في آداب المستفتي مع المفتي | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 10 ذي القعدة 1445 هـ الموافق لـ 18 مايو 2024 م

الفتوى رقم: ١٣٣٤

الصنف: فتاوى متنوِّعة ـ الآداب.

في آداب المستفتي مع المفتي

السؤال:

ممَّا لا يخفى عليكم أنَّ بعضَ المُستفتين لا يَحفظُ الأدبَ مع مُفتِيهِ، فيسألُه بشيءٍ مِنَ التَّكلُّفِ فيما لا ينفعُه، وقد يصِلُ أمرُه في سؤالِه إلى حدِّ التَّعمُّقِ في مسائلَ عويصةٍ ربَّما تحتاجُ إلى أهليَّةٍ عِلميَّةٍ أكبرَ مِنْ قُدرةِ المُفتي، لكنَّ السَّائلَ يدفعُه ـ بإلحاحه ـ إلى الخوضِ فيها كما هو معلومٌ عند مُعظَمِ الطَّلبة السَّائلين، وقد يكونُ المُفتي أهلًا للجواب غير أنَّه في وقتِ السُّؤالِ قد يكون مشغولَ القلبِ بِهمٍّ أو مَوعدٍ أو مرضٍ ونحوِ ذلك، وكثيرًا ما يقعُ مِنْ بعضِ الطَّلبةِ أنَّه ـ بعدَ إعدادِ جوابٍ عن سؤالِه ـ لا يريدُ ـ بطرحه للسؤالِ ـ الاسترشادَ والوصولَ إلى معرفةِ الحُكمِ، وإنَّما بُغيتُه: إمَّا إظهارُ نفسِه ومكانتِه عند الشيخِ والزَّهوُ بذلك على الطلبةِ، وإمَّا إفحامُ الشيخِ وغَلَبتُه وإحراجُه؛ قَصْدَ الظُّهورِ أو التَّهوينِ أو الامتحانِ أو لِمَقاصدَ سَيِّئةٍ أخرى، وهو ما كُنَّا نُشاهِدُه عِيانًا ومِرارًا على بعض الطلبة في كثيرٍ مِنْ حَلَقاتِكم العامرةِ، فالمَرجوُّ منكم ـ شيخَنا ـ بيانُ أهمِّ الآدابِ الَّتي ينبغِي على المُستفتي أَنْ يَلتزِمَ بها حالَ طلبِه الفتوى؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاةُ والسَّلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فأُريدُ التَّنبيهَ ـ ابتداءً وقبلَ الإجابة عن السُّؤال ـ إلى وجودِ كلمةٍ شهريَّةٍ على موقعي الرَّسمي برقم: (٤١) تتضمَّن هذا المعنى، وهي موسومةٌ ﺑ: «آداب المستفتي وجوانب تَعامُله بالفتوى»؛ لذلك أُحاوِلُ أَنْ أُبيِّنَ مَلامِحَ مُقتضَبةً عن الصِّفات الحميدة والأخلاقِ الفاضلة والأداب الكريمة التي ينبغي على المُستفتي أَنْ يتحلَّى بها مع المُفتي، وكذا مع المُعلِّم والمُربِّي في كُلِّ عصرٍ ومِصرٍ، وهي على النِّقاط الآتية:

ـ يُستحَبُّ للمستفتي ـ في حدود المُستطاع مِنْ تقوى الله ـ أَنْ يتحرَّى اختيارَ الأصلح ليَستفتِيَه، والأصلحُ للفتوى هو: الأعلمُ والأورعُ، أي: الأعلم بأحكام الشَّرع وأدلَّتها، والأورع في العمل والدِّين والتَّقوى؛ فعلى المُستفتي أَنْ يقوم بالبحث عنه؛ لأنَّ مَدارَ الإفتاء على مَنْ يحيط بمَدارِكِ الشَّرع وعلومِهِ؛ ويحتكم فيها إلى الحُجَّةِ ويتحرَّى سلوكَ المَحجَّة ـ أوَّلًا ـ ويدور في ذلك على تقواه وورَعِهِ ـ ثانيًا ـ لأنَّ الورعَ يدفع المُفتِيَ إلى البحثِ الحثيث لمِعَرفة الحكمِ الصَّحيح؛ خشيةَ الوقوع في الخطإ أو الغلط أو المَيلِ عن الحقِّ في المَسألة المَسؤولِ عنها بتفريطٍ دون تأويلٍ، ومِنْ ورعِه أنَّه إذَا سُئلَ في مسألةٍ نَسِيَ حُكمَها أو غابت عنه بعضُ جُزئيَّاتها لِبُعد الزَّمنِ مِنْ تحريرها ومراجعتها، لم يتوانَ في إرجاء الجواب إلى ما بعد مراجعة المسألةِ وإعادةِ النَّظر فيها، كما أنَّ تقواهُ تَحولُ بينه وبين الوقوعِ في مزالقِ الهوى والطَّمَعِ، وتُبعِدُه عن الهجومِ على الفتوى والعجلةِ بها دون تثبُّتٍ وتأنٍّ في النَّظر في تفاصيلِ الواقعةِ وما تقتضيه النُّصوصُ والأدلَّةُ مِنْ حُكمِها، كما تُجنِّبُه تقواه التَّساهُلَ فيها.

