في حكم الاعتراض على أثر الخلاف في مسألة المجاز | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 10 ربيع الثاني 1440 هـ الموافق لـ 17 ديسمبر 2018 م

قد جاء في فصل المجاز مِنْ كتابِ «الإنارة» أَنْ حملتم ـ شيخَنا حَفِظكم الله ـ تسميةَ ابنِ القيِّم ـ رحمه الله ـ «طاغوتَ المجاز» على مذهب المُثبِتين له مِنَ المتكلِّمين النُّفَاة للصفات، والذين اتَّخذوا المجازَ ذريعةً إلى تعطيل... للمزيد

الفتوى رقم: ١٢١١

الصنف: فتاوى الأصول والقواعد الفقهية ـ الأصول

في حكم الاعتراض على أثر الخلاف في مسألة المجاز

السؤال:

قد جاء في فصل المجاز مِنْ كتابِ «الإنارة» أَنْ حملتم ـ شيخَنا حَفِظكم الله ـ تسميةَ ابنِ القيِّم ـ رحمه الله ـ «طاغوتَ المجاز» على مذهب المُثبِتين له مِنَ المتكلِّمين النُّفَاة للصفات، والذين اتَّخذوا المجازَ ذريعةً إلى تعطيل حقائق الأسماء والصفات وتأويلِها ونفيها، دون غيرهم مِنَ المُثبِتين للمجاز مِنْ أهل السنَّة، أليس في هذا القول ـ حَفِظكم الله ـ قصرٌ لكلامِ ابنِ القيِّم ـ رحمه الله ـ على المُثبِتين للمجاز المعطِّلين للصفات دون غيرهم مِنْ جهةٍ، وفيه ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ توجيهٌ لكلامِ ابنِ القيِّم ـ رحمه الله ـ إلى غيرِ قصده؟ ثمَّ إنَّ كُلَّ قارئٍ مُنصِفٍ لكلامِ ابنِ القيِّم في «مختصر الصواعق» ـ باختصار الموصليِّ ـ يَفهم منه أنَّ ابنَ القيِّم ـ رحمه الله ـ يُنكِر إثباتَ المجاز المُبتدَع الذي هو قسيمُ الحقيقة جملةً وتفصيلًا؛ لذلك كان نقلُكم ـ حفظكم الله ـ لكلامِ ابنِ قدامة ـ رحمه الله ـ على أنَّ الخلافَ بين أهل السنَّة في إثبات المجاز ونفيِه خلافٌ لفظيٌّ لا يستقيم ـ في نظري ـ بعد نقلكم ـ حفظكم الله ـ لبيانِ ابنِ القيِّم ـ رحمه الله ـ أنَّ الخلافَ معنويٌّ له أثرُه الظاهر على العقائد والأحكام، كما أنَّ في نقلكم لكلامِ ابنِ رجبٍ ـ رحمه الله ـ إيهامًا آخَرَ للقارئ بأنَّ ابنَ رجبٍ يُقِرُّ بوجودِ مجازِ أهل الكلام.

فالحاصل ممَّا سَبَق أنَّ في كلامكم إيهامًا في نقلِ ابنِ القيِّم للخلاف وجعلِه محصورًا في كلام المُثبِتين للمجاز مِنْ أهل البِدَع لا للمُثبِتين للمجاز مِنْ أهل السنَّة؛ فالرجاء منكم ـ حَفِظكم الله ـ توضيح ما أَشكلَ مِنِ اعتراضي على هذه الجزئيةِ مِنْ كلامكم بما يُزيلُ هذا الإشكالَ؛ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فلا يخفى أنَّ القول بالمجاز القسيمِ للحقيقة مِنْ أوسع الأبواب وأعظمِ الطُّرُق التي سَلَكها المؤوِّلون للصفات في كتاب الله وسنَّةِ رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، وقد عَمِل ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ على سَدِّ هذا البابِ الخطير وقطعِ طريقه على المؤوِّلين، لِمَا يخلِّفه مِنْ آثارٍ قبيحةٍ متمثِّلةٍ في تعطيلِ حقائقِ الأسماء والصفات وتأويلِها ونفيها، وهو ما يُسمِّيه ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ ﺑ «طاغوت المجاز».

