الجواب عن الاعتراض على اعتبارِ خبر الآحاد المُتَّصِل السند ظنِّيًّا | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 14 جمادى الأولى 1444 هـ الموافق لـ 08 ديسمبر 2022 م

ذكرتم في «الفتح المأمول» ـ ط.٦ ـ (٢٢٨) قولكم: «والسُّنَّةُ مِنْ حيث السَّندُ ليسَتْ على درجةٍ واحدةٍ؛ فهي تنقسم مِنْ هذه الحيثيَّةِ إلى:مُتواتِرٍ: وهو: «ما رواهُ جَمعٌ تُحيلُ العادةُ تواطُؤَهم على الكذب عن مِثْلِهم ...  للمزيد

الفتوى رقم: ١٣١٣

الصنف: فتاوى الأصول والقواعد ـ أصول الفقه

الجواب عن الاعتراض على
اعتبارِ خبر الآحاد المُتَّصِل السند ظنِّيًّا

نصُّ الشبهة:

قول المؤلِّف في «الفتح المأمول» ـ ط.٦ ـ (٢٢٨): «والسُّنَّةُ مِنْ حيث السَّندُ ليسَتْ على درجةٍ واحدةٍ؛ فهي تنقسم مِنْ هذه الحيثيَّةِ إلى:

مُتواتِرٍ: وهو: «ما رواهُ جَمعٌ تُحيلُ العادةُ تواطُؤَهم على الكذب عن مِثْلِهم، مِنْ أوَّلِ السند إلى مُنْتَهاهُ، على أَنْ لا يَخْتَلَّ هذا الجمعُ في أيِّ طبقةٍ مِنْ طبقات السند».

وإلى آحادٍ: وهو ما عَدَا المُتواتِرَ، ويَشْمَلُ كُلَّ خبرٍ لم تتوفَّرْ فيه شروطُ المُتواتِر.

ويُضيفُ الأحنافُ قسمًا ثالثًا بينهما وهو: «المشهورُ»، والصحيحُ أنه يدخل ضِمْنَ الآحاد؛ إذ لا يُفيدُ إلَّا الظنَّ.

والعُلَماءُ ـ أيضًا ـ يختلفون في المستفيض ومرتبتِه، والظاهرُ منها أنَّ المستفيض والمشهورَ بمعنًى واحدٍ ولا يخرجان عن الآحاد».

إطلاق القولِ بأنَّ خبر الآحاد يفيد الظنَّ إطلاقٌ خاطئٌ؛ لأنَّ خبر الواحد إذا كان مُتَّصِلَ السند بنقل العدل الضابط عن مِثله إلى منتهاه مِنْ غيرِ شذوذٍ ولا عِلَّةٍ فهذا مِنْ جملة القرائن المفيدة للعلم، قال ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ: «والصحيحُ ما عليه الأكثرون: أنَّ العِلمَ يحصل بكثرة المُخبِرين تارةً، وقد يحصل بصِفاتهم لدِينِهم وضبطِهم، وقد يحصل بقرائنَ تحتفُّ بالخبر»(١).

وفي «الإنارة» ـ ط.١ ـ (٢٠٨) قول المؤلِّف: «وفي هذه المسألةِ قولٌ آخَرُ يرى أصحابُه: أنَّ خبر الواحد يفيد العِلمَ إذا احتفَّتْ به قرائنُ تُؤيِّدُه: كأَنْ تتلقَّاهُ الأُمَّةُ بالقَبول، أو لا يُنكِرَه أحَدٌ ممَّنْ يُعتدُّ بقوله، أو يُنقَلَ الخبرُ مِنْ طُرُقٍ متساويةٍ لا تختلف، أو يَروِيَ خبرَ الواحد راوٍ متَّصِفٌ بالعدالة والثِّقة والإتقان».

وهذا يعني أنَّ خبرَ الواحدِ يُفيدُ الظنَّ مُطلَقًا ولو احتفَّتْ به القرائنُ كما قرَّره المؤلِّف في «فتح المأمول» وهو قولُ المعتزلة.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فيجدر التنبيهُ في هذا المقام ـ قبل الشُّروعِ في الجواب عن الاعتراض المطروحِ ـ على أنَّ الحديثَ متَّصِلَ السندِ الَّذي عبَّر عنه المعترضُ في تعريفِ الخبرِ الصحيح على اصطلاح المحدِّثين بقوله: «مُتَّصِلَ السَّنَدِ بنقل العدل الضابط عن مِثله إلى منتهاه مِنْ غيرِ شذوذٍ ولا عِلَّةٍ»: بأنَّه عامٌّ شاملٌ للخبر الصَّحيح المُحتفِّ بالقرائنِ والمجرَّدِ عنها، مع وجود اختلاف المحدِّثين في الحكم على بعضها صحَّةً أو حُسنًا، ولا يخفى أنَّ المُحتَفَّ بالقرائن أخصُّ مِنْ دعوى العموم، إذ الخبرُ الصحيح المعرَّفُ به ليس هو ما حَكَمَ الجمهورُ ـ ومنهم: ابنُ تيميَّة وابنُ القيِّم وغيرُهم ـ أنه يفيد العِلمَ بمجرَّدِه، وهذا ظاهرٌ في سياقِ كلامِ ابنِ تيميَّة الذي نَقَل منه المعترضُ؛ وفي كلامِه الآخَرِ الآتي في هذه الفتوى، وكذا في كلامِ ابنِ القيِّم في هذا الموضوع(٢).

