في حُكمِ الشُّفعَةِ وشَرطِها | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 19 ذي الحجة 1445 هـ الموافق لـ 25 يونيو 2024 م

الفتوى رقم: ١٣٣٣

الصنف: فتاوى المعاملات المالية ـ البيوع

في حُكمِ الشُّفعَةِ وشَرطِها

السؤال:

يقول السائل: اشترَيْتُ قطعةَ أرضٍ مِنْ أرضٍ في الشُّيوع مقسَّمةٍ على جَمْعٍ مِنَ الورثة قِسمةً عُرْفيَّةً بدون عقودٍ، لكنَّ هذه الأرضَ معلومةُ الحدودِ والطُّرُقَ مبيَّنةٌ، وفيها مَنْ بنى مَسْكَنَه، وفيها كُلُّ المرافق مِنَ الغاز والكهرباء والماء وقنواتِ الصرف.. إلخ، وكان مالكُ الأرضِ الذي اشترَيْتُ منه قد باع قطعةً بجانبها لغيري، وقد عرَضَ عليَّ هذا الجارُ شراءَ قطعتي لِمَا له مِنْ حقِّ الشُّفعة في القانون الوضعيِّ، فامتنعتُ لرغبتي في بناءِ مسكنٍ يُؤْوِيني وعائلتي، وبعد شهرٍ اتَّصلَ بي وأخبرني بأنه سيرفع قضيَّةً يطالب عن طريقها ﺑ «حقِّ الشفعة» لدى المحاكم، وبعد جلساتٍ وتوسُّطاتٍ مِنَ البائع الأصليِّ أعطاني عهدًا وميثاقًا بعدم المطالبة ﺑ «حقِّ الشفعة»، ثمَّ نكَثَ عهدَه ولجَأَ إلى الجهات الرَّسميَّةِ التي منحَتْه الحقَّ، وقد عرَضَ عليَّ مبلغًا لا يعكس حقيقةَ ثمنِ القطعة حاليًّا، فرفضتُ عَرْضَه للأسباب التالية: لأنِّي لم أَعرِضِ الأرضَ للبيع، ولأنَّه نقَضَ عهدَه وأَخلفَ وعدَه، ولأنَّ الثمنَ المُقترَحَ بعيدٌ جدًّا عن الثمن الحاليِّ للأرض؛ فأَلتمِسُ منكم التفصيلَ لحُكمِ هذه المسألة، وهل له حقُّ الشُّفعةِ في هذه الحالة؟ وجزاكم الله خيرًا، ووفَّقكم لِمَا يُحِبُّه ويرضاه.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاعْلَمْ أنَّه ـ بِغضِّ النَّظرِ عن شروطِ نقلِ مِلكيةِ العقاراتِ وإجراءاتِها على مستوى المحاكمِ والدَّوائرِ الإداريةِ ـ فإنَّ الشُّفعةَ تَثبُت للشَّريك المُقاسِم؛ لقضاءِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بالشُّفعة في كُلِّ ما لم يُقْسَمْ، ولا تَثبُت للجار ـ على الصَّحيح ـ ما لم يكن هناك مَرافِقُ مُشترَكةٌ مِنْ طريقٍ واحدٍ أو مَسيلٍ واحدٍ أو بئرٍ مُشترَكةٍ ونحوِ ذلك؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «الجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ [وفي روايةٍ: بسَقَبِه]»(١)، والجارُ المُدَّعي الذي اشترى القطعةَ الأرضيَّةَ لم تكن له صفةُ الشَّريكِ المُقاسِمِ ولا الجارِ المُشارِك، وإنَّما حلَّ في القطعة الأرضيَّة بالشِّراء على مالِكها الأصليِّ بنفس الطريق الذي حلَّ به صاحبُ السؤال في قطعةِ أرضه؛ وعليه فلا تَثبُتُ الشُّفعةُ أصلًا، والسبيلُ إلى رفعِ الدعوى القضائيَّةِ بها مردودةٌ شرعًا وقانونًا.

وإذا سُلِّمَ ـ جدلًا ـ أنه كان له جوارٌ مُشترَكٌ مع أصحاب الأرض فإنَّ ما عليه الأئمَّةُ الثلاثة: مالكٌ والشافعيُّ وأحمد أنه لا شُفْعةَ للجار ولا للشَّريك المُقاسِم إذا صُرِّفَتْ طريقُه؛ لِمَا ثَبَتَ مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما قال: «قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَالٍ لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ»(٢)؛ فالحديثُ يُفيدُ أنَّ الشُّفعة إنَّما تكون في العقَار المُشترَكِ الذي لم تُميَّزْ حدودُه ولم تُعْرَفْ طُرُقُه؛ لأنَّ الشَّارع إنَّما أَثْبَتَ الشُّفعةَ لإزالةِ ضرر الشَّراكة اللَّاحقِ بالشَّريك الشَّفيع، غيرَ أنَّه إذا مُيِّزَتِ الحدودُ وصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فليس للجار مِنْ شُفعةٍ تَثبُت في حقِّه؛ لزوال الضَّرر بالقسمة.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٧ من جمادى الآخرة ١٤٤٤هـ
المُـــوافـــــق لـ: ٠٩ جـانـفي ٢٠٢٣م



(١) أخرجه البخاريُّ في «الشُّفعة» بابُ عَرضِ الشُّفعة على صاحبها قبل البيع (٢٢٥٨) وفي «الحِيَل» بابٌ في الهِبَة والشُّفعة (٦٩٧٧) مِنْ حديثِ أبي رافعٍ القِبْطيِّ رضي الله عنه مولى رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم.

والسَّقَب والصَّقَب ـ بالسين والصاد ـ في الأصل: القُرب؛ و«الجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ» أي: بجواره وما يلاصقه ويقرب منه، والجار هاهنا: الشريك؛ [انظر: «النهاية» لابن الأثير (٢/ ٣٧٧)، «مطالع الأنوار على صحاح الآثار» لابن قرقول (٤/  ٣٠٧)].

(٢) أخرجه البخاريُّ في «البيوع» بابُ بيعِ الأرض والدُّورِ والعُروض مُشاعًا غيرَ مقسومٍ (٢٢١٤) مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما.