في صحَّةِ نقلِ إنكار ابنِ القيِّم للمجاز مطلقًا | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 11 ربيع الأول 1440 هـ الموافق لـ 19 نوفمبر 2018 م

في شرحكم للإشارة الموسوم ﺑ «الإنارة» ذكرتم ـ حفظكم الله ـ أنَّ ابنَ القيِّم ـ رحمه الله ـ أنكرَ المجازَ المُبتدَعَ الذي هو قسيمُ الحقيقة، سواءٌ في القرآن أو في الحديث، بل حتَّى في اللغة أصلًا، لكِنْ هل صحيحٌ... للمزيد

الفتوى رقم: ١٢١٢

الصنف: فتاوى الأصول والقواعد الفقهية ـ الأصول

في صحَّةِ نقلِ إنكار ابنِ القيِّم للمجاز مطلقًا

السؤال:

في شرحكم للإشارة الموسوم ﺑ «الإنارة» ذكرتم ـ حفظكم الله ـ أنَّ ابنَ القيِّم ـ رحمه الله ـ أنكرَ المجازَ المُبتدَعَ الذي هو قسيمُ الحقيقة، سواءٌ في القرآن أو في الحديث، بل حتَّى في اللغة أصلًا، لكِنْ هل صحيحٌ أنَّ ابنَ القيِّم ـ رحمه الله ـ أثبتَ مجازَ اللغة فقط الذي نَطَق به ـ أوَّلَ مَنْ نَطَق ـ أبو عُبَيْدة مَعْمَرُ بنُ المثنَّى في كتابه: «مجاز القرآن»، وكذا الإمام أحمد في «ردِّه على الجهمية والزنادقة فيما شكُّوا فيه مِنْ مُتشابِه القرآن» كما أفاده ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ أم أنه ـ رحمه الله ـ يُنكِر وجودَ المجاز في اللغة بالكُلِّيَّة بدونِ استثناءٍ؟ أفيدونا زادكم الله علمًا وبارك في أوقاتكم وجهودكم، وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فما أفصحَ عنه ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ في مؤلَّفاته إنما هو إنكارُه لتقسيم الألفاظ إلى حقيقةٍ ومجازٍ بالكُلِّيَّة بلا استثناءٍ، فهو يعتبر هذا القسمَ مجرَّدَ اصطلاحٍ محضٍ حَدَث بعد انقضاء القرون الثلاثة المفضَّلة، وكان منشؤه مِنْ أصحاب الفِرَق الضالَّة مِنَ الجهمية والمعتزلة ومَنْ وافقهم مِنَ المتكلِّمين الذين حملوا آياتِ صفاتِ الله وأحاديثَها على التأويل أو على نفيِ حقيقتها بشُبُهاتٍ عقليةٍ اعتبروها قرائنَ مانعةً مِنْ إرادة المعنى الحقيقيِّ، بدعوى نفيِ تشبيه الله بمخلوقاته؛ فقَدْ قال ـ رحمه الله ـ ما نصُّه: «تقسيمكم الألفاظَ ومعانِيَها واستعمالَها فيها إلى حقيقةٍ ومجازٍ؛ إمَّا أَنْ يكون عقليًّا، أو شرعيًّا، أو لغويًّا، أو اصطلاحيًّا؛ والأقسام الثلاثة الأُوَل باطلةٌ، فإنَّ العقل لا مدخلَ له في دلالة اللفظ وتخصيصه بالمعنى المدلول عليه ـ حقيقةً كان أو مجازًا ـ فإنَّ دلالة اللفظ على معناه، وليست كدلالة الانكسار على الكسر والانفعال على الفعل، لو كانت عقليةً لَمَا اختلفت باختلاف الأُمَم، ولَمَا جَهِل أحدٌ معنى لفظٍ، والشرعُ لم يَرِدْ بهذا التقسيمِ ولا دلَّ عليه، ولا أشار إليه؛ وأهلُ اللغة لم يصرِّح أحدٌ منهم بأنَّ العرب قسَّمَتْ لُغاتِها إلى حقيقةٍ ومجازٍ، ولا قال أحدٌ مِنَ العرب قطُّ: هذا اللفظ حقيقةٌ وهذا مجازٌ، ولا وُجِد في كلامِ مَنْ نَقَل لُغَتَهم عنهم ـ مشافهةً ولا بواسطةٍ ـ ذلك؛ ولهذا لا يُوجَد في كلام الخليل وسيبويه والفرَّاء وأبى عمرو بنِ العلاء والأصمعيِّ وأمثالهم، كما لم يُوجَدْ ذلك في كلام رجلٍ واحدٍ مِنَ الصحابة ولا مِنَ التابعين ولا تابِع التابعين، ولا في كلام أحدٍ مِنَ الأئمَّة الأربعة»(١)، وما يُؤكِّد إنكارَه للمجاز الحادث الذي هو قسيمُ الحقيقة ـ جملةً وتفصيلًا وبدونِ استثناءٍ ـ قولُه في الفصل الذي يليه: «وإذا عُلِم أنَّ تقسيم الألفاظ إلى حقيقةٍ ومجازٍ ليس تقسيمًا شرعيًّا ولا عقليًّا ولا لغويًّا فهو اصطلاحٌ محضٌ؛ وهو اصطلاحٌ حَدَث بعد القرون الثلاثة المفضَّلة بالنصِّ، وكان منشؤه مِنْ جهة المعتزلة والجهميَّة ومَنْ سَلَك طريقهم مِنَ المتكلِّمين»(٢).