وأمَّا الكلامُ الذي نَقَله المعترضُ عن ابنِ تيميَّةُ فتمامُه يردُّ اعتراضَه مِنْ أساسِه ويجلو ما الْتَبَس عليه لو استوفاه، فليس مُرادُه بحصولِ العلم بصِفَاتِهم لِدِينِهم وضبطِهم معنَى صحَّةِ الحديث، وإلَّا لكان كُلُّ حديثٍ صحيحٍ في غيرِ الصحيحين مِثلَهما ولو تَجرَّد عن القرائن، بل ولو اختلف جهابذةُ المحدِّثين في تصحيحه وتضعيفه، فكيف يُفيدُ العِلمَ والقطعَ إذا كان الراجحُ صِحَّتَه مع اختلاف العلماء في تصحيحه؟! قال ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ: «وأمَّا عِدَّةُ الأحاديثِ المتواترةِ التي في الصحيحين فلفظُ المتواتر: يُرادُ به مَعانٍ؛ إذ المقصودُ مِنَ المتواتر ما يُفيدُ العِلمَ، لكنَّ مِنَ الناس مَنْ لا يسمِّي متواترًا إلَّا ما رواه عددٌ كثيرٌ يكون العِلمُ حاصلًا بكثرةِ عدَدِهم فقط ويقولون: إنَّ كُلَّ عددٍ أفاد العِلمَ في قضيَّةٍ أفاد مِثلُ ذلك العددِ العِلمَ في كُلِّ قضيَّةٍ، وهذا قولٌ ضعيفٌ؛ والصحيحُ ما عليه الأكثرون: أنَّ العلم يحصل بكثرة المُخبِرين تارةً، وقد يحصل بصِفَاتِهم لِدِينِهم وضبطِهم، وقد يحصل بقرائنَ تحتفُّ بالخبر يحصل العِلمُ بمجموعِ ذلك، وقد يحصل العِلمُ بطائفةٍ دون طائفةٍ؛ وأيضًا فالخبرُ الذي تَلَقَّاه الأئمَّةُ بالقبول تصديقًا له أو عملًا بمُوجَبِه يفيد العِلمَ عند جماهيرِ الخلف والسلف، وهذا في معنى المتواتر؛ لكنَّ مِنَ الناس مَنْ يُسمِّيه المشهورَ والمستفيضَ، ويقسمون الخبرَ إلى متواترٍ ومشهورٍ وخبرِ واحدٍ؛ وإذا كان كذلك فأكثرُ متونِ الصحيحين معلومةٌ مُتقَنةٌ تَلَقَّاها أهلُ العلم بالحديث بالقبول والتصديق، وأجمعوا على صِحَّتِها؛ وإجماعُهم معصومٌ مِنَ الخطإ كما أنَّ إجماع الفقهاء على الأحكام معصومٌ مِنَ الخطإ؛ ولو أَجمعَ الفُقَهاءُ على حكمٍ كان إجماعُهم حجَّةً وإِنْ كان مُستنَدُ أحَدِهم خبرَ واحدٍ أو قياسًا أو عمومًا؛ فكذلك أهلُ العلم بالحديث إذا أَجمَعوا على صِحَّةِ خبرٍ أفاد العِلمَ وإِنْ كان الواحدُ منهم يجوز عليه الخطأُ؛ لكنَّ إجماعَهم معصومٌ عن الخطإ؛ ثمَّ هذه الأحاديثُ التي أجمعوا على صِحَّتِها قد تتواتر وتستفيضُ عند بعضِهم دون بعضٍ، وقد يحصل العِلمُ بصدقها لبعضِهم لِعِلمه بصفاتِ المُخبِرين وما اقترن بالخبر مِنَ القرائن التي تُفيدُ العِلمَ، كمَنْ سَمِع خبرًا مِنَ الصِّدِّيق أو الفاروق يرويه بين المهاجرين والأنصار، وقد كانوا شَهِدوا منه ما شَهِد، وهم مُصدِّقون له في ذلك، وهم مُقِرُّون له على ذلك؛ وقولُه: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»(٣) هو ممَّا تَلَقَّاه أهلُ العلم بالقبول والتصديق وليس هو ـ في أصله ـ متواترًا، بل هو مِنْ غرائب الصحيح، لكِنْ لمَّا تَلَقَّوْهُ بالقبول والتصديق صار مقطوعًا بصِحَّته؛ وفي السُّنَنِ أحاديثُ تَلَقَّوْها بالقبول والتصديق كقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»(٤)، فإنَّ هذا ممَّا تَلَقَّتْهُ الأُمَّةُ بالقَبول والعملِ بمُوجَبه، وهو في السُّنَن، ليس في الصحيح؛ وأمَّا عددُ ما يحصل به التواترُ فمِنَ الناس