في الاعتراض على عبارةِ: «أنَّ له كلامًا يدلُّ على جميع المعلومات» | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 5 ربيع الثاني 1440 هـ الموافق لـ 12 ديسمبر 2018 م

قولُكم ـ حَفِظكم الله ـ في ص (١٠٧) مِنْ «إمتاع الجليس»: «وأنَّ له كلامًا يدلُّ على جميع المعلومات»، هذا مِنْ تعابير الأشاعرة والكُلَّابيَّة الذين يُؤوِّلون الكلامَ بالعلم وبالمعنى النفسيِّ القائم بالذَّات، ... للمزيد

الفتوى رقم: ١٢١٤

الصنف: فتاوى العقيدة ـ الأسماء والصفات

في الاعتراض على عبارةِ: «أنَّ له كلامًا يدلُّ على جميع المعلومات»

السؤال:

قولُكم ـ حَفِظكم الله ـ في ص (١٠٧) مِنْ «إمتاع الجليس»: «وأنَّ له كلامًا يدلُّ على جميع المعلومات»، هذا مِنْ تعابير الأشاعرة والكُلَّابيَّة الذين يُؤوِّلون الكلامَ بالعلم وبالمعنى النفسيِّ القائم بالذَّات، الدَّالِّ على الأمر والنهي والخبر والاستخبار، وخاصَّةً أنَّكم أَرْدَفْتم ذلك بقولكم: «لِيَدْخُلَ تحته المعدوماتُ والموجودات»؛ فإنَّ هذا التعبيرَ ينطبق على صفة العلم لا على صفة الكلام؛ لأنَّ الكلام لا يدخل تحته إلَّا ما قُصِد به، لا جميعُ المعلومات؛ فما جوابُكم ـ حَفِظكم الله ـ على هذا الاعتراض؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فقَدْ تقدَّم ـ في اعتراضٍ سابقٍ(١) ـ بيانُ أنَّ أهل السُّنَّة يُثبِتون الكلامَ صفةً قائمةً بذات الله تعالى باعتبارِ أصلها، وفعليَّةً باعتبارِ أفرادها، ويُقِرُّون أنَّ الله لم يَزَلْ مُتكلِّمًا ولا يزال، وأنَّ كلامه سبحانه مُتعلِّقٌ بمشيئته واختياره، يُكلِّم مَنْ شاء بما شاء ومتى شاء وكيف شاء، وأنَّ كلامه مسموعٌ بالآذان حقيقةً مِنْ غيرِ توهُّمٍ، وأنه بحرفٍ وصوتٍ يُسمِعُه مَنْ يشاء مِنْ عباده وسائرِ خَلْقه، وهذا كُلُّه ثابتٌ بالكتاب والسُّنَّة والإجماع والعقل كما هو مُبيَّنٌ في الشرح.

والمعلومُ أنَّ الكلام ـ في اللغة ـ يدلُّ على نطقٍ مُفهِمٍ(٢)، فالنطقُ المسموعُ لا يكون إلَّا بألفاظٍ وحروفٍ تُسمَع، والمُفهِمُ أي: ذو معنًى، فحقيقةُ الكلام ـ إذن ـ هو اللفظ والمعنى جميعًا، فالقرآنُ تَكلَّم به اللهُ سبحانه على الحقيقة بحروفه ومَعانِيه، فقولُ الشيخ ابنِ باديس في المتن ص (١٠٢): «ومِنْ صِفَاتِه تعالى الكلامُ الذي يدلُّ على جميع المعلومات» فمُرادُه: أنَّ كلام الله تعالى إذا كان بحروفٍ وصوتٍ مسموعٍ على الحقيقة، يتكلَّم اللهُ به على ما يَليقُ بذاته، فلا بُدَّ أَنْ يكون كلامُه وخطابُه ونصوصُه اللفظيَّةُ مُفهِمةً أي: تدلُّ على مَعانٍ، سواءٌ كان كلامُه باللفظ العامِّ الذي لا شيءَ أعمُّ منه مِثل «المعلوم» و«المذكور»(٣)، فإنه يَشمَلُ جميعَ الموجودات والأشياء، قديمها ومُحْدَثها، والمعدومات وغيرها، لِتعلُّقِ كلامِه بمشيئته واختياره، والمشيئةُ تَستلزِمُ العِلمَ بالمُراد، مِثل قوله تعالى: ﴿ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ ٦٢[الزُّمَر]، وقولِه تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزۡقُهَا وَيَعۡلَمُ مُسۡتَقَرَّهَا وَمُسۡتَوۡدَعَهَاۚ كُلّٞ فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ ٦[هود]، وقولِه تعالى: ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ[الأنعام: ١، ٧٣؛ وغيرها]، وغيرِها مِنَ الآيات العامَّةِ التي أُريدَ بها العمومُ قطعًا؛ قال الشافعيُّ ـ رحمه الله ـ في شأن الآيات السابقة: «فكُلُّ شيءٍ مِنْ سماءٍ وأرضٍ وذي روحٍ وشجرٍ وغيرِ ذلك فاللهُ خَلَقَه، وكُلُّ دابَّةٍ فعلى الله رِزقُها ويعلمُ مُستقَرَّها ومُسْتَوْدعَها»(٤)، فحَصَل العِلمُ بدلالة كلام الله تعالى ـ على أَتمِّ وضوحٍ وأكملِ يقينٍ ـ بدخولِ كُلِّ معلومٍ أو مذكورٍ ممَّا يَعنِيه النصُّ القرآنيُّ فيما أُريدَ به العمومُ المحفوظُ قطعًا، «ودلالةُ كلام الله أكملُ مِنْ دلالةِ كُلِّ كلامٍ، وإفادتُه اليقينَ فوق إفادةِ كُلِّ دليلٍ اليقينَ بمدلوله، ودلالةُ آياتِه العيانيَّةِ على مدلولها فوق إفادةِ كُلِّ دليلٍ عقليٍّ لمدلوله» كما ذَكَره ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ(٥)، وقد يكون اللفظُ خاصًّا لا أَخصَّ منه كالأشخاص (أسماء الأعلام)، أو يكون اللفظُ ما بينهما، فهو أَعمُّ ممَّا تحته وأخصُّ ممَّا فوقه(٦)؛ قال ابنُ بدران ـ رحمه الله ـ: «اعْلَمْ أنَّ اللفظ ينقسم إلى ما لا أَعمَّ منه، وذلك كالمعلوم أو الشيء، لأنَّ «المعلوم» يتناول جميعَ الأشياء ـ قديمها ومُحْدَثها، ومعدومها وموجودها ـ لتَعلُّقِ العلم بذلك كُلِّه؛ و«الشيء» يتناول القديمَ والمُحدَث، والجوهرَ والعَرَض، وسائرَ الموجودات؛ فالشيءُ أَخصُّ مِنَ المعلوم؛ لأنَّ كُلَّ شيءٍ معلومٌ، وليس كُلُّ معلومٍ شيئًا؛ وهذا النوع يُسمَّى: العامَّ المطلق؛ وينقسم اللفظُ إلى ما لا أَخصَّ منه ويُسمَّى: الخاصَّ المطلق، وذلك كزيدٍ وعمرٍو ونحوِهما؛ إذ لا يُوجَدُ أَخصُّ مِنْ ذلك يُعرَف به؛ ولهذا كانَتِ الأعلامُ أَعرفَ المعارف عند بعضِ النُّحَاة؛ وينقسم إلى ما بينهما ويُقالُ له: العامُّ أو الخاصُّ الإضافيُّ»(٧).

