الجواب عن الاعتراضِ على وصفِ حديث الآحاد المُحتفِّ بالقرائن ـ مِنْ جهة التطبيق ـ بأنَّه ظنِّيٌّ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 4 جمادى الأولى 1444 هـ الموافق لـ 28 نوفمبر 2022 م

في «الإنارة» «في فصل بناء العامِّ على الخاصِّ» (١٠٢) ما يلي: «قوله تعالى: ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِي ٱلۡقَتۡلَى [البقرة: ١٧٨]، فالآية تُفيدُ عمومَ القِصاصِ سواءٌ كان المقتولُ مسلمًا أو كافرًا، وقد خصَّص الجمهورُ...  للمزيد

الفتوى رقم: ١٣١٤

الصنف: فتاوى الأصول والقواعد ـ أصول الفقه

الجواب عن الاعتراضِ على
وصفِ حديث الآحاد المُحتفِّ بالقرائن
ـ مِنْ جهة التطبيق ـ بأنَّه ظنِّيٌّ

نصُّ الشبهة:

في «الإنارة» «في فصل بناء العامِّ على الخاصِّ» (١٠٢) ما يلي: «قوله تعالى: ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِي ٱلۡقَتۡلَى [البقرة: ١٧٨]، فالآية تُفيدُ عمومَ القِصاصِ سواءٌ كان المقتولُ مسلمًا أو كافرًا، وقد خصَّص الجمهورُ هذه الآيةَ بحديثِ: «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ»(١)، عملًا بأنَّ دلالةَ العمومِ ظنِّيَّةٌ يصحُّ تخصيصُها بظنِّيٍّ آخَرَ كخبر الواحد».

المعلوم أنَّ حديثَ: «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» تَلَقَّتْه الأمَّةُ بالقبول؛ إذ هو في «صحيح البخاري»، فهو ممَّا أَجمعَ أهلُ السُّنَّة على إفادته العِلمَ، وقد سبَقَ للمؤلِّف كلامٌ بأنَّ أحاديثَ الآحادِ المُحتفَّةَ بالقرائن خارجةٌ عن محلِّ النزاع في إفادتها الظنَّ، ومع ذلك وصَفَ هذا الحديثَ بأنه ظنِّيٌّ، فهذا يعني أنَّ المؤلِّف لا يقول بإفادةِ خبرِ الآحادِ المتلقَّى بالقبول العِلمَ.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فوَجهُ ما ذُكِرَ في عنوانٍ فرعيٍّ: «وجه بناء العامِّ على الخاصِّ عند الحنفيَّة» إنَّما هو لبيانِ أنه لا يَلْزَمُ في كُلِّ ما كان قطعيَّ الثبوتِ أَنْ يكون قطعيَّ الدلالة، فدلالةُ العموم ـ إِنْ كانت ظنِّيَّةً ـ فيجوز تخصيصُ العمومِ بظنِّيٍّ كخبر الآحاد، إذ ليس أحَدُ الظنِّيَّيْن أَوْلى مِنَ الآخَرِ، لكنَّ الحديثَ المَسوقَ قطعيُّ الثبوتِ لأنه في «صحيحِ البخاريِّ»، وأحاديثُ البخاريِّ ومسلمٍ ممَّا تَلَقَّتْها الأمَّةُ بالقبول واتَّفَقَتْ على صِحَّتِها في الجملة، وهو مذهبُ الجمهور، وبه قال ابنُ الصَّلاح إلَّا ما استُثْنِيَ مِنَ المقطوع بصِحَّتِه فيهما ممَّا تُكُلِّمَ فيه مِنْ أحاديثهما، وهو أَحرُفٌ يسيرةٌ تَكلَّم عليها بعضُ أهلِ النقد مِنَ الحُفَّاظ كالدارقطنيِّ وغيرِه؛ قال الزركشيُّ ـ رحمه الله ـ: «واعْلَمْ أنَّ هذا الَّذي قالَهُ ابنُ الصَّلاحِ هو قولُ جماهيرِ الأُصوليِّين مِنْ أصحابِنا وغيرِهم، قد جزَمَ بِهِ الأُستاذُ أبو إسحاقَ الإسفرايينيُّ فقال في كتابه «أصول الفقه»: «الأخبار الَّتي في الصَّحيحَيْنِ مقطوعٌ بِصِحَّةِ أُصولِهَا ومتونِها، ولا يحصل الخلافُ فِيها بِحالٍ وإِنْ حصَلَ في ذلك اختلافٌ في طُرُقِها أو رُوَاتها، فَمَنْ خالف حُكمُه خَبرًا مِنها وليس له تأويلٌ سائغٌ للْخَبَر نقَضْنا حُكْمَه لأنَّ هذه الأخْبارَ تَلَقَّتْها الأمَّةُ بالقبول» هذا لَفظُه؛ وجزَمَ به ـ أيضًا ـ القاضِي أبو الطَّيِّب الطَّبَرِيُّ في «شرح الكِفاية» والشَّيخُ أبو إسحاقَ في «اللُّمَع» وسُلَيْمٌ الرَّازِيُّ في «التَّقريب»؛ وحَكَاهُ إمامُ الحَرَمَيْنِ عن الأُستاذ أبي بكرِ بنِ فُورَك فقالَ: الخَبَرُ الَّذي تَلَقَّتْهُ الأمَّةُ بالقبولِ يُقطَع بِصِدقه، وأنه أشارَ فِي مَوضِعٍ آخَرَ إلى تَلَقِّيهم قولًا لا عملًا، لأنهم مُتعَبَّدُون بالعمل بخبرِ الواحد»(٢).