مَنْ جعَلَ له عدَدًا محصورًا ثمَّ يفرق(٥) هؤلاء فقِيلَ: أكثرُ مِنْ أربعةٍ وقِيلَ: اثنا عَشَرَ وقِيلَ: أربعون وقِيلَ: سبعون وقِيلَ: ثلاثُمائة وثلاثةَ عَشَرَ وقِيلَ غيرُ ذلك؛ وكُلُّ هذه الأقوالِ باطلةٌ لِتَكافُئِها في الدعوى؛ والصحيحُ الذي عليه الجمهورُ: أنَّ التواتر ليس له عددٌ محصورٌ، والعلمُ الحاصل بخبرٍ مِنَ الأخبار يحصل في القلب ضرورةً كما يحصل الشِّبَعُ عَقِيبَ الأكل والرِّيُّ عند الشُّرب، وليس لِمَا يُشبِعُ كُلَّ واحدٍ ويُرْوِيه قَدْرٌ مُعَيَّنٌ؛ بل قد يكون الشِّبَعُ لكثرة الطَّعام، وقد يكون لجودته كاللحم، وقد يكون لاستغناءِ الآكل بقليله، وقد يكون لاشتغالِ نفسِه بفرحٍ أو غضبٍ أو حزنٍ ونحوِ ذلك؛ كذلك العلمُ الحاصل عَقِيبَ الخبر تارةً يكون لكثرة المُخبِرين، وإذا كَثُروا فقَدْ يُفيدُ خبرُهم العِلمَ وإِنْ كانوا كُفَّارًا، وتارةً يكون لِدِينهم وضبطِهم، فرُبَّ رَجُلَيْنِ أو ثلاثةٍ يحصل مِنَ العلم بخَبَرِهم ما لا يحصل بعشرةٍ وعشرين لا يُوثَقُ بدِينِهم وضبطِهم، وتارةً قد يحصل العلمُ بكونِ كُلٍّ مِنَ المُخبِرين أَخبرَ بمِثلِ ما أَخبرَ به الآخَرُ مع العلمِ بأنهما لم يَتواطَآ وأنه يَمتنِع ـ في العادة ـ الاتِّفاقُ في مثلِ ذلك مثل مَنْ يروي حديثًا طويلًا فيه فصولٌ ويَرويهِ آخَرُ لم يَلْقَه، وتارةً يحصل العلمُ بالخبر لمَنْ عنده الفطنةُ والذكاءُ والعلمُ بأحوال المُخبِرين وبما أَخبَرُوا به ما ليس لمَنْ له مِثلُ ذلك، وتارةً يحصل العلمُ بالخبر لكونه رُوِيَ بحضرةِ جماعةٍ كثيرةٍ شاركوا المُخبِرَ في العلم ولم يُكذِّبه أحَدٌ منهم، فإنَّ الجماعةَ الكثيرة قد يمتنع تواطُؤُهم على الكتمان كما يمتنع تواطُؤُهم على الكذب؛ وإذا عُرِف أنَّ العلم بأخبار المُخبِرين له أسبابٌ غيرُ مجرَّدِ العددِ عُلِم أنَّ مَنْ قيَّد العِلمَ بعددٍ مُعيَّنٍ وسوَّى بين جميع الأخبار في ذلك فقَدْ غَلِط غلطًا عظيمًا؛ ولهذا كان التواترُ ينقسم إلى عامٍّ وخاصٍّ؛ فأهلُ العلم بالحديث والفقه قد تَواترَ عندهم مِنَ السُّنَّة ما لم يتواتر عند العامَّة كسجود السهو ووجوبِ الشُّفعة وحملِ العاقلةِ العقلَ ورجمِ الزاني المُحصَنِ وأحاديثِ الرؤيةِ وعذابِ القبر والحوضِ والشفاعةِ وأمثالِ ذلك؛ وإذا كان الخبرُ قد تَواترَ عند قومٍ دون قومٍ وقد يحصل العلمُ بصِدقه لقومٍ دون قومٍ: فمَنْ حصَلَ له العلمُ به وجَبَ عليه التصديقُ به والعملُ بمُقتضاه كما يجب ذلك في نظائره، ومَنْ لم يحصل له العلمُ بذلك فعليه أَنْ يُسلِّم ذلك لأهل الإجماع الذين أجمعوا على صِحَّتِه كما على الناس أَنْ يسلِّموا الأحكامَ المُجمَعَ عليها إلى مَنْ أَجمعَ عليها مِنْ أهل العلم؛ فإنَّ الله عصَمَ هذه الأمَّةَ أَنْ تجتمع على ضلالةٍ، وإنما يكون إجماعُها بأَنْ يُسلِّمَ غيرُ العالم للعالم؛ إذ غيرُ العالم لا يكون له قولٌ، وإنما القولُ للعالم، فكما أنَّ مَنْ لا يعرف أدلَّةَ الأحكامِ لا يُعتَدُّ بقوله فمَنْ لا يعرف طُرُقَ العلمِ بصِحَّةِ الحديث لا يُعتَدُّ بقوله، بل على كُلِّ مَنْ ليس بعالمٍ أَنْ يتَّبِع إجماعَ أهلِ العلم»(٦).

