في حكم تعليق التَّمائم مِنَ القرآن والذِّكر ونحوِهما | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 11 ذي الحجة 1445 هـ الموافق لـ 17 يونيو 2024 م

الفتوى رقم: ١٣٣٢

الصنف: فتاوى طِبِّيَّة

في حكم تعليق التَّمائم مِنَ القرآن والذِّكر ونحوِهما

السؤال:

قرأتُ عن بعض السَّلَف أنَّهم أجازوا الحروزاتِ بالخرز ونحوِها ورخَّصوا في التَّمائمِ التي تُعلَّقُ على صدرِ الصَّبيِّ أو الطِّفلِ أو تُوضَعُ تحت وسادة المَريض ونحوِ ذلك، بشرطِ أَنْ تكون مِنَ القرآن والأذكار المشروعة والأدعية المأثورة، وخاليةً مِنَ الشِّرك والطلاسمِ(١) والحروفِ المُقطَّعة التي لا معنَى لها، ومِنَ الكلام الذي لا يُفهَم ولا يُعرَف معناه، فهذه مرخَّصٌ فيها دون غيرها؛ وهذا ما ذكَرَه الحافظ ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ في «فتح الباري» (٦/ ١٤٢) وذهَبَ إليه، حيث قال: «هذا كُلُّه في تعليق التَّمائم وغيرِها ممَّا ليس فيه قرآنٌ ونحوُه، فأمَّا ما فيه ذِكرُ اللهِ فلا نهيَ فيه، فإنَّه إنَّما يُجعَل للتَّبرُّك به والتَّعوُّذ بأسمائه وذِكرِه..».

فهل هذا صحيحٌ، وما حكمُ هذا النَّوعِ مِنَ الحروزات والتَّمائم؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فقدِ اختلف السَّلفُ في التَّمائم مِنَ القرآن وأسماءِ الله وصِفَاتِه ومِنَ الأحاديث النَّبويَّة الصَّحيحة والدُّعاءِ المُباح على مذهبين:

ـ فبعضُهم رخَّص فيها وأجازها مِثل: عبدِ الله بنِ عمرِو بنِ العاص وغيرِه مِنَ الصَّحابة رضي الله عنهم ومَنْ وافقهم مِنَ التابعين، وحَمَلوا قولَه صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ(٢) شِركٌ»(٣) على التَّمائمِ التي فيها شركٌ أو هي مَظِنَّتُه كالذي يكون بغير العربيَّة لمَنْ لا يفهم معنى الكلام.

ـ ومنهم مَنْ لم يرخِّص فيها مُطلَقًا مِثل: عبدِ الله بنِ مسعودٍ وابنِ عبَّاسٍ وغيرِهما مِنَ الصحابة رضي الله عنهم ومَنْ وافقهم مِنَ التَّابعين؛ قال إبراهيمُ النَّخَعيُّ ـ رحمه الله ـ: «كانوا ـ أي: أصحابُ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه ـ يكرهون التَّمائمَ كُلَّها، مِنَ القرآن وغيرِ القرآن»(٤)، وهذا هو الأَوْلى بالصواب، وبه قال جمهورُ أهلِ العلم؛ وذلك لِلِاعتبارات الآتية:

أوَّلًا: أنَّ الصَّحابةَ رضي الله عنهم إذا اختلفوا على قولين فإنَّ الحقَّ لا يخرج عن أحَدِهما، والموقفُ الصَّحيحُ المُتَّخَذُ مِنِ اختلافهم هو التَّخيُّرُ مِنَ القولين بما يوافقُه الدَّليلُ وتدعِّمه الحُجَّةُ؛ قال ابنُ تيميةَ ـ رحمه الله ـ: «.. وإذا تَنازَعُوا فالحَقُّ لا يَخرُجُ عنهم، فَيُمكِنُ طَلَبُ الحَقِّ فِي بَعضِ أقاوِيلِهِم، ولا يُحكَمُ بِخَطَإِ قَولٍ مِنْ أقوالِهِم حتَّى يُعرَفَ دَلالَةُ الكِتابِ والسُّنَّةِ عَلى خِلافِه»(٥).