وأمَّا ما ذكره ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ عن أبي عُبَيْدة مَعْمَرِ بنِ المثنَّى مِنْ أنه أوَّلُ مَنْ عُرِف عنه أنه تكلَّم بلفظ المجاز حيث صنَّف في تفسير القرآن كتابًا مختصرًا سمَّاهُ: «مجاز القرآن» فإنَّ هذا المجاز ليس استثناءً ممَّا أنكره ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ؛ لأنَّ أبا عبيدة ـ رحمه الله ـ لم يُعْنَ في وضعه لمؤلَّفه بهذا المجاز القسيمِ للحقيقة، فإنه تفسيرٌ لألفاظ القرآن بما هي موضوعةٌ له، وإنما عَنَى ﺑ «مجاز الآية» ما يُعبَّرُ اللفظُ به ويُفسَّر(٣)، وهذا مثلُ تسميةِ بعضهم كتابَه: «معانيَ القرآن» أي: معاني ألفاظ القرآن وما يُقصَد بها ويُراد(٤).

هذا، والمعلوم عن ابنِ القيِّم ـ رحمه الله ـ أنه قد يذكر ـ تارةً ـ المجازَ القسيمَ للحقيقة فيرجِّحها عليه؛ لأنَّ المجاز خلافُ الأصل والظاهر، وذلك في حالةِ تقدير صحَّة القول به، مثل دوران اللفظ بين احتمال الحقيقة واحتمال المجاز، كان حملُه على الحقيقة أَوْلى لأنها الأصلُ، والمجازُ على خلافه، فيُرجِّح الحقيقةَ على المجاز لأصالتها حيث قال ما نصُّه: «إنَّ الأصل الحقيقةُ، والمجازُ على خلاف الأصل»(٥)، وقال ـ أيضًا ـ: «الثاني: إنَّ اسْمَ الجمع يصحُّ استعمالُه في «اثنين» فقط مجازًا عند الأكثرين، وحقيقةً عند بعضهم، فصحَّةُ استعماله في اثنين وبعضِ الثالث أَوْلى، بخلاف الثلاثة»(٦)، ثمَّ قال: «إنه وإِنْ صحَّ استعمالُ الجمع في اثنين وبعضِ الثالث إلَّا أنه مجازٌ، والحقيقة أَنْ يكون المعنى على وفق اللفظ، وإذا دار اللفظُ بين حقيقته ومجازه فالحقيقةُ أَوْلى به»(٧)، وجاء عنه في موضعٍ آخَرَ ما نصُّه: «إذا كان ظاهر كلام الله ورسولِه صلَّى الله عليه وسلَّم والأصلُ فيه الحقيقة لم يَجُزْ أَنْ يُحمَل على مجازه وخلافِ ظاهره ـ ألبتَّةَ ـ لِمَا ذَكَره مِنَ الدليل؛ فإنَّ المجاز لو صحَّ كان خلافَ الأصل، والظاهر ولا يجوز الشهادةُ على الله سبحانه ولا على رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم أنه أراد بكلامه خلافَ ظاهره وحقيقتِه، ولا في موضعٍ واحدٍ ألبتَّةَ، بل كُلُّ موضعٍ ظَهَر فيه المرادُ بذلك التركيبِ والاقترانِ فهو ظاهره وحقيقتُه، لا ظاهِرَ له غيرُه، ولا حقيقةَ له سواه»(٨).

ومع ذلك يُحتمَل مِنْ عبارةِ ابنِ القيِّم ـ رحمه الله ـ القولُ بالمجاز والتأويل، لكِنْ في حيِّز الظاهر المُحتمَل دون المنصوص عليه ، حيث قال ما نصُّه: «المجاز والتأويل لا يدخل في المنصوص، وإنما يدخل في الظاهر المُحتمِل له»(٩)، ثمَّ تعرَّض لبيان شروطِ ذلك.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٩ مِنْ ذي القعدة ١٤٣٩ﻫ
الموافق ﻟ: ٠١ أوت ٢٠١٨م



(١) «الصواعق المُرسَلة» ـ باختصار الموصلي ـ (٢٤١ ـ ٢٤٢).

(٢) المصدر السابق (٢٤٣).

(٣) انظر: «أصول الفقه» لابن مفلح (١/ ١٠١).

(٤) انظر: «الصواعق المُرسَلة» ـ باختصار الموصلي ـ (٢٤٢).

(٥) المصدر السابق (٣٦٩).

(٦) «زاد المعاد» لابن القيم (٥/ ٦٤٢).

(٧) المصدر السابق الجزء والصفحة نفسهما.

(٨) «الصواعق المُرسَلة» ـ باختصار الموصلي ـ (٢٨٦)،.

(٩) «بدائع الفوائد» (١/ ١٥).