في الاعتراض على استعمال لفظة المتشابه في معاني الأسماء والصفات | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأحد 21 صفر 1441 هـ الموافق لـ 20 أكتوبر 2019 م

وَرَد إشكالٌ في فهمِ عبارتكم ـ حفظكم الله ـ الواردةِ في مقالِ: «تبيين الحقائق للسالك لِتَوقِّي طُرُق الغواية وأسبابِ المهالك» حيث جاء نصُّها بما يلي: «هكذا كان أهلُ المغرب الإسلاميِّ على الهُدى ودِينِ الحقِّ ... للمزيد

الفتوى رقم: ١٢٢٣

الصنف: فتاوى العقيدة ـ الأسماء والصفات

في الاعتراض على استعمال لفظة المتشابه
في معاني الأسماء والصفات

السؤال:

وَرَد إشكالٌ في فهمِ عبارتكم ـ حفظكم الله ـ الواردةِ في مقالِ: «تبيين الحقائق للسالك لِتَوقِّي طُرُق الغواية وأسبابِ المهالك» حيث جاء نصُّها بما يلي: «هكذا كان أهلُ المغرب الإسلاميِّ على الهُدى ودِينِ الحقِّ، متمسِّكين بمذهب السَّلف، وبمَعزِلٍ عن اتِّباع الأشاعرة في تأويلِ آياتِ الصِّفات وأحاديثِها، اقتداءً بالسَّلف في وجوب الإيمان بمَعانِيها لأنها مُحكَمةٌ، ورَدِّ عِلمِ كيفيَّاتها إلى الله دون تأويلٍ، إلى أَنْ ظَهَر المهديُّ ابنُ تُومَرْت المُتشيِّعُ (ت: ٥٢٤ﻫ) الذي لَقِي ـ خلالَ رِحلته بالمشرق ـ أئمَّةَ الأشعريَّة، وأخَذ عنهم واستحسن طريقَهم، وذَهَب إلى رأيهم في اتِّباع المُتشابِه والاستدلالِ به على مقالاتهم الباطلةِ تحريفًا لنصوص الوحي وسعيًا للفتنة»(١)، أليس في هذه الفقرةِ ما يُوهِمُ وَصْفَ آياتِ الصفات بالمتشابهات، وهو مُبايِنٌ لمذهب أهل السُّنَّةِ في تقرير الأسماء والصِّفات؟ فالمَرْجوُّ توضيحُ الإشكال مأجورين.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاعْلَمْ ـ وفَّقك الله ـ أنَّ الأسماءَ والصفاتِ ـ عند أهلِ السُّنَّة ـ مُحكَمةُ المعاني، مُتشابِهةُ الكيفيَّات؛ والمرادُ بإحكامها أنها ليسَتْ مِنَ الألفاظ التي لا يعلم معناها إلَّا اللهُ، بل معناها ممَّا يُعلَمُ المقصودُ منه ـ لُغَةً وشرعًا ـ لا خفاءَ فيه؛ إذ ظواهرُ الصفات تدلُّ على المعنى اللائق بالله تعالى، وهي ـ بهذا المعنى ـ مرادةٌ، وهو قولُ السلف قاطبةً(٢)؛ قال الشافعيُّ ـ رحمه الله ـ: «القرآنُ عربيٌّ كما وصفتُ، والأحكامُ فيه على ظاهرها وعمومها، ليس لأحَدٍ أَنْ يُحِيلَ منها ظاهرًا إلى باطنٍ، ولا عامًّا إلى خاصٍّ إلَّا بدلالةٍ مِنْ كتاب الله، فإِنْ لم تكن فسُنَّة رسول الله تدلُّ على أنه خاصٌّ دون عامٍّ أو باطنٌ دون ظاهرٍ، أو إجماعٌ مِنْ عامَّة العلماء الذين لا يجهلون كُلُّهم كتابًا ولا سُنَّةً، وهكذا السُّنَّة، ولو جاز في الحديث أَنْ يُحالَ الشيءُ منه عن ظاهره إلى معنًى باطنٍ يحتمله كان أكثرُ الحديثِ يحتمل عددًا مِنَ المعاني، ولا يكون لأحَدٍ ذَهَب إلى معنًى منها حجَّةٌ على أحَدٍ ذَهَب إلى معنًى غيرِه، ولكنَّ الحقَّ فيها واحدٌ لأنَّها على ظاهِرِها»(٣)؛ فالإحكامُ ـ إذن ـ راجعٌ إلى المعنى، والتشابهُ راجعٌ إلى الكيفيَّة.

وعليه، فأسماءُ الله وصِفاتُه مُحكَمةٌ بمعنَى أنها واضحةُ الألفاظِ معلومةُ المعاني، فيجب إثباتُها والإيمانُ بها وفق الوحيَيْن الطاهرَيْن؛ بخلافِ ما عند المُؤوِّلةِ فهي مِنَ المُتشابِه لِتَشابُهِ معاني الصِّفات ـ عندهم ـ؛ وقد تقدَّم إجماعُ سلفِ الأمَّةِ وأئمَّتِها على إجراء النصوص الشرعيَّة مِنَ الكتاب والسنَّة على ظواهرها المعلومة دون تأويلٍ، واعتقادِ ما دلَّتْ عليه مِنَ المعاني اللائقة بالله تعالى، وتفويضِ كيفيَّةِ اتِّصاف اللهِ بها إليه سبحانه، وتركِ تأويل معاني نصوص الصِّفات الذي انتحلَهُ نُفاةُ الصفاتِ لِتشابُهِ معاني الصفات ـ عندهم ـ كما تقدَّم، فهو مِنَ المتشابه الخاصِّ الذي يُقابِلُه الإحكامُ الخاصُّ ويُضادُّه(٤)؛ ولا يخفى أنَّ التأويل بهذا المعنى حادثٌ مُتأخِّرٌ بعد عصر السلف، مُجانِبٌ لمذهب أهل الحقِّ مِنَ السلف وأهلِ السنَّة.