ولا يخفى أنَّه لم يُعلَم عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم أنَّه جعَلَ التَّمائمَ سببًا للحِفظ مِنَ الشَّيطان والعَين والهوامِّ ونحوِها؛ مع قيامِ المُقتضي في زمانِه وانتفاءِ الموانعِ، فإذا لم يكن ذلك سببًا لا مِنْ جهة الشَّرع ولا مِنْ جهةِ الطِّبِّ فلا يجوز ـ والحالُ هذه ـ أَنْ يُعتقَد في التَّمائم الجوازُ ولا التَّأثيرُ مُطلَقًا؛ لأنَّ سببَها غيرُ مُعتبَرٍ، ذلك لأنَّ مِن خصائصِ القرآنِ أنَّه نزلَ ليُقرأ ويُتلى، لا ليُعلَّقَ على الصُّدورِ والجُدرانِ، والتِّلاوةُ باللِّسانِ هي الحرزُ الصَّحيحُ وهو سببُ الشِّفاءِ والحفظِ مِنَ الشَّيطان، كما جاء في الحديث عن آية الكرسيِّ: «إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ، لَنْ يَزَالَ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ»(٦)؛ ثمَّ إنَّ كلَّ عبادةٍ أطلقها الشَّارعُ فلا يجوزُ ـ شرعًا ـ أن يقيِّدَها النَّاسُ بقيودِ المَكانِ أو الزَّمانِ أو الصِّفةِ أو العدَدِ.

علمًا أنَّ بعضَ الجُهَّال قد يتعلَّق قلبُه بالتَّمائم مِنَ القرآن، لا لِمُجرَّدِ كونها أسبابًا ـ وهي في الحقيقة ليست سببًا صحيحًا شرعيًّا ولا طِبِّيًّا كما تَقدَّم ـ بل يَعتَقِدُ في ذاتها خاصيَّةَ جلبِ النَّفعِ أو دفعِ الضُّرِّ، وذلك يُؤدِّي ـ بطريقٍ أو بآخَرَ ـ إلى مُعتقَدٍ فاسدٍ، لذلك وجَبَ المنعُ منه عملًا بمبدإِ سدِّ الذريعة.

ثانيًا: أنَّ تعليق التَّمائم مِنَ القرآن والأدعية والأذكار المشروعةِ بهذه الصِّفةِ يُعَدُّ عبادةً مِنَ العبادات، لأنَّه نوعٌ مِنَ الاستعاذةِ وطلبِ الحاجةِ بلسان الحال، و«الأصلُ في العبادات: التَّوقيفُ والمنع»، إذ لم يَرِدْ في النُّصوصِ الشَّرعيَّةِ ما يُجيزُ هذه الصِّفةَ.

ثالثًا: أنَّ الأحاديثَ النَّاهيةَ عن التَّمائمِ جاءت عامَّةً فلا يُخصُّ منها شيءٌ ولا صفةٌ إلَّا بدليلٍ صحيحٍ، ولم يأتِ حديثٌ واحدٌ في تخصيصِ فردٍ منها؛ لذلك لا يجوز إحداثُ صورةِ عبادةٍ مُستثناةٍ مِنْ عمومِ المنعِ لا يدلُّ دليلٌ على تخصيصها، بخلاف نصوص الرُّقية.

رابعًا: عملًا بالأحوط في حكمِ تعليقِ التَّمائمِ مِنَ القرآن والأدعية والأذكار المشروعة، لكونِ حكمِه يتردَّد بين الحِلِّ والحُرمةِ، ولا شكَّ أنَّ الاحتياطَ إنَّما يكونُ في تركِه ومنعِه، وهو الأصلُ الثابتُ في العبادات، ولا نصَّ على الاستثناء، ولا يمكن قياسُه على المستثنى مِنْ منع الرُّقية لظهور الفارق.

خامسًا: أنَّ تعليقَ التَّمائمِ مِنَ القرآنِ قد يُفضي إلى امتهانِه مِثل أَنْ يدخلَ به إلى الحمَّام عند قضاء الحاجة أو إلى مواضعَ قذرةٍ أخرى، أو ينامَ عليه ونحوِ ذلك ممَّا تنبغي الحيلولةُ دون الوقوعِ فيه.

