في حكمِ تقبيلِ فَمِ الصَّبِيِّ ومصِّ لسانِه | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 26 ربيع الثاني 1443 هـ الموافق لـ 01 ديسمبر 2021 م

جاء في فتوَى لكم برقم: (٩٧٠) وهي الموسومة ﺑ: «في حكم تقبيل الرأس واليد» عدمُ جوازِ تقبيل الفم، فهل هذا المَنع يَشْمَلُ الأولادَ الصِّغارَ قبل سِنِّ التَّمييزِ، لا سيَّمَا...  للمزيد

الفتوى رقم: ١٢٧١

الصنف: فتاوى متنوعة ـ الآداب

في حكمِ تقبيلِ فَمِ الصَّبِيِّ ومصِّ لسانِه

السؤال:

جاء في فتوَى لكم برقم: (٩٧٠) وهي الموسومة ﺑ: «في حكم تقبيل الرأس واليد» عدمُ جوازِ تقبيل الفم، فهل هذا المَنع يَشْمَلُ الأولادَ الصِّغارَ قبل سِنِّ التَّمييزِ، لا سيَّمَا أنِّي قرأتُ حديثًا للنَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم في «مسند الإمام أحمد» أنَّه مَصَّ شَفَةَ الحَسَن رضي الله عنه أو لسانَه، وهذا نصُّ الحديثِ: عَنْ مُعَاوِيةَ رضي الله عنه قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمُصُّ لِسَانَهُ ـ أَوْ قَالَ: شَفَتَهُ، يَعْنِي الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ ـ وَإِنَّهُ لَنْ يُعَذَّبَ لِسَانٌ أَوْ شَفَتَانِ مَصَّهُمَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»(١)، أَفيدونا باركَ اللهُ فيكم.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فما تَقرَّرَ في الفتوى مِنْ عَدَمِ جوازِ تَقبيلِ الفَمِ في التَّحيةِ والإكرامِ مُطلقًا هو الصَّحيحُ، إذ لا كرامةَ في تقبيلِ الفَمِ فضلًا عن مصِّ اللِّسانِ في التَّحيةِ والإجلالِ، وإنَّما يُفضِي هذا الفعلُ ـ غالبًا ـ إلى إثارةِ اللَّذَّةِ والشَّهوةِ؛ فيُمنَعُ سَدًّا لذريعةِ المُحرَّم، وهذا المعنى مِنْ إثارةِ الشَّهوةِ واللَّذَّةِ غيرُ مَوجودٍ في الحديثِ المَذكورِ في السُّؤالِ؛ لأنَّ تقبيلَ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم للحَسَن بنِ عليٍّ رضي الله عنهما بهذه الصِّفةِ مع احتمالِ أَنْ يكونَ صَبيًّا صَغيرًا أو رَضيعًا إنَّما كانَ مِنْ بابِ الشَّفقَةِ والرَّحمةِ والمُداعبةِ لا مِنْ بابِ الشَّهوةِ واللَّذَّة ولا التَّحيَّةِ والإكرامِ، ـ هذا أوَّلًا ـ؛ وَلَا إشكالَ يَحدُثُ في تَقبيلِ الرَّجلِ ابنَهُ الرَّضيعَ أو الصَّبيَّ بهذه الصِّفةِ أو بغيرِها مِنَ الصِّفاتِ كالضَّمِّ والشَّمِّ والمُعانَقَةِ إذا كان بهذا المَعنى؛ قال ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ: «إنَّ تقبيلَ الولَدِ وغيرِه مِنَ الأهلِ والمَحارِمِ وغيرِهم مِنَ الأجانِبِ إنَّما يكونُ للشَّفقَةِ والرَّحمةِ لَا للَّذَّةِ والشَّهوةِ، وكذا الضَّمُّ والشَّمُّ والمُعانَقَةُ»(٢).

مع العلمِ أنَّ الحديثَ يَحتمِلُ ـ ثانيًا ـ أنَّه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم أرادَ إدخالَ رِيقِهِ المُبارَكِ في جَوْفِ الحَسَنِ رضي اللهُ عنه بمَصِّ لسانِهِ مِنْ بابِ التَّحنيكِ بدون تَمْرٍ، ولَكِنْ بهذه الصِّفةِ، إذ لم يُعلَمْ أنَّه كرَّرها، كما أنَّه لم يُنقَلْ ـ في حدودِ علمي ـ عن الصَّحابة ولا عن راوي الحديثِ إتيانُ هذا المَصِّ مِنْ غيرِ بابه المَشروعِ.

