في دفع التعارض بين من استمر بها دم الحيض والمستحاضة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 5 رمضان 1442 هـ الموافق لـ 17 أبريل 2021 م

عند مطالعتي لفتاويكم ـ حفظكم الله ـ استوقفني إشكال بين فتويين فيما يتعلَّق بتحديد مُدَّة الحيض ظهر لي أنَّ بينهما تعارضًا، حيث جاء في الفتوى الموسومة ﺑ: «في حكم المستحاضة» برقم: (٥٩٧) ما نصُّه...  للمزيد

الفتوى رقم: ١٢٤٧

الصنف: فتاوى الطهارة ـ الحيض والنفاس

في دفع التعارض بين من استمر بها دم الحيض والمستحاضة

السؤال:

عند مطالعتي لفتاويكم ـ حفظكم الله ـ استوقفني إشكال بين فتويين فيما يتعلَّق بتحديد مُدَّة الحيض ظهر لي أنَّ بينهما تعارضًا، حيث جاء في الفتوى الموسومة ﺑ: «في حكم المستحاضة» برقم: (٥٩٧) ما نصُّه: «فإِنْ لم تكن لها عادةٌ ولا تمييزٌ فإنها تمكث ستَّةَ أيَّامٍ أو سبعةً ـ على غالِبِ عادة النساء ـ وتعتبرها أيَّامَ حَيْضٍ، وما زاد على ذلك فهو استحاضةٌ؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم لِحَمْنَةَ بنتِ جَحْشٍ رضي الله عنها: «إِنَّمَا هَذِهِ رَكْضَةٌ مِنْ رَكَضَاتِ الشَّيْطَانِ، فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أيَّامٍ أوْ سَبْعَةَ أيَّامٍ فِي عِلْمِ اللهِ ثُمَّ اغْتَسِلِي، حَتَّى إِذَا رَأَيْتِ أَنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ وَاسْتَنْقَأْتِ فَصَلِّي ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً أَوْ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا وَصُومِي؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَجْزِيكِ»».

ثمَّ ذكرتم في فتوَى أخرى معنونةٍ ﺑ: «في حكم انقطاع الدم في أيَّام الحيض» برقم: (١١٣٣) ما نصُّه: «أمَّا إذا استمرَّ الدمُ بالمرأة أكثرَ مِنْ عادتها: فإمَّا أَنْ تكون ممَّنْ تستطيع تمييزَ دمِ الحيض مِنْ غيرِه فعليها العملُ بالتمييز، حيضًا كان حالُهَا أم طهرًا، بحسَبِ ما آلَ إليه تمييزُها، مع ترتُّبِ لوازم كُلٍّ منهما، فإِنْ لم تكن قادرةً على تمييزِ دمِ الحيض عن غيره فإنها تَستصحِبُ الحيضَ حتَّى تُثْبِتَ غيرَه؛ لأنَّ «الأَصْلَ فِي كُلِّ مَا يَخْرُجُ مِنَ الرَّحِمِ مِنْ دَمٍ طَبِيعِيٍّ أَنَّهُ حَيْضٌ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ اسْتِحَاضَةٌ»؛ ولأنه ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ لا يُوجَدُ حدٌّ لأكثرِ الحيض».

فأودُّ أن تبيِّنوا لي هل يوجد تعارضٌ بينهما أم لا؟ وما وجهُ الفَرْقِ بين العبارتين في الفتويين المذكورتين، وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فلا تعارُضَ بين الفتويين المذكورتَينِ لاختلافهما في محلِّ الحُكم، إذ تتعلَّق إحداهما بالحيض الذي هو الدَّمُ الأصليُّ الجِبِليُّ الذي ترخيه الرَّحِمُ في أوقاته المعتادة، ويخرج على جهة الصِّحَّة، أمَّا الفتوى الأخرى فتتعلَّق بالاستحاضة التي هي سيلان الدَّمِ في غير أوقاته المعتادة على وجه المرض ـ غالبًا ـ مِنْ وُجود وَرَمٍ أو التهابٍ أو انتفاخِ شِرْيانٍ ونحو ذلك من أمراض الرَّحِم، وقد يسيل الدَّمُ مِن جرَّاءِ تناولِ عقاقيرَ وأدويةٍ، وكذلك الحالاتُ النفسية مِن اضطرابٍ وقلقٍ ونحوِ ذلك، قد تكون سببًا في خروجه.

فدمُ الاستحاضة ـ إذن ـ هو دمٌ ليس بعادةٍ ولا طَبْعٍ ولا خِلقةٍ، وإنَّما هو عِرْقٌ انقطعَ، سائله دمٌ أحمرُ مستمرٌّ لا انقطاعَ له إلَّا عند البُرْءِ منه، تجري فيه أحكامُ الاستحاضةِ المُبَيّنةُ في الفتوى رقم: (٥٩٧).

أمَّا دَمُ الحيض الأصليُّ الجبليُّ الذي يخرج على وجه الصِّحة فليس بعرق منقطع كما هو شأن الاستحاضة قد يزيد على العادة تارةً بيومٍ ـ كما وَرَدَ في السؤال للفتوى رقم ١١٣٣ ـ أو يومين أو أكثرَ، فإن لم تكن المرأة قادرةً على التمييز بين الدَّمِ الأسود الثَّخين المنتن وبين الأحمر، ولم تطهُر ـ أي: لم ينقطع الدَّمُ ـ فإنَّها تستصحب الحيضَ حتى تُثبِت غيرَه؛ لأنَّ الدَّمَ ـ هاهنا ـ لم يخرج على جهة المرض، ولم يستمرَّ سيلانه حتى البرء منه؛ ولأنَّه لا حدَّ لأكثر الحيض على ما بيَّنتُه في الجواب.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٣٠ صفر ١٤٤٢هـ
الموافق ﻟ: ١٧ أكتوبر ٢٠٢٠م