في حكم تخريج الفروع على القواعد الفقهيَّة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 22 شوال 1443 هـ الموافق لـ 23 مايو 2022 م

الفتوى رقم: ١٢٩١

الصنف: فتاوى القواعد الفقهيَّة

في حكم تخريج الفروع على القواعد الفقهيَّة

السؤال:

هل يمكن عَدُّ ذِكرِ الفروع الفقهيَّة المُندرِجةِ تحت القواعد الفقهيَّة مِنْ «تخريج الفروع على الأصول» بحيث تكون محلَّ استنباطِ الأحكام، خاصَّةً إذا تعلَّق الأمرُ بالقواعد الخمس المُتَّفَقِ عليها؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإنَّ الفرض الذهنيَّ والواقعيَّ يقتضي أَنْ تكون القاعدةُ الفقهيَّة متأخِّرةً عن الفروع التي تجمع معانِيَها، إذ القواعد الفقهيَّة نِتَاجُ الفروع الفقهيَّة، وتنشَأ مِنَ الأحكام والمسائل الشَّرعيَّة، فليست أصلًا في إثباتِ حكمٍ جزئيٍّ، كما أنَّ موضوعَها ـ دائمًا ـ فعلُ المكلَّف؛ بخلاف القاعدة الأصوليَّة فإنَّها مقدَّمةٌ ـ واقعيًّا ـ على استنباط الفروع سابقةٌ للحكم مُنشِئةٌ له؛ لكونها آلةً ووسيلةً يستخدمها الفقيهُ، وقيدًا موظَّفًا يَلتزِمُه حالَ الاستنباط؛ لأنَّ القاعدة الأصوليَّة إنَّما تَستمِدُّ نَشْأتَها ـ غالبًا ـ مِنَ الألفاظ العربيَّة والنصوص الشَّرعيَّة، فهي أصلٌ في إثباتِ جُزئيَّاتها، وموضوعُها دائمًا التَّوسُّطُ بين الدليل والحكم؛ وبناءً على هذا الاعتبارِ فلا يُتصوَّرُ استنباطُ حكمٍ شرعيٍّ مِنْ قاعدةٍ فقهيَّةٍ تكون بعد الأحكامِ الشرعيَّةِ الفرعيَّةِ نفسِها جامعةً لها بعبارةٍ عامَّةٍ لضبطِها وحفظِها وإِنْ خرجَتْ عنها بعضُ الجزئيَّات والمُستثنَيَات؛ والمعلومُ أنَّ المجتهد ـ حالَ اجتهادِه في الوصول إلى الأحكام الشرعيَّة الفرعيَّة ـ فإنَّه يستعينُ بالقواعد الأصوليَّة ليتوصَّل إلى استنباط الأحكام الشرعيَّة العمليَّة مِنْ أدلَّتها التفصيليَّة، ثمَّ بعد استخراجِ عِدَّةِ أحكامٍ فرعيَّةٍ ينظر في الأشباه والنَّظائر وتُوضَع تحت قواعدَ تجمع المسائلَ الفرعيَّةَ التي لها رباطٌ قياسيٌّ واحدٌ، وهذه القاعدة الفقهيَّة تكون في يد الباحث وفي مُتناوَله، وتُهيِّئُ له مجالًا للاطِّلاع على بعض المباحث الأصوليَّة، وتحفِّزُه على دراستها، وهي ـ أيضًا ـ تُعرِّفُه بمَواضِعِ الاتِّفاق والاختلاف بين علماء الأمَّة، كما يستعين بها للإحاطة بالفروع، بالنظر إلى تعذُّرِ حصرِها لكثرتها وتنوُّعِ أدلَّتِها وعدمِ إمكانِ الإحاطةِ بجمعِها وحفظِها وسرعةِ نسيانها؛ فإذا أراد أَنْ يستحضر بعضَ الجزئيَّات وفروع المسائل فيكفيه استحضارُ تلك القاعدةِ الفقهيَّة بشرط الإلمام بمُستثنَيَاتها ومَواضِعِ الاختلافِ فيها.