ولا شكَّ أنَّ ابنَ القيِّم ـ رحمه الله ـ في كسره للمجاز وردِّه على الجهمية المعطِّلة لحقائق الأسماء والصفات إنما عالَجَ موضوعَ المجاز باعتباره مادَّةً علميَّةً، بغضِّ النظر عن قول القائلين بالمجاز والمُثبِتين له، وهو ما أثبتُّه في بداية الشرح: أنَّ ابنَ القيِّم وشيخَه رحمهما الله مَنَعا المجازَ في القرآن والسنَّة واللغة، أي: بصرف النظر عن رأي القائلين به، ولذلك لم يَرِدْ في كلامي ـ ألبتَّةَ ـ أَنْ قصرتُ كلامَ ابنِ القيِّم في موضوع المجاز باعتباره مادَّةً علميةً أو طاغوتيةً ـ كما عبَّر عنها ـ فصيَّرْتُه أنواعًا دون أخرى، وإنما أحبَبْتُ في شرحي أَنْ أُبيِّنَ للقارئ ـ في هذا المقام ـ أنَّ هناك فريقين مِنَ المُثبِتين للمجاز في القرآن والسنَّة مِنْ جهةٍ، وعلى أيِّ الفريقين تنطبق الآثارُ المعنوية التي ذَكَرها ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ  مِنْ حيث النتيجةُ، مِنْ جهةٍ أخرى.

والمُثبِتون للمجاز في القرآن والسنَّة فريقان:

أحدهما: مذهب المُثبِتين للمجاز مِنْ أهل السنَّة، سواءٌ مَنْ يُسمِّيه مجازًا أو مَنْ يعدل عن هذه التسميةِ فيُسمِّيه أسلوبًا عربيًّا؛ دفعًا لتوهُّمِ المعنى الفاسد الذي عليه الجهميةُ والمعتزلة ونحوُهم مِنْ أهل البِدَع؛ فهذا الفريقُ يُثبِتُه في القرآن والسنَّة فيما عَدَا آياتِ الصفات وأحاديثَها، حيث لم يحمله إثباتُه للمجاز على نفي الصفات أو تأويلِها، بل المجازُ عند هذا الفريقِ مُنتَفٍ عن آيات الصفات وأحاديثِها فلا يدخل فيها؛ إذ لا يَلْزَمُ مِنْ حملها على حقيقتها مُحالٌ؛ لذلك أَثبتَ ما في القرآن والسنَّةِ مِنْ صفات الله على حقيقتها اللائقةِ به تعالى، ومَنَع مِنْ حملها على المجاز، وقد صرَّح الأصفهانيُّ ـ رحمه الله ـ بنفي المجاز عن آيات الصفات بقوله: «مَنْ حَمَل اللفظَ على ظاهره وعلى مقتضى اللغةِ حَمَله على حقيقته، ومَنْ تأوَّله عَدَل به عن الحقيقة إلى المجاز، ولا يجوز إضافةُ المجاز إلى صفات الله تعالى»(١).

ثانيهما: مذهب المُثبِتين للمجاز مِنَ المتكلِّمين ومَنْ وافقهم، فإنَّ هذا الفريقَ يُثبِت وقوعَ المجاز في القرآن والسنَّة، ويحمل آياتِ الصفات وأحاديثَها على التأويل أو نفيِ حقيقتها؛ لورودِ ما تقرَّر عنده مِنْ شُبُهاتٍ عقليةٍ جَعَلها قرائنَ مانعةً مِنْ حمل اللفظ على حقيقته؛ لأنَّ حَمْلَها على حقيقتها ـ في مذهبه ـ يَستلزِم تشبيهَ الله بمخلوقاته، وهي ـ كما لا يخفى ـ الشبهةُ المعهودةُ للمعطِّلين لصفات الله تعالى.

وممَّا تقدَّم يظهر ـ جليًّا ـ أنَّ إثبات المجاز مطلقًا مِنْ غيرِ تفصيلٍ خطأٌ وخطرٌ، لكِنْ مِنْ حيث الآثارُ المعنويةُ التي بيَّنها ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ والمخلَّفاتُ القبيحة الناجمة عن القول بالمجاز فإنما تنطبق ـ في الجملة ـ على فريق المتكلِّمين مِنَ الجهمية والمعتزلة والأشاعرة وغيرهم، وهو ما عَنَاهُ ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ في جملةِ كلامه، وخصَّص لذلك فصلًا سمَّاه: «فصل: في كسر الطاغوت الثالث الذي وضعَتْه الجهميةُ لتعطيل حقائق الأسماء والصفاتِ وهو طاغوتُ المجاز»، ثمَّ قال ـ رحمه الله ـ: «هذا الطاغوت لَهِج به المتأخِّرون، والْتَجَأ إليه المعطِّلون، وجعلوه جُنَّةً يتترَّسون بها مِنْ سهام الراشقين، ويصدُّون به عن حقائق الوحي المبين»(٢).

