في المعنى المراد مِنْ لفظةِ: «بالغ» للشارح | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 12 ربيع الثاني 1440 هـ الموافق لـ 19 ديسمبر 2018 م

في قولكم ـ حفظكم الله ـ عند ذِكرِ المجاز في (ص: ٢٨): «وما عليه جمهورُ العلماء وقوعُه مُطْلَقًا في القرآن والحديث واللغة»، ثمَّ في الصفحة التي تليها (ص: ٢٩) بعد ذِكر مذاهب العلماء... للمزيد

الفتوى رقم: ١٢١٠

الصنف: فتاوى متنوِّعة ـ ألفاظ في الميزان

في المعنى المراد مِنْ لفظةِ: «بالغ» للشارح

السؤال:

في قولكم ـ حفظكم الله ـ عند ذِكرِ المجاز في (ص: ٢٨): «وما عليه جمهورُ العلماء وقوعُه مُطْلَقًا في القرآن والحديث واللغة»، ثمَّ في الصفحة التي تليها (ص: ٢٩) بعد ذِكر مذاهب العلماء ومواقفهم مِنَ المجاز قلتم ـ حفظكم الله ـ: «وبالغ ـ في إيضاحِ منع المجاز ـ أبو العبَّاس بنُ تيمية وتلميذُه ابنُ القيِّم، بل أوضحَا مَنْعَه في اللغة أصلًا»، ثمَّ قلتم في «مجلَّة الإحياء» العدد: (١٩): «وبالغ ـ في تقريرِ منع المجاز في القرآن ـ أبو العبَّاس بنُ تيمية وتلميذُه ابنُ القيِّم رحمهما الله، بل أوضحَا مَنْعَه في اللغة أصلًا»؛ ولا يخفى عليكم ما يحمله هذا التعبيرُ مِنْ معنًى؛ إذ المفهومُ بعبارةِ: «بالغ في تقرير منع المجاز في القرآن» هي المغالاة في المنع، ولا يليق في التعبيرِ نسبتُها لابن تيمية وابنِ القيِّم كما هو معلومٌ عندكم؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فأمَّا تحقيق النقل لمذهب القائلين بوقوع المجاز مطلقًا منسوبًا إلى الجمهور فقَدْ ذكرتُ على هامش الشرح جملةً مِنَ المصادر والمراجع تُثبِتُ صحَّةَ القول، وخاصَّةً إثباته في اللغة: فمِنْ ذلك قولُ الآمديِّ ـ رحمه الله ـ: «كيف وإِنَّ أهل الأعصار لم تَزَلْ تتناقل في أقوالها وكُتُبها عن أهل الوضع تسميةَ هذا حقيقةً وهذا مجازًا»(١)، وقولُ الفتوحيِّ ـ رحمه الله ـ: «المجاز واقعٌ في اللغة عند الجمهور»(٢)، وقولُ الشوكانيِّ ـ رحمه الله ـ: «المجاز واقعٌ في لغة العرب عند جمهور أهل العلم»(٣) وغيرُ ذلك.

أمَّا مَنْ أنكر وقوعَ المجاز في اللغة فهو الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائينيُّ، وحُكِي عن أبي عليٍّ الفارسيِّ، ونَصَره شيخُ الإسلام ابنُ تيمية وابنُ القيِّم، ورجَّحه الشنقيطيُّ في «منع جواز المجاز» كما جاء في «الإنارة».

أمَّا عن لفظةِ: «بالغ في تقرير المنع وإيضاحه» فإنَّ المبالغة ـ في اللغة ـ كما تحمل معنى المغالاة فإنها تحمل ـ أيضًا ـ معنى الاستقصاء والاجتهاد؛ فتقول: بالغ في الشيء مبالغةً وبِلاغًا، أي: اجتهد فيه واستقصى(٤)، ومنه: قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا»(٥)، وما زال العلماءُ يستعملون هذا التعبيرَ في سياقاتٍ يُستشعَرُ فيها المدحُ للسابقين بالاستقصاء والاجتهادِ في مجالاتهم(٦).

وهذا المعنى الأخير هو المرادُ مِنَ التعبير أي: أنَّ ابنَ تيمية ـ رحمه الله ـ نَصَر القولَ وأَوضحَه واستقصى جُزئيَّاتِه وفروعَه، وذَكَر سببَ الاختلافِ وأَوْجُهَ الاستدلال فيه ونحوَ ذلك؛ ولا يخفى أنَّ ذلك هو الأليقُ به وبتلميذه ابنِ القيِّم رحمهما الله.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١١ مِنْ ذي القعدة ١٤٣٩ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٤ جويلية ٢٠١٨م

 



(١) «الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي (١/ ٣٤).

(٢) «شرح الكوكب المنير» للفتوحي (١/ ١٩١).

(٣) «إرشاد الفحول» للشوكاني (٢٣).

(٤) انظر: «النهاية» لابن الأثير (١/ ١٥٣)، «المعجم الوسيط» (١/ ٦٩).

(٥) أخرجه أبو داود في «الطهارة» بابٌ في الاستنثار (١٤٢)، والترمذيُّ في «الصوم» بابُ ما جاء في كراهِيَةِ مبالغة الاستنشاق للصائم (٧٨٨)، والنسائيُّ في «الطهارة» باب المبالغة في الاستنشاق (٨٧)، وابنُ ماجه في «الطهارة وسُنَنها» باب المبالغة في الاستنشاق والاستنثار (٤٠٧)، مِنْ حديثِ لقيط بنِ صبرة رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٩٢٧).

(٦) وممَّا وَرَد عن العلماء مِنِ استعمالهم لِلَفظةِ «بالغ»: قولُ ابنِ تيمية ـ رحمه الله ـ في [«مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٣٣٧)]: «وقد كان عمر رضي الله عنه لمَّا كَثُر الشربُ زاد فيه النفيَ وحَلْقَ الرأس مبالغةً في الزجر عنه»، وقولُه في [«مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٦٥٤)]: «وهذه الشروط ما زال يجدِّدها عليهم مَنْ وفَّقه اللهُ تعالى مِنْ وُلَاةِ أمور المسلمين، كما جدَّد عمر بنُ عبد العزيز ـ رحمه الله ـ في خلافته وبالغ في اتِّباعِ سُنَّةِ عمر بنِ الخطَّاب رضي الله عنه»، بل قال أبلغَ مِنْ ذلك في [«اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ٥٠٠)] بما نصُّه: «بل قد بالغ صلَّى الله عليه وسلَّم في أمرِ أُمَّته بمخالفتهم في كثيرٍ مِنَ المباحات وصفاتِ الطاعات»، بل استعمل هذه اللفظةَ في حقِّ الخالق جلَّ وعزَّ حيث قال في [«الفتاوى الكبرى» (٦/ ١٦٩)]: «ثمَّ إنَّ الشارع بالغ في هذه الصيانةِ حتَّى جَعَل العِدَّةَ ثلاثةَ قروءٍ وأوجبَ العِدَّة على الكبيرة والصغيرة».

وأمَّا ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ فقَدْ قال في «إغاثة اللهفان» (١/ ١٨٩): «وبالجملةِ فمَنْ له معرفةٌ بالشرك وأسبابِه وذرائعِه، وفَهِمَ عن الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم مَقاصِدَه؛ جَزَمَ جزمًا لا يحتمل النقيضَ أنَّ هذه المُبالَغةَ منه باللعن والنهيِ بصيغتَيْه: صيغةِ: «لا تفعلوا»، وصيغةِ: «إنِّي أنهاكم» ليس لأَجْلِ النجاسة، بل هو لأجلِ نجاسةِ الشرك اللاحقةِ بمَنْ عَصَاهُ، وارتكب ما عنه نَهَاهُ».