كما يحتمل ـ ثالثًا ـ أنَّ الحَسَن رضي اللهُ عنه هو مَنْ مصَّ لسانَ النَّبيِّ صَلَّى الله عليه وسَلَّم لحاجته المُلِحَّةِ إلى المَاءِ والشُّربِ، ويُقوِّي هذا المَعنَى ما جاء مُبَيَّنًا في قِصَّةِ أبي هريرةَ رضي الله عنه التي رواها الطَّبَرَانيُّ وغيرُه: «أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الحَكَمِ أَتَى أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَالَ مَرْوانُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: «مَا وَجَدْتُ عَلَيْكَ فِي شَيْءٍ مُنْذُ اصْطَحَبْنَا إِلَّا فِي حُبِّكَ الحَسَنَ وَالحُسَيْنَ»، قَالَ: فَتَحَفَّزَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ  فَجَلَسَ، فَقَالَ: «أَشهَدُ: لَخَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ سَمِعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوْتَ الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا وَهُمَا يَبْكِيَانِ وَهُمَا مَعَ أُمِّهِمَا، فَأَسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى أَتَاهُمَا، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ لَهَا: «مَا شَأْنُ ابْنَيَّ؟» فَقَالَتِ: «العَطَشُ»، قَالَ: فَأَخْلَفَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى شَنَّةٍ(٣) يَبْتَغِي فِيهَا مَاءً، وَكَانَ المَاءُ يَوْمَئِذٍ أَغْدَارًا(٤)، وَالنَّاسُ يُرِيدُونَ المَاءَ، فَنَادَى: «هَلْ أَحَدٌ مِنْكُمْ مَعَهُ مَاءٌ؟» فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ إلَّا أَخْلَفَ بِيَدِهِ(٥) إِلَى كُلَّابِهِ يَبْتَغِي المَاءَ فِي شَنَّةٍ، فَلَمْ يَجِدْ أَحَدٌ مِنْهُمْ قَطْرَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَاوِلِينِي أَحَدَهُمَا»، فَنَاوَلَتْهُ إِيَّاهُ مِنْ تَحْتِ الخِدْرِ، فَرَأَيْتُ بَيَاضَ ذِرَاعَيْهَا حِينَ نَاوَلَتْهُ، فَأَخَذَهُ فَضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ وَهُوَ يَطْغُو مَا يَسْكُتُ، فَأَدْلَعَ(٦) لَهُ لِسَانَهُ فَجَعَلَ يَمُصُّهُ حَتَّى هَدَأَ أَوْ سَكَنَ فَلَمْ أَسْمَعْ لَهُ بُكَاءً، وَالآخَرُ يَبْكِي كَمَا هُوَ مَا يَسْكُتُ، فَقَالَ: «نَاوِلِينِي الآخَرَ»، فَنَاوَلَتْهُ إِيَّاهُ، فَفَعَلَ بِهِ كَذَلِكَ، فَسَكَتَا، فَمَا أَسْمَعُ لَهُمَا صَوْتًا، ثُمَّ قَالَ: «سِيرُوا»، فَصَدَعْنَا يَمِينًا وَشِمَالًا عَنِ الظَّعَائِنِ حَتَّى لَقِينَاهُ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ، فَأَنَّى لَا أُحِبُّ هَذَيْنِ وَقَدْ رَأَيْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟!»»(٧).

فالحاصل: أنَّ الحديثَ المَذكورَ في السُّؤال لا يصلحُ الاحتجاجُ بِهِ ردًّا على ما جاء في الفَتوى في مَقامِ التَّحيَّةِ والإكرامِ لافتراقِ معناهما.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٣ رجب ١٤٤٢هـ
المُوافق ﻟ: ٢٥ فيفري ٢٠٢١م



(١) أخرجه أحمد (١٦٨٤٨)، قال الهيثميُّ في «مَجْمَع الزوائد» (٩/ ١٧٧): «ورجالُه رجالُ الصَّحيح غيرَ عبدِ الرَّحمن بنِ أبي عَوْفٍ، وهو ثِقَةٌ»، وقال مُحقِّقو «مُسنَد أحمد» ـ طبعة مؤسَّسة الرِّسالة ـ (٢٨/ ٦٢): «إسنادُه صحيحٌ».

(٢) «فتح الباري» لابن حجر (١٠/ ٤٣٠).

(٣) الشَّنُّ والشَّنَّة: جمعُها شِنانٌ، وهي الأسْقِيَةُ الخَلقةُ والقِرَبُ القديمةُ، وهي أشدُّ تبريدًا للماء مِنَ الجُدُد، [انظر: «النِّهاية» لابن الأثير (٢/ ٥٠٦)، «تفسير غريبِ ما في الصحيحين» للحُمَيْدي (٧٠)].

(٤) «الغدر: كُلُّ مَوضِعٍ صَعْبٍ كَثيرِ الحِجارةِ والشُّقوقِ لَا تكادُ الدَّابَّةُ تَنفُذُ فيهِ، والوَحَلُ الذي يبقَى في النَّهر إذ يَنْضُبُ ماؤُه (ج) أغدارٌ» [انظر: «المعجم الوسيط» (٢/ ٦٤٥)].

(٥) أخْلَف الرَّجلُ: أَهْوى بِيَدِهِ إِلَى خَلْفه ليَأْخُذ مِنْ رَحلِه سَيْفًا أَو غَيرَه، وأَخلَف بِيَدِهِ، وأَخلَف يَدَه كَذَلِك. [انظر: «المُحكَم والمحيط الأعظم» لابن سِيدَه (٥/ ١٩٧)].

(٦) يقال: دَلَعَ وأَدْلَعَ لسانَه لفلان، أي: أخرجه حتَّى تُرى حُمرتُه فيَهَشَّ إليه، [انظر: «النهاية» لابن الأثير (٢/ ١٣٠)].

(٧) أخرجه الطبرانيُّ في «المعجم الكبير» (٢٦٥٦)، والآجُرِّيُّ في «الشَّريعة» (١٦٤٠)، وقال الهيثميُّ في «مَجْمَع الزوائد» (٩/ ١٨١): «رواه الطبرانيُّ ورجالُه ثِقَاتٌ».