سادسًا: أنَّ تعليقَ التَّمائمِ مِنَ القرآن بَريدٌ إلى تعليقِ التَّمائمِ مِنْ غير القرآن ممَّا يَحرُم فِعلُه باتفاقٍ لتضمُّنه معصيةً أو شركًا، أو قد تَفتَح البابَ لِيَدَّعيَ كُلُّ مَنْ علَّق تميمةً أنَّها مِنَ القرآن وإِنْ لم تكن منه؛ لأنَّ غالِبَ التَّمائمِ تكونُ مخفيَّةً داخلَ جِلدٍ أو قُماشٍ ونحوِهما، فيتذرَّعُ بهذه الوسيلةِ لإخفاءِ التَّمائمِ الشِّركيَّة مِنْ جهةٍ، ولا يُنكَرُ عليه فِعلُه مِنْ جهةٍ أخرى حملًا للنَّاسِ على السَّلامةِ.

سابعًا: أنَّ تعليقَ التَّمائمِ طلبًا لدفعِ الضَّرِّ أو تحصيل النَّفع يُفضي إلى تعليق القلبِ بالتَّميمة، الأمر الذي يفضي إلى الاتِّكال عليها أو الاكتفاءِ بها، وإهدار المطلوب به من الذِّكر والدُّعاء وقراءةِ القرآن وهي أدعى إلى تعليقِ القلبِ بالله سبحانه وتعالى، وشتَّان بين مَنْ يَضَعُ مُصحَفًا على مَكتبه ولا يفتحه، وبين مَنْ يقرأ مِنَ المُصحَف أو مِنْ حِفظه.

هذا، وأخيرًا، فإنَّ الصَّحيحَ الرَّاجحَ في المسألة هو: وجوبُ تركِ تعليقِ التَّمائمِ مُطلَقًا مِنَ القرآن وغيره، مع إمكانِ الاستعاضةِ عن ذلك بالرُّقية الشرعيَّة بالقرآنِ والمُعوِّذاتِ والأذكارِ المشروعةِ وغيرِها كما ثبَتَ ذلك في أحاديثَ كثيرةٍ.

والعلمُ عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٣ جمادى الآخرة ١٤٤٤هـ
المُوافـــق ﻟ: ٢٦ ديــــسمبر ٢٠٢٢م



(١) قال الزَّبيديُّ في [«تاج العروس» (٣٣/ ٢٤)]: «والطِّلَسْم اسْمٌ للسِّرِّ المكتوم، وقد كَثُرَ استعمالُ الصُّوفيَّة في كلامهم فيقولون: سِرٌّ مُطَلْسَمٌ، وحجابٌ مُطَلْسَمٌ، وذاتٌ مُطَلْسَمٌ، والجمعُ: طَلَاسِمُ»، وجاء في [«المعجم الوسيط» (٢/ ٥٦٢)]: «الطِّلَسم ـ في علم السِّحرِ ـ خطوطٌ وأعدادٌ يَزعمُ كاتبُها أنَّه يَربِطُ بها رُوحانياتِ الكواكبِ العُلوِيةِ بالطَّبائع السُّفليةِ لجلبِ محبوبٍ أو دفعِ أذى، وهو لفظٌ يونانيٌّ لكلِّ ما هو غامضٌ مُبهمٌ كالألغازِ والأحاجي».

(٢) الرُّقية: العُوذةُ التي يُرقى بها صاحبُ الآفةِ كالحُمَّى والصَّرَع وغيرِ ذلك مِنَ الآفات، وقد جاء في بعض الأحاديث جوازُها، وفي بعضِها النهيُ عنها.. والأحاديثُ في القسمين كثيرةٌ، ووجهُ الجمع بينهما: أنَّ الرُّقَى يُكرَه منها ما كان بغير اللِّسان العربيِّ، وبغيرِ أسماء الله تعالى وصِفَاتِه وكلامِه في كُتُبه المُنزَلة، وأَنْ يعتقد أنَّ الرُّقْيةَ نافعةٌ لا مَحالةَ فيَتَّكِل عليها، وإيَّاها أراد بقوله: «ما تَوكَّل مَنِ استرقى»؛ ولا يُكرَه منها ما كان في خلافِ ذلك كالتَّعوُّذ بالقرآن وأسماءِ الله تعالى والرُّقى المرويَّة [بتصرف]؛ [«النهاية» لابن الأثير (٢/ ٢٥٤)].