هذا، وأمَّا حقيقةُ ما دلَّ عليه الكتابُ والسُّنَّةُ مِنْ حقائق الأسماء والصِّفات وكيفيَّاتِها فهو مِنْ تأويل المُتشابِه الذي لا يعلمه إلَّا اللهُ(٥)؛ وضِمنَ هذا التقريرِ قال الشنقيطيُّ ـ رحمه الله ـ في مَعرِضِ تعقيبه على ابنِ قدامة ـ رحمه الله ـ في قوله: إنَّ المُتشابِهَ ما وَرَد في صفات الله ـ سبحانه وتعالى ـ ممَّا يجب الإيمانُ به ويَحْرُمُ التعرُّضُ لتأويله كقوله تعالى: ﴿ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ ٥[طه]: «لا يخلو مِنْ نظرٍ؛ لأنَّ آياتِ الصفات لا يُطلَق عليها اسْمُ المتشابه بهذا المعنى مِنْ غير تفصيلٍ؛ لأنَّ معناها معلومٌ في اللغة العربيَّة وليس متشابهًا، ولكنَّ كيفيَّةَ اتِّصافِه ـ جلَّ وعلا ـ بها ليست معلومةً للخَلْق، وإذا فسَّرْنا المتشابه بأنه هو ما استأثر اللهُ بعلمه دون خَلْقه كانت كيفيَّةُ الاتِّصاف داخلةً فيه لا نفسُ الصفة، وإيضاحُه أنَّ الاستواء(٦) إذا عُدِّيَ ﺑ «على» معناهُ في لغة العرب: الارتفاعُ والاعتدال، ولكنَّ كيفيَّةَ اتِّصافِه ـ جلَّ وعلا ـ بهذا المعنى المعروفِ عند العرب لا يعلمها إلَّا اللهُ جلَّ وعلا، كما أَوضحَ هذا التفصيلَ إمامُ دارِ الهجرة مالكُ بنُ أنسٍ ـ تغمَّده الله برحمته ـ بقوله: «الاستواءُ غيرُ مجهولٍ، والكيفُ غيرُ معقولٍ»؛ فقولُه ـ رحمه الله ـ: «الاستواء غيرُ مجهولٍ» يوضِّح أنَّ أصل صفة الاستواء ليست مِنَ المتشابه، وقولُه: «والكيف غيرُ معقولٍ» يبيِّن أنَّ كيفيَّةَ الاتِّصاف تدخل في المتشابه؛ بناءً على تفسيره بما استأثر اللهُ تعالى بعلمه كما تقدَّم»(٧).

والعبارة الواردة في مقالي بعد التوضيح هي كالتالي:

«هكذا كان أهلُ المغرب الإسلاميِّ على الهُدى ودِينِ الحقِّ، متمسِّكين بمذهب السَّلف .. اقتداءً بالسَّلف في وجوب الإيمان بمعانيها [أي: آيات الصفات وأحاديثها] لأنها مُحكَمةٌ [أي: لكونها مِنَ الألفاظ التي يُعلَم معناها، والمقصودُ منها لا خفاءَ فيه]، وردِّ علمِ كيفيَّاتها إلى الله دون تأويلٍ [وهو المتشابه؛ لأنَّ الكيفيَّة لا يعلمها إلَّا الله]».

فالحاصل أنَّ أسماء الله تعالى وصِفاتِه ـ عند أهل السنَّة ـ تكون مِنَ المتشابه باعتبار كيفيَّتها، وليست مِنَ المتشابه باعتبار معناها(٨).

بخلاف الأشاعرة فقَدْ جعلوا المُحكَم متشابهًا ليعطِّلوا دلالتَه ويستدلُّوا به على مقالاتهم الباطلة طلبًا للفتنة وتحريفًا لكتاب الله.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٣ شعبان ١٤٣٩ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٩ أبريل ٢٠١٨م



(١) «تسليط الأضواء» للمؤلف (٤٦).

(٢) انظر: «شرح أصول اعتقاد أهل السنَّة والجماعة» للَّالَكائي (٣/ ٤٣٢)، «عقيدة السلف» للصابوني (١٦٥)، «درء تعارض العقل والنقل» لابن تيمية (٧/ ١٠٨).

(٣) «اختلاف الحديث» للشافعي (٢٤).

(٤) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٣/ ٦٢).

(٥) المصدر السابق (٣/ ٦٥).

(٦) وفي المطبوع: «الاستوى».

(٧) «مذكِّرة الشنقيطي» (٦٥).

(٨) لمزيدِ بسطٍ انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٧/ ٣٦٤ وما بعدها).