وهذا الاعتراض متكرِّرٌ وسَبَق أَنْ أجبتُ عنه بما يؤدِّي الغرضَ في «الجواب عن الاعتراض على خبر الآحاد» برقم: (١٣١٠)، وكما سيأتي في فتوَى لاحقةٍ برقم: (١٣١٤) موسومةٍ ﺑ: «الجواب عن الاعتراضِ على وصفِ حديث الآحاد المحتف بالقرائن ـ من جهة التطبيق ـ بأنه ظنِّيٌّ».

فقول المعترض عنِّي: إنِّي «أطلقتُ القولَ بأنَّ خبرَ الآحادِ يفيدُ الظَّنَّ، والإشكالُ أنَّ خبرَ الواحدِ إذا كان متَّصِلَ السَّندِ بنقلِ العدلِ الضَّابطِ عن مِثلهِ إلى منتهاه مِنْ غيرِ شذوذٍ ولا عِلَّةٍ، وهذا مِنْ جملة القرائن المفيدة للعلم».

فجوابه:

أوَّلًا: ما قدَّمْتُ مِنْ أنَّ هذا الذي ذكَرَه هو تعريفُ الحديثِ الصحيح، وليس هو ضابطَ ما يُفيدُ العِلمَ، فليس كُلُّ خبرٍ صحيحٍ مِنَ الآحاد يُقالُ فيه: إنه يُفيدُ العِلمَ، لا سيَّما إذا كان ممَّا تختلف أنظارُ المحدِّثين في صِحَّتِه (أو حُسنه) وقبوله، ولذلك نستثني مِنَ الصحيحين ما نازعهما فيه غيرُهما، لا سيَّما إِنْ ظهَرَ للناظر أنَّ الحقَّ مع المُنازِع، ونستثني ما اختلف فيه العلماءُ فضعَّفه بعضُهم.

ثانيًا: ما قد سبَقَ ذِكرُه ـ أيضًا ـ مِنْ أنِّي أطلقتُ القولَ بأنَّ خبرَ الآحادِ يفيدُ الظَّنَّ ليس صحيحًا، وإنما هذا حكمُ حديثِ الآحاد الصحيحِ أو الحَسَنِ المجرَّدِ عن القرائن، لأنَّ خبرَ الآحادِ إذا احتفَّ بقرائنَ يُفيد القطعَ ـ كاجتماع الأمَّة على قبوله وهي لا تجتمع على ضلالةٍ ـ مسألةٌ خارجةٌ عن محلِّ النِّزاعِ؛ لأنَّ النِّزاعَ فيها مع أهلِ الأهواء وهو غيرُ مُعتبَرٍ، ولأنَّ النِّزاعَ ـ في الأصل ـ إنَّما هو في خبرِ الآحادِ المجرَّد عن القرائن، لأنَّه لو كان يفيد العِلمَ بمجرَّده لَحصَلَ ذلك بخبر الأنبياء بمجرَّدِ دعواهم النبوَّةَ والإرسالَ مِنْ دونِ إقامةِ الآيات الدالَّةِ على صِدقهم في دعوى النبوَّة ليتميَّزَ الأنبياءُ عن المتنبِّئين، ولِتَتميَّز مُعجِزاتُ الأنبياءِ عن كراماتِ الأولياء ومخاريقِ السَّحَرة والدجَّالين والمُتنبِّئين الكذَّابين: ككونه ـ قبل دعواه النبوَّةَ ـ معروفًا بالصِّدق والأمانة، وبُعدِه عن الإفك في القول والإثمِ في الفعل، وعدمِ الكذب على الناس فكيف يكذب على الله ويدَّعِي النبوَّةَ مَنْ هذا وصفُه دون أَنْ يكون كذلك؟! ولأنَّه لو كان خبرُ الواحدِ مفيدًا للعلم بمجرَّده لَوَجَب على القاضي أَنْ يُصدِّق المُدَّعِيَ العدلَ مِنْ غيرِ بيِّنةٍ ويحكمَ له بمجرَّدِ دعواه؛ لأنَّ العِلمَ يحصل بمجرَّد قوله؛ ويُؤيِّده أنَّ شُرَيْحًا قد حكَمَ بالدِّرع لليهوديِّ لأنها كانت في يده ولم يحكم بها لعليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه في دعواه أنها له لأنه ردَّ شهادةَ الحسنِ رضي الله عنه له لأنه ابنُه، فلم تَبْقَ له بيِّنةٌ إلَّا شاهدٌ واحدٌ هو مولاه قَنْبَرٌ، فقَصَّرَتْ بيِّنتُه عن نِصابِها وهو اثنان وليس واحدًا كنِصاب الخبر، مع أنَّ عليًّا والحسنَ رضي الله عنهما غيرُ مُتَّهَمَيْن بكذبٍ ولا غيرِه، وكذلك مولاه قَنْبَرٌ(٧)؛ وإذا ثبَتَ أنَّه لا يُصدِّقه أو لا يحكم له إلَّا ببيِّنةٍ دلَّ ذلك على أنَّ خبر الواحد بمجرَّده لا يكفي في إفادة العلم أو القَطْع؛ وقال عليٌّ رضي الله عنه: «إِنِّي كُنْتُ رَجُلًا إِذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا نَفَعَنِي اللَّهُ مِنْهُ بِمَا شَاءَ أَنْ يَنْفَعَنِي بِهِ، وَإِذَا حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ اسْتَحْلَفْتُهُ، فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدَّقْتُهُ، وَإِنَّهُ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ، وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ..»(٨)، مع أنَّ أصحابَ رسولِ الله ليسوا بمُتَّهَمين عنده على رسول الله، وكان بعضُ الصحابةِ ربَّما توقَّفوا ـ على ندرةٍ ـ في قبولِ بعض الأحاديث المتعلِّقة بالأحكام، أو يُطالبون الراويَ بمَنْ يشهد له مع كونِه غيرَ متَّهَمٍ كمطالبةِ عمرَ لأبي موسى بمَنْ يشهد له في الاستئذان، وتوقُّفِه في حديثِ عمَّارٍ في التيمُّم، وعدمِ أخذِه بحديثِ فاطمةَ بنتِ قيسٍ في نفي النفقة والسُّكنى للمطلَّقة ثلاثًا، خشيةَ أَنْ تكون نَسِيَتْ شيئًا مِنَ الحديث لمعارضةِ حديثِها لظاهرِ بعض الآيات في ظنِّه، وما كان لِعُمَرَ أَنْ يتوقَّف في حديثِ عمَّارٍ أو يردَّ حديثَ فاطمةَ بنتِ قيسٍ لو حصَلَ له القطعُ بحديثَيْهما وأنه لا غلَطَ في روايتهما يقينًا؛ ومِنَ الأدلَّة العقليَّة ما ذكَرَه المصنِّف الباجيُّ ـ رحمه الله ـ: مِنْ أنَّ المُخبِر ـ وإِنْ كان ثقةً ـ فإنه يجوز عليه الغلطُ والسهو كالشاهد، وبيَّن أنَّ خبر الواحد يُفيدُ العِلمَ ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ إذا احتفَّتْ به قرائنُ تُؤيِّده كأَنْ تتلقَّاه الأُمَّةُ بالقَبول، أو لا يُنكِرَه أحَدٌ ممَّنْ يُعتَدُّ بقوله، أو يُنقَلَ الخبرُ مِنْ طُرُقٍ متساويةٍ لا تختلف، أو يَروِيَ خبرَ الواحد راوٍ متَّصِفٌ بالعدالة والثِّقة والإتقان، فإِنْ توفَّرَتْ إحدى هذه القرائنِ في خبر الواحد أفاد العِلمَ بإجماعٍ؛ قال ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ: «وخبرُ الواحِدِ المُتَلَقَّى بالقَبولِ يُوجِبُ العِلْمَ عند جُمْهُورِ العُلَماءِ مِنْ أصحابِ أبي حنيفةَ ومالكٍ والشَّافعيِّ وأحمدَ، وهو قولُ أكثرِ أصحابِ الأشعرِيِّ كالإسفرايينيِّ وابنِ فُورَك؛ فإنَّه ـ وإِنْ كانَ فِي نَفْسِهِ لا يُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ ـ لَكِنْ لمَّا اقترن به إجماعُ أهلِ العِلْمِ بالحديثِ على تَلَقِّيهِ بالتَّصديقِ كان بمنزلةِ إجماعِ أهلِ العِلْمِ بالفقه على حُكْمٍ مُستَنِدين في ذلك إلى ظاهرٍ أو قياسٍ أو خبرِ واحدٍ؛ فإنَّ ذلك الحُكْمَ يَصيرُ قَطْعِيًّا عند الجمهورِ وإِنْ كان بِدونِ الإجماعِ ليس بِقَطْعِيٍّ؛ لأنَّ الإجماعَ معصومٌ؛ فأهلُ العِلْمِ بالأحكامِ الشَّرعيَّةِ لا يُجمِعونَ على تحليلِ حرامٍ ولا تحريمِ حَلالٍ، كذلك أهلُ العِلْمِ بالحديث لا يُجمِعون على التَّصديقِ بكَذِبٍ ولا التَّكذيبِ بِصِدْقٍ؛ وتارَةً يكونُ عِلْمُ أحَدِهِمْ لِقَرائِنَ تَحْتَفُّ بالأخبارِ تُوجِبُ لَهُمُ العِلْمَ، ومَنْ عَلِمَ ما عَلِمُوهُ حَصَلَ له مِنَ العِلْمِ ما حَصَلَ لهم»(٩)؛ وهذا التفصيلُ ذهَبَ إليه الشافعيُّ والخطيب البغداديُّ وابنُ قدامة وابنُ تيميَّة وابنُ القيِّمِ والشنقيطيُّ وغيرهم رحمهم الله(١٠).