والمصنِّف ـ رحمه الله ـ اكتفى بذِكر المعلومات لِتَناوُلِها جميعَ ما يدخل تحتها.

أمَّا مذهب الأشاعرة والكُلَّابيَّة فإنَّ المشهور عنهم أنَّ كلام الله هو صفةٌ ذاتيَّةٌ قائمةٌ بذات الله تعالى ـ أزلًا وأبدًا ـ بمعنَى: أنه مُتَّصِفٌ بها في الأزل وفيما لم يَزَلْ، وليس هو صفةً فعليَّةً تتعلَّق بمشيئته وقُدرتِه، بل هو كلامٌ نفسيٌّ، أي: أنه معنًى قائمٌ بالنفس ليس بحرفٍ ولا صوتٍ، وهو ـ أيضًا ـ معنًى واحدٌ لا يتجزَّأ ولا يتبعَّض، فالأمرُ والنهي والخبرُ والاستخبار كُلُّها ـ عندهم ـ بمعنًى واحدٍ، إِنْ عُبِّرَ عنه بالعربيَّة كان قرآنًا، وإِنْ عُبِّر عنه بالعبرية كان توراةً، وإِنْ عُبِّر عنه بالسريانيَّة كان إنجيلًا؛ ولذلك قالوا: إنَّ القرآن الكريم هو عبارةٌ عن كلام الله تعالى ـ كما عند الأشعريِّ ـ أو حكايةٌ له ـ كما عند ابنِ كُلَّابٍ ـ وهو حروفٌ وأصواتٌ مُحدَثةٌ مخلوقةٌ(٨)، فبهذا يتميَّز مذهبُ الأشاعرة والكُلَّابيَّة عن غيره مِنَ المذاهب في حقيقة الكلام ـ عمومًا ـ عن مذهب أهل السُّنَّة ـ خصوصًا ـ.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٥ مِنْ ذي الحِجَّة ١٤٣٩ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٦ أوت ٢٠١٨م



(١) انظر الفتوى رقم: (١٢١٠) الموسومة ﺑ: «في الاعتراض على عبارةِ: «يتكلَّم بحرفٍ وصوتٍ يُسمِعه مَنْ يشاء مِنْ خَلْقه»» على الموقع الرسميِّ لفضيلة الشيخ أبي عبد المُعزِّ محمَّد علي فركوس ـ حَفِظه الله ـ.

(٢) انظر: «مقاييس اللغة» لابن فارس (٥/ ١٣١).

(٣) وقد جَعَل ابنُ مُفلِحٍ ـ رحمه الله ـ «المذكورَ» أَعمَّ مِنَ المعلوم، فقال في «أصول الفقه» (٢/ ٧٤٩): «العامُّ لا أعمَّ منه: «المذكور»، لِتَناوُلِه الموجودَ والمعدومَ والمعلومَ والمجهولَ، والخاص لا أَخصَّ منه «أسماء الأعلام»، وعامٌّ بالنسبة إِلى ما تحته خاصٌّ بالنسبة إِلى ما فوقه كحيوان».

(٤) «الرسالة» للشافعي (٥٤).

(٥) «الصواعق المُرسَلة» لابن القيِّم (٢/ ٧٦٥).

(٦) انظر: «روضة الناظر» لابن قدامة (٢/ ٢٢٠)، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي (٣/ ١٠٥)، «مذكِّرة الشنقيطي» (٢٠٤).

(٧) «المدخل إلى مذهب الإمام أحمد» لابن بدران (٢٤٥).

(٨) انظر مذهبَ الأشاعرة في كلام الله في: «الإنصاف» للباقلَّاني (٦٧)، «أصول الدِّين» لعبد القاهر البغدادي (١٠٦)، «الإرشاد» للجُوَيْني (١٢٧)، «الأربعين» للغزَّالي (٣٢)، «نهاية الإقدام» للشهرستاني (٢٨٨).