فالقاعدة الفقهيَّة ـ إذن ـ مِنْ حيث استنباطُ الأحكام لا يُستنبَط بها، لكِنْ ـ مِنْ حيث كونُها مُجمِّعةً ـ فهي تجمع تحتها فروعًا فقهيَّةً كثيرةً بلا واسطةٍ مِنْ أبوابٍ شتَّى؛ فإِنْ كانت تلك الفروعُ إنَّما تندرج في بابٍ واحدٍ مِنْ أبواب الفقه سُمِّيَتْ: ضابطًا فقهيًّا؛ فالغرضُ منها تقريب المسائل الفقهيَّة وتسهيلُ ضبطِها.

فباختصارٍ: فإنَّ القواعد الفقهيَّة هي عبارةٌ عن أحكامٍ غيرِ مُطَّرِدةٍ، وقلَّما تخلو مِنْ مُستثنَيَاتٍ في فروع الأحكام التطبيقيَّة الخارجة عنها، ولا تندرج في بابِ تخريج الفروع على الأصول، أمَّا بالنسبة للقواعد الخمس فمنها ما يؤيِّدها الأدلَّةُ الشرعيَّة مثل حديثِ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»(١)، و«لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»(٢)، فهذه القواعدُ الفقهيَّةُ ـ مِنْ حيث الحجِّيَّةُ ـ فهي حجَّةٌ لا مِنْ جهةِ نفسها، ولكِنْ باعتبارها أدلَّةً شرعيَّةً، ومِنَ القواعد ما هي معبِّرةٌ عن دليلٍ شرعيٍّ مثل قاعدةِ: «الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ المَحْظُورَاتِ»، فمُستنَدُها نصوصٌ شرعيَّةٌ متعدِّدةٌ منها قولُه تعالى: ﴿فَمَنِ ٱضۡطُرَّ فِي مَخۡمَصَةٍ غَيۡرَ مُتَجَانِفٖ لِّإِثۡمٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣[المائدة]، وغيرُها مِنَ الآيات؛ فالأحكام الشرعيَّة العمليَّة لا تُستخرَجُ بالقواعد الفقهيَّة، لأنَّها وليدةُ الأدلَّةِ الشَّرعيَّة والحُجَج الفقهيَّة، وإنما تُستنبَطُ بالقواعد الأصوليَّة وتُجمَّع فروعُها ومسائلُها وأحكامُها تحت القواعد الفقهيَّة مُوجَزةً مُستوعِبةً للمسائل الجزئيَّة التي يحتاج إليها الباحثُ.

فالحاصل: أنَّ التخريجَ الفقهيَّ المعنيَّ قاصرٌ على الجانبِ الأصوليِّ فقط، بقطع النَّظر عن تخريج الأصول على الأصول أو تخريج الفروع على الفروع(٣).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٣ شوَّال ١٤٤٣هـ
المُوافق ﻟ: ١٤ ماي ٢٠٢٢م



(١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «بدء الوحي» باب: كيف كان بدءُ الوحي إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم؟ (١)، ومسلمٌ في «الإمارة» (١٩٠٧)، مِنْ حديثِ عمر بنِ الخطَّاب رضي الله عنه.

(٢) أخرجه ابنُ ماجه في «الأحكام» بابُ مَنْ بنى في حقِّه ما يضرُّ بجاره (٢٣٤١)، وأحمد في «مسنده» (٢٨٦٥)، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. وورَدَ عن غيره مِنَ الصحابة رضي الله عنهم؛ قال النوويُّ في الحديث رقم: (٣٢) مِنَ «الأربعين النووية»: «وله طُرُقٌ يَقْوى بعضُها ببَعْضٍ»، وقال ابنُ رجبٍ في «جامع العلوم والحِكَم» (٣٧٨): «وهو كما قال»، وصحَّحه الألبانيُّ في «الإرواء» (٣/ ٤٠٨) رقم: (٨٩٦).

(٣) وانظر الفتوى رقم: (٣٣٩) الموسومة ﺑ: «العلاقة بين القاعدة الفقهيَّة والقاعدة الأصوليَّة» على الموقع الرسميِّ.