علمًا أني بيَّنتُ فيما تقدَّم أنَّ الخلاف بين العلماء في هذه المسألةِ لفظيٌّ لاتِّفاقهم على وجوب العمل بخبر الواحد مِنْ حيث التطبيقُ الفرعيُّ سواءٌ أفاد العِلمَ أو الظنَّ، ولأنَّ العقائد تَثبُتُ ـ أيضًا ـ بغلبة الظنِّ، بل إنَّ صنيعَ السلفِ كان تَلَقِّيَ أحاديثِ الصفات دون توقُّفٍ، بخلافِ ما قد يفعله بعضُهم في أحاديث الأحكام ـ على ندرةٍ ـ مِنَ المطالبة بمَنْ يَشهَدُ له ويُصدِّقُه ولو كان الراوي غيرَ مُتَّهَمٍ عند وجودِ ما يقتضيه؛ أمَّا مِنْ حيث الترجيحُ بالسند فقَدْ يكون الخلافُ معنويًّا؛ لأنَّ الخبر المُفيدَ للعلم يُرجَّح على الخبر المُفيد للظنِّ؛ وإِنْ كان القطعُ بثبوته يتفاوتُ كما تتفاوتُ غلبةُ الظنِّ ـ أيضًا ـ كما أسلفتُ تمثيلَه سابقًا؛ ﴿وَفَوۡقَ كُلِّ ذِي عِلۡمٍ عَلِيمٞ ٧٦[يوسف].

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٠ صفر ١٤٤٤هـ
المُوافق ﻟ: ٠٦ سبتمبر ٢٠٢٢م

 



(١) «مجموع الفتاوى» لابن تيميَّة (١٨/ ٤٨).

(٢) وهو مِنَ «الصواعق المُرسَلة» لابن القيِّم (٥٥١) ـ باختصار الموصلي ـ وفي أوَّلِه قولُه: «خبرُ الواحد بحسَبِ الدليل الدالِّ عليه: فتارةً يُجزَم بكَذِبه لقيامِ دليلِ كَذِبِه، وتارةً يُظَنُّ كَذِبُه إذا كان دليلُ كَذِبه ظنِّيًّا، وتارةً يُتوقَّفُ فيه فلا يترجَّح صِدقُه ولا كَذِبُه إذا لم يَقُمْ دليلُ أحَدِهما، وتارةً يترجَّحُ صِدقُه ولا يُجزَم به، وتارةً يُجزَم بصدقه جزمًا لا يبقى معه شكٌّ؛ فليس خبرُ واحدٍ يُفيدُ العِلمَ ولا الظنَّ، ولا يجوز أَنْ يُنفى عن خبر الواحد مُطلَقًا أنه يحصِّل العِلمَ، فلا وجهَ لإقامة الدليل على أنَّ خبر الواحد لا يفيد العِلمَ وإلَّا اجتمع النقيضان، بل نقول: خبر الواحد يفيد العلمَ في مواضع: أحَدُها: خبرُ مَنْ قام الدليلُ القطعيُّ على صدقه، وهو خبرُ الواحد القهَّار جلَّ وعلا وخبرُ رسولِه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم في كُلِّ ما يُخبِرُ به؛ الثاني: خبرُ الواحد بحضرة الرسول صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم وهو يُصدِّقه كخبر المُخبِر الذي أَخبرَ بحضرةِ رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم «أنَّ اللهَ يَضَعُ السماواتِ على إصبعٍ، والأرَضِين على إصبعٍ، والشجرَ على إصبعٍ» فضَحِك رسولُ الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم تعجُّبًا وتصديقًا له، وكخبرِ مَنْ أَخبرَه أنه رأى السدَّ مِثلَ البُرد المحبَّر فقال: «قَدْ رأيتَه»، ومِنْ هذا ترتيبُه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم على خبر المُخبِر له مقتضاه كغزوِ مَنْ أَخبرَه بنقضِ قومٍ العهدَ وخبرِ مَنْ أَخبرَه عن رجلٍ أنه شَتَمَه ونال مِنْ عِرضه فأمَرَ بقتله، فهذا تصديقٌ للمُخبِر بالفعل، وقد كان صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم يقطع بصدقِ أصحابه كما قطَعَ بصدقِ تميمٍ الداريِّ لمَّا أَخبرَه بقصَّة الدَّجَّال، وروى ذلك عنه على المنبر، ولم يقل: أَخبرَني جبريلُ عن الله، بل قال: «حدَّثني تميمٌ الداريُّ»، ومَنْ له أدنَى معرفةٍ بالسُّنَّة يرى هذا كثيرًا فيما يُجزَم بصدق أصحابه، ويُرتَّب على أخبارهم مقتضاها مِنَ المحاربة والمسالمة والقتل والقتال؛ ونحن نشهد بالله ولله شهادةً على البتِّ والقطع، لا نمتري فيها ولا نشكُّ على صدقهم ونجزم به جزمًا ضروريًّا لا يمكننا دفعُه عن نفوسنا، ومِنْ هذا أنه كان يجزم بصدقهم فيما يخبرونه به مِنْ رُؤيَا المنام، ويجزم لهم بتأويلها ويقول: «إنها رُؤيَا حقٍّ»، وأثنى الله تعالى عليه بذلك في قوله: ﴿وَمِنۡهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلنَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٞۚ قُلۡ أُذُنُ خَيۡرٖ لَّكُمۡ يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤۡمِنُ لِلۡمُؤۡمِنِينَ[التوبة: ٦١]، وأثنى عليه ومدَحَه بتصديقه لمَنْ أَخبرَه مِنَ المؤمنين؛ ومِنْ هذا: إخبارُ الصحابةِ بعضِهم بعضًا، فإنهم كانوا يجزمون بما يحدِّث به أحَدُهم عن رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، ولم يقل أحَدٌ منهم لمَنْ حدَّثه عن رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: خبرُك خبرُ واحدٍ لا يفيد العِلمَ حتَّى يتوافر، وتوقُّفُ مَنْ توقَّف منهم حتَّى عضَّده آخَرُ منهم لا يدلُّ على ردِّ خبر الواحد عن كونه خبرَ واحدٍ، وإنما كان يستثبت أحيانًا نادرةً جِدًّا إذا استخبر؛ ولم يكن أحَدٌ مِنَ الصحابة ولا أهلِ الإسلام بعدهم يشكُّون فيما يخبر به أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ عن رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم ولا عمرُ ولا عثمانُ ولا عليٌّ ولا عبدُ الله بنُ مسعودٍ وأُبيُّ بنُ كعبٍ وأبو ذرٍّ ومُعاذ بنُ جبلٍ وعُبادةُ بنُ الصامت وعبد الله بنُ عمر وأمثالُهُم مِنَ الصحابة، بل كانوا لا يشكُّون في خبرِ أبي هريرة مع تفرُّده بكثيرٍ مِنَ الحديث، ولم يقل له أحَدٌ منهم يومًا واحدًا مِنَ الدهر: خبرُك خبرُ واحدٍ لا يفيد العلمَ، وكان حديثُ رسولِه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم أجلَّ في صدورهم مِنْ أَنْ يُقابَل بذلك، وكان المُخبِرُ لهم أجلَّ في أعيُنِهم وأصدقَ عندهم مِنْ أَنْ يقول له مِثلَ ذلك؛ وكان أحَدُهم إذا روى لغيره حديثًا عن رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم في الصِّفات تَلقَّاه بالقبول واعتقد تلك الصِّفةَ به على القطع واليقين، كما اعتقد رؤيةَ الربِّ وتكليمَه ونداءَه يومَ القيامة لعباده بالصوت الذي يسمعه البعيدُ كما يسمعه القريبُ، ونزولَه إلى سماء الدنيا كُلَّ ليلةٍ، وضَحِكَه وفرحَه وإمساكَ سماواتِه على إصبعٍ مِنْ أصابعِ يدِه، وإثباتَ القَدمِ له؛ مَنْ سَمِع هذه الأحاديثَ ممَّنْ حُدِّث بها عن رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم أو عن صاحبٍ اعتقد ثبوتَ مُقتضاها بمجرَّدِ سماعها مِنَ العدل الصادق ولم يترتَّبْ فيها حقٌّ، حتَّى أنهم ربَّما تثبَّتوا في بعضِ أحاديث الأحكام حتَّى يستظهروا بآخَرَ كما استظهر عمرُ رضي الله عنه بروايةِ أبي سعيدٍ الخُدريِّ على خبر أبي موسى، كما استظهر أبو بكرٍ رضي الله عنه بروايةِ محمَّد بنِ مَسلَمةَ على رواية المُغيرةِ بنِ شُعبةَ في توريث الجدَّة، ولم يطلب أحَدٌ منهم الاستظهارَ في روايةِ أحاديث الصفات ـ ألبتَّةَ ـ بل كانوا أَعظمَ مبادرةً إلى قبولها وتصديقِها والجزم بمُقتضاها، وإثباتِ الصفات بها مِنَ المُخبِر لهم بها عن رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم؛ ومَنْ له أدنَى إلمامٍ بالسُّنَّةِ والْتِفاتٍ إليها يعلم ذلك، ولولا وضوحُ الأمرِ في ذلك لَذكَرْنا أكثرَ مِنْ مائةِ موضعٍ».

