في أداء الدَّين بمثله لا بقيمته | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 14 ربيع الآخر 1442 هـ الموافق لـ 30 نوفمبر 2020 م

الفتوى رقم: ١٢٤٤

الصنف: فتاوى المعاملات المالية ـ القرض والصرف

في أداء الدَّين بمثله لا بقيمته

السؤال:

قبل سنوات ما بين (١٤١٧هـ ـ م١٩٩٧) و(١٤٢٢هـ ـ ٢٠٠٢م) مرّ زوجي بضائقة مالية، فبعت مجوهراتي وأعطيته المال، وحينها وعدني أنه سيرجع إليَّ مجوهراتي عندما يستلم أول دفعة تقاعد له، ولكنه لم يفعل، فبقيت أطالبه بحقي، إلى أن استجاب لي مؤخرًا.

فهل يرجع إليَّ الدَّين نقودًا أم ذهبًا؟ وهل يكون بثمن الذهب اليومَ أم بالثمن الذي كان في السنوات المذكورة؟ جزاكم الله كلَّ خير، ووفقنا وإياكم لما يحب ويرضى.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فيجري في عالم الناس ـ حاليًّا ـ نظام النقود الورقية بدلًا مِن نظام الذَّهب النَّقدي الذي كان يُتخذ مقياسًا للمواد والسِّلع والخدمات، والذي لم يَعد ـ اليوم ـ معمولًا به.

والمعلومُ ـ تقعيدًا ـ أنه: «إِذَا بَطَلَ الأَصْلُ فَيُصَارُ إِلَى البَدَلِ»، وأنَّ البَدَل يقوم مقام المُبْدَلِ منه، ولا يخفى أنَّ المبدَل منه أفضل من البَدَل الذي لا يجوز إلَّا عند العجز عن المبدَل(١)، ولمَّا كان الدَّين ـ في أحكام النُّقود الذَّهبية والفِضِّية ـ يُؤدَّى بمثله لا بقيمته بناءً على حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى الله عليه وسَلَّم: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالفِضَّةُ بِالفِضَّةِ، وَالبُرُّ بِالبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالمِلْحُ بِالمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ»(٢) ولحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صَلَّى الله عليه وسَلَّم قال: «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا(٣) بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا الوَرِقَ(٤) بِالوَرِقِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ(٥)»(٦).

ويُؤدَّى الدَّين عند تعذُّر المثل بما يقوم مقامه وهو سِعر الصَّرف يومَ الأداء لا يومَ ثُبوت الدَّين، وقد يشهد له ما رُوي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: أتيت النبي صَلَّى الله عليه وسَلَّم فقلت: إنِّي أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير؟ فقال: «لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَ بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ»(٧)، فإنَّه يُؤَّدى ـ أيضًا في أحكام النُّقود الورقية ـ بمثله لا بقيمته، سواء في حالة الرخص أو الغلاء على الصحيح، وهذا ما قرَّره مَجمَع الفقه الإسلامي بقوله: «العِبْرَةُ فِي وَفَاءِ الدُّيُونِ الثَّابِتَةِ بِعُمْلَةٍ مَا هِيَ بِالمِثْلِ وَلَيْسَ بِالقِيمَةِ؛ لِأَنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا، فَلَا يَجُوزُ رَبْطُ الدُّيُونِ الثَّابِتَةِ فِي الذِّمَّةِ أَيًّا كَانَ مَصْدَرُهَا بِمُسْتَوَى الأَسْعَارِ»(٨).

وعليه، فإنَّ المقترض الذي استلم ورقًا نقديًّا وهو ثمن المجوهرات فإنَّ الأصل أن يَفِيَ بدَينه للمقرِض بمثله من الوَرَق النقدي ولو تباعدت المدَّة، وللمقرض المعِين على الخير أجر نصف الصَّدقة لقوله صَلَّى الله عليه وسَلَّم: «إنَّ السَّلَفَ يَجْرِي مَجْرَى شَطْرِ الصَّدَقَةِ»(٩).

أمَّا إذا استلم المقترض مجوهرات ثمَّ باعها بوزنها ذهبًا فإنه يَفِي بدَينه بمثله وزنًا ذهبًا، فإن تعذَّر الدَّين بمثله وَفَّى به بما يقوم مقامه وهو سعر الصَّرف يومَ الأداء لا يومَ ثبوت الدَّين.

هذا، ويجوز للمقترِضِ بل يُستحبُّ له أن يقضيَ الدَّينَ ـ تكرُّما منه ـ بأكثر ممَّا أخذ وبأحسنَ منه تفضُّلًا دون اشتراطٍ سابق، وذلك يُعدُّ من مكارم الأخلاق شرعًا وعُرْفًا، ولا يدخل في القرض الذي جرَّ منفعةً، وإنَّما هو اعتراف بالجميل من المقترض وتبرُّعٌ منه، لقوله صَلَّى الله عليه وسَلَّم : «إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً»(١٠).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٢ المحرم ١٤٤٢هـ
الموافق ﻟ: ١٠سبتمبر ٢٠٢٠م



(١) «الخلاصة في بيان أسباب اختلاف الفقهاء» للشحود (٩).

(٢) أخرجه أحمد (٥/ ٣٢٠)، ومسلمٌ في «المساقاة» (١١/ ١٤) بابُ الرِّبَا، مِن حديث عُبادةَ بنِ الصامت رضي الله عنه.

(٣) لَا تُشِفُّوا: أي: لا تُفاضلوا. [«النهاية» لابن الأثير (٢/ ٤٨٦)].

(٤) الوَرِق: الفضة. [المصدر السابق (٥/ ١٧٥)].

(٥) نَاجِز: حاضر. [المصدر السابق (٥/ ٢١)].

(٦) أخرجه البخاريُّ في «البيوع» (٤/ ٣٧٩ ـ ٣٨٠) بابُ بيعِ الفضَّة بالفضَّة، ومسلمٌ في «المساقاة» (١١/ ٨ ـ ١٠) بابُ الرِّبَا، وأحمد في «مسنده» (٣/ ٤)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٥/ ٢٧٦)، مِن حديث أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه.

(٧) أخرجه أبو داود في «البيوع والإجارات» (٣/ ٦٥٠ ـ ٦٥١) باب في اقتضاء الذهب من الورِق، والترمذي في «البيوع» (٣/ ٥٤٤) باب في الصرف، والنسائي في «البيوع» (٧/ ٢٨١ ـ ٢٨٢) باب بيع الفضة بالذهب، وابن ماجه في «التجارات» (٢/ ٧٦٠) باب اقتضاء الذهب من الورِق، وأحمد (٢/ ٣٣، ٨٣ ـ ٨٤، ١٣٩).

والحديث سكت عنه الحافظ في «الفتح» (٤/ ٣٨٠ ـ ٣٨١)، وضعَّفه الألباني في «الإرواء» (٥/ ١٧٣).

(٨) «مجمع الفقه الإسلامي» في الدورة الخامسة المنعقدة في الكويت في الفترة ١ ـ ٦ / جمادى الأولى ١٤٠٩هـ ـ ١٠ ـ ١٥/ ١٢/ ١٩٨٨م

(٩) أخرجه أحمد في «مسنده» (١/ ٤١٢)، وأبو يعلى في «مسنده» (٩/ ٢٤٧) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، والحديث صحَّحه الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٤/ ٧٠).

(١٠) أخرجه البخاري في «الوكالة» (٢٣٠٥)، ومسلم في «المساقاة» (١٦٠١)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.