وهذا القولُ هو المختارُ ـ عندي ـ وقد سَبَقَ لي أَنْ بيَّنْتُ إفادةَ خبرِ الآحاد المُحتفِّ بالقرائن للعلم في اعتراضٍ سابقٍ وفي فصولٍ مِنْ ذاك الشرح(٣) ـ غيرَ أنِّي سُقْتُ حديثَ البخاريِّ في هذا الموضعِ للتمثيل به على فرضِ التَّسليم والتَّنزُّلِ مع الحنفيَّة ومَنْ وافقهم بأنه خبرُ آحادٍ ظنِّيُّ الثُّبوت، وقَصْدَ تقريبِ صورةِ المسألةِ إلى ذهنِ القارئ ليس إلَّا، فإنه يُتسامَحُ ولا يُشاحُّ في المناقشة وفي التمثيلِ في مِثلِ هذا(٤)، فلا يُتصيَّدُ منه مذهبُ المتكلِّمِ لا سيَّما إذا خالف منصوصَه؛ كما أنَّ هذا الأمرَ ـ مِنْ جهةِ العملِ ـ لا يضرُّ، ذلك لأنَّ الخلافَ بين العلماءِ في مسألةِ أخبار الآحادِ لفظيٌّ ـ كما تقدَّم في جوابٍ على اعتراضٍ سابقٍ(٥) ـ لاتِّفاقهم على وجوب العمل بخبر الآحاد مِنْ حيث التطبيقُ الفرعيُّ سواءٌ أفاد العِلمَ أو الظنَّ، ولأنَّ العقائد تَثبُتُ ـ أيضًا ـ بغلبة الظنِّ، بل إنَّ صنيعَ السلفِ كان تَلَقِّيَ أحاديثِ الصِّفات دون توقُّفٍ، بخلافِ ما قد يفعله بعضُهم في أحاديث الأحكام ـ على ندرةٍ ـ مِنَ المطالبة بمَنْ يَشهَدُ له ويُصدِّقُه ولو كان الراوي غيرَ مُتَّهَمٍ عند وجودِ ما يقتضيه؛ أمَّا مِنْ حيث التَّرجيحُ بالسَّندِ فقَدْ يكون الخلافُ معنويًّا؛ لأنَّ الخبرَ المُفيدَ للعلم يُرجَّح على الخبر المُفيد للظنِّ، وإِنْ كان القطعُ نفسُه يتفاوت كما أنَّ الظنَّ يتفاوت، فما يُقطَع به بعد النظر والاستدلال [أي: العلمُ النَّظريُّ] ليس كالذي يُقطَع به بالضرورة كالمتواتر فهو علمٌ يقينيٌّ ضروريٌّ.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٠٨ صفر ١٤٤٤هـ
المُوافق ﻟ: ٠٤ سبتمبر ٢٠٢٢م

 



(١) أخرجه البخاريُّ في «العلم» بابُ كتابةِ العلم (١١١) وفي «الجهاد والسِّيَر» بابُ فِكاكِ الأسير (٣٠٤٧) وفي «الدِّيَات» باب العاقلة (٦٩٠٣) وفي باب: لا يُقتَلُ المسلمُ بالكافر (٦٩١٥)، والترمذيُّ في «الدِّيَات» (٤/ ٢٤) بابُ ما جاء: لا يُقتَل مسلمٌ بكافرٍ (١٤١٢)، والنسائيُّ في «القَسَامة» بابُ سقوطِ القَوَدِ مِنَ المسلم للكافر (٤٧٤٤)، وابنُ ماجه في «الدِّيَات» (٢/ ٨٨٧) باب: لا يُقتَل مؤمنٌ بكافرٍ (٢٦٥٨)، مِنْ حديثِ أبي جُحَيْفة عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنهما. وله طُرُقٌ عن غيرِ أبي جُحَيْفةَ رضي الله عنه عن عليٍّ، وورَدَ ـ أيضًا ـ مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما ومِنْ طريقِ عمرو بنِ شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه عبدِ الله بنِ عمرو بنِ العاص رضي الله عنهما.

(٢) «النُّكَت على مقدِّمة ابنِ الصلاح» للزركشي (١/ ٢٨٠ ـ ٢٨١).

(٣) انظر: «الإنارة» ـ ط.١ ـ (٢٠٧) وما بعدها.

(٤) يقع كثيرٌ مِنْ هذا في كلام ابنِ تيميَّة وابنِ القيِّم وغيرهما في استطرادهما لمناقشة الطوائف المختلفة، فمَنْ لم يتفطَّنْ إلى أنه مِنِ ابنِ تيميَّة مِنْ باب المسامحة وعدمِ المشاحَّة والتَّنزُّل ظنَّ الظانُّ أنَّ ما قاله هو تقريرُ كلامِ أهل السُّنَّة، وهو في الواقع إمَّا كلامُ المعتزلة في مناقشة الجهميَّة أو الفلاسفة وردِّ باطلهم، أو كلام الأشاعرة في مناقشة هؤلاء مع المعتزلة، أو مِنْ باب حصر أقوال الطوائف في المسألة، ويكفي أنهما لا يقولان بالمجاز مُطلَقًا، ومع ذلك يناقشان بعضَ المسائل بطريقةٍ تُوحي للقارئ أنهما يقولان به، وإنما عبَّرا به مِنْ باب المسامحة وعدمِ المشاحَّةِ في الاصطلاح ما لم يترتَّب عليه محظورٌ ولأنهما قصَدَا ـ باستعمال لفظة المجاز ـ المعنى المقبولَ مِنَ المجاز لا تأويلَ الصِّفات.

(٥) انظر الفتوى رقم: (١٣١٠) الموسومة ﺑ: «الجواب عن الاعتراض على خبر الآحاد» على الموقع الرسمي.