(٣) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في سبعةِ مواضعَ بألفاظٍ وأسانيدَ متنوِّعةٍ بأرقامِ: (١، ٥٤، ٢٥٢٩، ٣٨٩٨، ٥٠٧٠، ٦٦٨٩، ٦٩٥٣)، وأخرجه ـ أيضًا ـ مسلمٌ (١٩٠٧)، وأبو داود (٢٢٠١)، والترمذيُّ (١٦٤٧)، والنسائيُّ (٧٥، ٣٤٣٧، ٣٧٩٤)، وابنُ ماجه (٤٢٢٧)، وأحمد (١٦٨، ٣٠٠). وعند البخاريِّ (٦٩٥٣) في أوَّله: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ..»، وهو يُشعِرُ أنه كان في خُطبةٍ للنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، ومع ذلك لم يَروِه إلَّا ابنُ الخطَّاب في خُطبةٍ على المنبر، ولم يَروِه عنه إلَّا رجلٌ واحدٌ مِنَ التابعين هو علقمةُ بنُ وقَّاصٍ الليثيُّ.

(٤) بوَّب به البخاريُّ في «الوصايا» (٥/ ٣٧٢).

وأخرجه أبو داود (٢٨٧٠، ٣٥٦٥)، والترمذيُّ (٢١٢٠)، وابنُ ماجه (٢٧١٣)، وأحمد (٢٢٢٩٤)، مِنْ حديثِ أبي أمامة صُدَيِّ بنِ عَجْلانَ الباهليِّ رضي الله عنه.