هذا، وأمَّا ابنُ قدامة ـ رحمه الله ـ فقَدْ فرَّق بين صنفين مِنَ المانعين للمجاز وهما:

أوَّلًا: مَنْ ينفي المجازَ ولا يقول بالتأويل، بل يُجرِي اللفظَ على ظاهره، ويريد ـ جاهدًا ـ أَنْ يبيِّن ورودَ اللفظ في اللغة بالمعنى المرادِ مِثلَ أَنْ يقول: القريةُ في قوله تعالى: ﴿وَسۡ‍َٔلِ ٱلۡقَرۡيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا[يوسف: ٨٢]، تُطلَق على المسكن والسُّكَّان، أي: على الجماد والعباد ونحوِ ذلك، فهذا الفريق وَصَفه ابنُ قدامة ـ رحمه الله ـ بالمُكابِر.

ثانيًا: مَنْ يُثبِت المجازَ ويقول بالتأويل، ولكنَّه لا يُسمِّيه مجازًا، وإنَّما هو ـ عنده ـ أسلوبٌ مِنَ الأساليب العربية لِئَلَّا يُوهِمَ المعنى الفاسدَ ويصيرَ ذريعةً لمَنْ يريد جَحْدَ حقائقِ الكتاب والسنَّة ومدلولاتِها كما أشار إلى ذلك ابنُ رجبٍ(٣) ـ رحمه الله ـ ولا يَلْزَمُ ـ بحالٍ ـ مِنْ إشارةِ ابنِ رجب ـ رحمه الله ـ أنه يُقِرُّ بوجودِ مجازِ أهل الكلام لا هو ولا ابنُ قدامة، وإنما إشارتُه تقريبيةٌ لبيانِ هذا المعنى بالوجه التفصيليِّ المذكور.

والخلافُ ـ إذن ـ بين هؤلاء والجمهورِ لفظيٌّ في التسمية والعبارة، فلا حَجْرَ في العبارات والمُصطلَحاتِ، ولا مُشاحَّةَ فيها بعد فهمِ المعنى.

وعليه، فإنَّ القائلين مِنْ أهل السنَّة بانتفاء المجاز عن آيات الصفات وأحاديثِها ـ سواءٌ مِنَ المُثبِتين للمجاز أو مِنَ المُثبِتين للتأويل مِنْ غيرِ تسميتِه مجازًا بل هو أسلوبٌ عربيٌّ، أو ممَّنْ ينفي المجازَ أصلًا ـ لا يختلفون في نفي المجاز عن آيات الصفات وأحاديثِها، بل هم مُتَّفِقون على الإقرار بها وإمرارِها على الوجه اللائق بها وإثباتها مِنْ غيرِ تعرُّضٍ لتأويلها بالمجاز أو غيرِه؛ فهؤلاء جميعًا بريئون مِنَ التشبيه والتعطيل، فلا ينفون ما أَثبتَه اللهُ لنفسه ولا يُثبِتون ما نَفَاهُ اللهُ عن نفسه، ولا يحرِّفون الكَلِمَ عن مواضعه، ولا يُلحِدون في أسماء الله وآياتِه، ولا يمثِّلون صفاتِه بصفاتِ خَلْقه؛ قال ابنُ عبد البرِّ ـ رحمه الله ـ: «أهلُ السنَّة مُجمِعون على الإقرار بالصفات الواردةِ كلها في القرآن والسنَّة، والإيمانِ بها وحملِها على الحقيقة لا على المجاز، إلَّا أنهم لا يكيِّفون شيئًا مِنْ ذلك ولا يَحُدُّون فيه صفةً محصورةً»(٤)، وقال ابنُ قدامة ـ رحمه الله ـ: «وعلى هذا دَرَج السلفُ وأئمَّةُ الخلف رضي الله عنهم، كُلُّهم مُتَّفِقون على الإقرار والإمرار والإثبات لِمَا وَرَد مِنَ الصفات في كتاب الله وسنَّةِ رسوله، مِنْ غير تعرُّضٍ لتأويله، وقد أَمَرنا بالاقتفاء لآثارهم والاهتداءِ بمَنارهم، وحذَّرنا المُحدَثاتِ وأخبرنا أنها مِنَ الضلالات»(٥).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٦ مِنْ ذي القعدة ١٤٣٩ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٩ يوليو ٢٠١٨م



(١) «الحجَّة في بيان المحجَّة» للأصفهاني (١/ ٤٨٢).

(٢) «مختصر الصواعق المُرسَلة» لابن القيِّم ـ باختصار الموصلي ـ (٢٤١).

(٣) انظر: «ذيل طبقات الحنابلة» لابن رجب (١/ ٣٨٥).

(٤) «التمهيد» لابن عبد البرِّ (٧/ ١٤٥).

(٥) «لُمْعة الاعتقاد» لابن قدامة (٥).