه التربويةَ ورسالتَه الدعويةَ مع كمال العزِّ، مُسْتَغْنِيًا عمَّا في أيدي الناس، بعيدًا عن المُداهَنةِ والمراءاة؛ فإنَّ هذا أَسْلَمُ له في العاقبة وأَنْفَعُ له في الدنيا والآخرة؛ قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ... »(١١) الحديث.

لكِنْ «متى سَمَتْ هِمَّتُهُ إلى فضول المال وَقَعَ المحذورُ مِنَ التشتُّت؛ لأنَّ التشتُّت في الأوَّل للعدم، وهذا التشتُّتُ يكون للحرص على الفضول؛ فيذهب العُمُرُ على البارد:

وَمَنْ يُنْفِقِ الأَيَّامَ فِي حِفْظِ مَالِهِ                       مَخَافَةَ فَقْرٍ فَالَّذِي فَعَلَ الفَقْرُ»(١٢)

قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «... وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ»(١٣).

نسأل اللهَ تعالى أَنْ يرزقنا الهُدى والتُّقى والعفافَ والكفاف والغِنَى، وأَنْ يجعل الآخرةَ هَمَّنَا، ويُقَنِّعَنَا بما آتانا؛ إنه على كُلِّ شيءٍ قديرٌ، وبالإجابةِ جديرٌ.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

 

الجزائر في: ١٥ ربيع الأوَّل ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٢ مارس ٢٠٠٨م

 


(١) أخرجه مسلمٌ في «الزكاة» (١٠٥٤) مِنْ حديثِ عبد الله بنِ عمرٍورضي الله عنهما.

(٢) أخرجه الطبرانيُّ في «الأوسط» (٤٢٧٨) مِنْ حديثِ سهل بنِ سعدٍ رضي الله عنهما. وحسَّنه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٢/ ٤٨٣) رقم: (٨٣١).

(٣) أخرجه ابنُ ماجه في «الزهد» بابُ الزهد في الدنيا (٤١٠٢) مِنْ حديثِ سهل بنِ سعدٍ رضي الله عنهما. والحديث حسَّنه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٢/ ٦٢٤) رقم: (٩٤٤).

(٤) أخرجه مسلمٌ في «الإيمان» (٥٤) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٥) أخرجه البخاريُّ في «الأدب المُفْرَد» (٥٩٤)، والبيهقيُّ في «السنن الكبرى» (١١٩٤٦)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه. وحسَّنه الألبانيُّ في «الإرواء» (٦/ ٤٤) رقم: (١٦٠١).

(٦) أخرجه الخطيب البغداديُّ في «الجامع لأخلاق الراوي» (١/ ٩٩).

(٧) «صيد الخاطر» لابن الجوزي (١٥٤ ـ ١٥٥).

(٨) «حِلْية الأولياء» لأبي نُعَيْمٍ (٦/ ٣٨١).

(٩) المصدر نَفْسُه (٦/ ٣٨٢).

(١٠) أخرجه الخطيب البغداديُّ في «الجامع لأخلاق الراوي» (١/ ٩٨).

(١١) أخرجه الترمذيُّ في «صفة القيامة» (٢٤٦٥) مِنْ حديثِ أنسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه، وأخرجه ابنُ ماجه في «الزهد» بابُ الهمِّ بالدنيا (٤١٠٥) مِنْ حديثِ زيد بنِ ثابتٍ رضي الله عنه. وانظر: «السلسلة الصحيحة» (٢/ ٦٣٣، ٦٣٤) رقم: (٩٤٩، ٩٥٠).

(١٢) «صيد الخاطر» لابن الجوزي (٢٦٧).

(١٣) سبق تخريجه مِنْ حديثِ أنسٍ رضي الله عنه، انظر: (الهامش ١١).