والترمذيُّ (٢١٢١)، والنسائيُّ (٣٦٤١، ٣٦٤٣)، وأحمد (١٧٦٦٣، ١٧٦٦٦، ١٨٠٨٣)، مِنْ حديثِ عمرِو بنِ خارجة رضي الله عنه.

وابنُ ماجه (٢٧١٤) مِنْ حديثِ أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه.

وصحَّحه الألبانيُّ في «إرواء الغليل» (١٦٥٥) وقال (٦/ ٨٧): «وقد جاء عن جماعةٍ كثيرةٍ مِنَ الصحابة منهم: أبو أمامة الباهليُّ، وعمرو بنُ خارجة، وعبد الله بنُ عبَّاسٍ، وأنس بنُ مالكٍ، وعبد الله بنُ عمرٍو، وجابر بنُ عبد الله، وعليُّ بنُ أبي طالبٍ، وعبد الله بنُ عمر، والبراء بنُ عازبٍ، وزيد بنُ أَرقَمَ».

وقال (٦/ ٩٥): «وخلاصةُ القول: أنَّ الحديثَ صحيحٌ لا شكَّ فيه بل هو متواترٌ كما جزَمَ بذلك السيوطيُّ وغيرُه مِنَ المتأخِّرين.

أمَّا الصِّحَّة فمِنَ الطريق الثانية للحديث الأوَّل، وقد تَفرَّد بذِكرها هذا الكتابُ مع التنبيه على صِحَّتِه دون سائر كُتُبِ التخريجات التي وقفتُ عليها.

وأمَّا التواتر فانضمامُ الطُّرُق الأخرى إليها، وهي وإِنْ كان في بعضها ضعفٌ فبعضُه ضعفٌ محتملٌ يقبل التحسينَ لغيره، وبعضُه حسنٌ لذاته كما سَبَقَ بيانُه، لا سيَّما ولا يُشترَط في الحديث المتواترِ سلامةُ طُرُقِه مِنَ الضعف؛ لأنَّ ثبوته إنما هو بمجموعها لا بالفرد منها كما هو مشروحٌ في المُصطلَح.

ومِنْ ذلك تعلم أنَّ قول الإمام الطحاويِّ فى «مُشكِل الآثار» (٣/ ١٣٦) في أحاديثَ ذكَرَها هذا أحَدُها: «وجَدْنا أهلَ العلمِ احتجُّوا بهذا الحديث، فوقَفْنا بذلك على صِحَّتِه عندهم ... وإِنْ كان ذلك كُلُّه لا يقوم مِنْ جهة الإسناد»، ومثله قول البيهقيِّ عَقِبَ بعضِ أحاديث الباب: «وقد رُوِي هذا الحديثُ مِنْ أَوجُهٍ أُخَرَ كُلُّها غيرُ قويَّةٍ، والاعتمادُ على الحديث الأوَّل، وهو روايةُ ابنِ أبى نجيحٍ عن عطاءٍ عن ابنِ عبَّاسٍ»، يعنى حديثَه الموقوفَ الذي ذكرتُه آنفًا؛ فإنَّما صدَرَ ذلك منهم بالنظر إلى بعض الأسانيد والطُّرُق التي وقعَتْ لهم، وإلَّا فبعضُها قويٌّ صحَّحه الترمذيُّ وغيرُه.

وله عند سعيد بنِ منصورٍ (٤٢٥ و٤٢٦ و٤٢٩) شاهدان مُرسَلان صحيحان عن مجاهدٍ وعمرو بنِ دينارٍ وطاوسٍ أيضًا».

(٥) كذا في المطبوع، ولعلَّ الصواب: يَفتَرق.

(٦) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٨/ ٤٨).

(٧) «حلية الأولياء» لأبي نُعَيْمٍ الأصبهاني (٤/ ١٣٩ ـ ١٤٠)، وفيه أنَّ شُرَيْحًا قال له: «صَدَقْتَ ـ وَاللهِ ـ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِنَّهَا لَدِرْعُكَ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ».

(٨) أخرجه أبو داود في «الوتر» بابٌ في الاستغفار (١٥٢١)، والترمذيُّ في «الصلاة» بابُ ما جاء في الصلاة عند التوبة (٤٠٦)، وابنُ ماجه في «إقامة الصلاة والسُّنَّةِ فيها» بابُ ما جاء في أنَّ الصلاةَ كفَّارةٌ (١٣٩٥). وحسَّنه الألبانيُّ في تحقيقِ «المشكاة» للتبريزي (١٣٢٤).

(٩) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٨/ ٤١)، وانظر ـ أيضًا ـ: (١٣/ ٣٥١).

(١٠) انظر: «الرسالة» للشافعي (٤٦١، ٥٩٩)، «الفقيه والمتفقِّه» للخطيب البغدادي (١/ ٩٦)، «روضة الناظر» لابن قدامة (١/ ٢٦٠)، «الصواعق المُرسَلة» لابن القيِّم (٥٥١ وما بعدها) ـ باختصار الموصلي ـ، «مذكِّرة الشنقيطي» (١٠٤).