والتَّمائمُ جمعُ تميمةٍ، وهي خَرَزاتٌ كانت العربُ تُعلِّقُها على أولادهم يتَّقُون بها العينَ في زعمهم، فأَبطلَها الإسلامُ؛ [«النهاية» لابن الأثير (١/ ١٩٧)]؛ وقال الألبانيُّ في [«السلسلة الصحيحة» (١/ ٦٥٠)]: «ومِنْ ذلك تعليقُ بعضِهم نَعْلَ الفَرَسِ على باب الدار أو في صدرِ المكان! وتعليقُ بعضِ السائقين نعلًا في مقدِّمةِ السَّيَّارةِ أو مُؤخِّرتِها، أو الخرزِ الأزرق على مرآةِ السَّيَّارة التي تكون أمامَ السائق مِنَ الداخل، كُلُّ ذلك مِنْ أجل العين زعموا».

والتِّوَلة ما يحبِّبُ المرأةَ إلى زوجها مِنَ السِّحر وغيرِه، جعَلَه مِنَ الشِّرك لاعتقادهم أنَّ ذلك يُؤثِّر ويفعل خلافَ ما قدَّره الله تعالى؛ [«النهاية» لابن الأثير (١/ ٢٠٠)؛ وانظر تفسيرَها عن ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه عند ابنِ حِبَّانَ في «صحيحه» (٦٠٩٠)].

(٣) أخرجه أبو داود في «الطِّبِّ» بابٌ في تعليق التَّمائم (٣٨٨٣)، وابنُ ماجه في «الطِّبِّ» بابُ تعليقِ التَّمائم (٣٥٣٠)، وأحمد في «مُسنَده» (٣٦١٥)، مِنْ حديثِ عبد الله بنِ مسعودٍ رضي الله عنه.؛ صحَّحه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٣٣١، ٢٩٧٢) و«صحيح الجامع» (١٦٣٢)، وقال محقِّقو طبعةِ الرسالة مِنَ «المُسنَد» (٦/ ١١٠): «صحيحٌ لغيره، وهذا إسنادٌ ضعيفٌ لجهالةِ ابنِ أخي زينبَ، لكنَّه مُتابَعٌ».

(٤) أخرجه بهذا اللَّفظِ ابنُ أبي شيبة في «مصنَّفه» (٢٣٤٦٧)، وبرقم: (٢٣٤٧١) بلفظ: «كَانُوا يَكْرَهُونَ التَّمَائِمَ وَالرُّقَى وَالنُّشَرَ»، ورواه القاسم بنُ سلَّام في «فضائل القرآن» (٣٨٢)، وتمامُه عنده: «حدَّثنا هُشَيْمٌ: أَخبرَنا مُغيرةُ عن إبراهيمَ قال: «كانوا يكرهون التمائمَ كُلَّها، مِنَ القرآن وغيرِه»، قال: وسألتُ إبراهيمَ فقُلتُ: «أُعلِّقُ في عَضُدِي هذه الآيةَ: ﴿يَٰنَارُ كُونِي بَرۡدٗا وَسَلَٰمًا عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ٦٩[الأنبياء]، مِنْ حُمًّى كانت بي؟» فكَرِه ذلك»؛ [وإسنادُه صحيحٌ؛ انظر: «تحقيق كتابِ (الكَلِم الطيب) لابن تيميَّة» للشيخ الألبانيِّ رحمه الله (ص٨٥)].

قال عبدُ الرحمن بنُ حسنٍ في «فتح المجيد» (١٣٣): «مُرادُه بذلك: أصحابُ عبدِ الله بنِ مسعودٍ: كعلقمةَ والأسودِ، وأبي وائلٍ، والحارثِ بنِ سُوَيْدٍ، وعَبِيدةَ السَّلْمانيِّ، ومسروقٍ، والربيع بنِ خُثَيْمٍ، وسُوَيْدِ بنِ غَفَلةَ وغيرِهم، وهم مِنْ سادات التابعين؛ وهذه الصيغةُ يستعملها إبراهيمُ في حكايةِ أقوالهم كما بيَّن ذلك الحفّاظُ كالعِراقيِّ وغيرِه»، والكراهة ـ هنا عندهم ـ للتحريم.

(٥) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٣/ ٢٤).

(٦) أخرجه البخاري في «فضائل القرآن» (٥٠١٠) باب فضل سورة البقرة، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.