وإذا تَقابَل المُفتي الأعلَمُ مِنَ المُجتهدين مع الأورع فإنَّه يُقدِّم الأَعلمَ بشرطِ أَنْ يكون عدلًا مُتَّصِفًا بالصِّدقِ والأمانةِ؛ لأنَّ غلبةَ الظَّنِّ بإصابة الحكم تَقوَى بالأعلم، ولا تعلُّقَ لِمَسائل الاجتهاد بالورع؛ قال ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ: «ولَمَّا كانَ التَّبلِيغُ عَنِ اللهِ سُبحانَهُ يَعتَمِدُ العِلمَ بِما يُبَلِّغُ، والصِّدقَ فِيهِ، لَمْ تَصلُحْ مَرتَبَةُ التَّبلِيغِ بِالرِّوايَةِ والفُتيَا إلَّا لِمَنِ اتَّصفَ بِالعِلمِ والصِّدقِ؛ فَيكونُ عالِمًا بِما يُبَلِّغُ صادِقًا فيه، ويكونُ مع ذلك حَسَنَ الطَّريقةِ، مَرْضِيَّ السِّيرَةِ، عَدلًا في أقوالِهِ وأفعالِهِ، مُتَشابِهَ السِّرِّ والعَلانِيَةِ فِي مَدخَلِهِ ومَخْرَجِهِ وأحوالِهِ»(١).

فإنِ استوى المُفتونَ أو تَعذَّر عليه معرفةُ الأعلمِ تَخيَّر بينهم، وليس له أَنْ يأخذَ مذهبَ غيرِه في مسألةٍ مِنَ المسائل بالتَّشهِّي.

ـ أَنْ يلتزم المُستفتي الأدبَ مع المُفتي: فلا يُهينُهُ بتصرُّفاته، ولا ينتقِصُ منزلتَهُ، ولا يزدري مَقامَه، ولا يَتتبَّع عَوْراتِه، فإنَّ ذلك يُعَدُّ إخلالًا مذمومًا بالأخلاق والأدبِ، فأهلُ السُّنَّة لا يأتون بهذه المَخازي والرَّذائل، وهم بُرَآءُ منها، بل الواجبُ عليه أَنْ يحترمَه ويُوَقِّرَه ويُجِلَّه، ويعرفَ له مكانتَه وقَدْرَه، ويحفظَ له فضلَه وكرامتَه؛ ولا شكَّ أنَّ مَنْ حُرِم الأدبَ مع أهل الفتوى والعلم ـ وهم ورثةُ الأنبياء الذين يوقِّعون عن الله ـ فهو سفيهٌ أو جاهلٌ ليس له عَقْلُ هدًى ولا رُشدٍ يَرْدَعُه؛ قال تعالى في شأن الَّذين رفعوا أصواتَهم مِنْ خارج حُجُراتِ أزواجِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم مُستعجِلين خروجَه إليهم: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلۡحُجُرَٰتِ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ٤[الحُجُرات]؛ لأنَّهم لا يفهمون عظيمَ قَدْرِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، ولا يَعُونَ كبيرَ مَقامِه، وكذلك المُستفتي السَّفيهُ لو كان عنده عقلُ هدًى ورشدٍ لَأمسكَه عن هذه الأخلاقِ الرَّديئة، قال ابنُ القيِّمِ ـ رحمه الله ـ في معرضِ شرحِه لحديثِ: «العُلَماءُ وَرَثَةُ الأنبِياءِ»(٢) ما نصُّه: «وَفِي هَذَا تَنْبِيه على أنَّهم أَقرَبُ النَّاسِ إليهم؛ فَإِنَّ الْمِيرَاث إِنَّما يكون لأقرَبِ النَّاسِ إلى المَوْرُوثِ؛ وهذا كما أنَّه ثَابتٌ فِي مِيرَاث الدِّينَار والدِّرهمِ فكذلك هو في مِيرَاثِ النُّبُوَّة، واللهُ يخْتَصُّ برحمتِه مَنْ يشاءُ؛ وفيه ـ أيضًا ـ إرشادٌ وأمرٌ للأمَّةِ بطاعتِهم واحترامِهم وتعزيزهم وتوقِيرِهم وإجلالهم، فَإِنَّهم ورثةُ مَنْ هذهِ بعضُ حُقُوقِهم على الأمَّةِ وخُلفَاؤُهم فيهم، وفيه تنبيهٌ على أنَّ محبَّتَهم مِنَ الدِّينِ وبُغضَهم مُنَافٍ للدِّين كما هو ثابتٌ لمورُوثِهم، وكذلك مُعاداتُهم ومحاربتُهم مُعاداةٌ ومحاربةٌ للهِ كما هو في مَوروثِهم»(٣).

ومِنْ تمام الأدب أَنْ لا يرفعَ صوتَه عليه: لا يُقاطعُه في حديثه ولا يَعترض على كلامه حتَّى يَنتهِيَ منه، ولا يُحرِّفُه عن مواضعِه، ولا يُزيلُه عن وجهِه، ولا يُسجِّله خُفيةً بغيرِ إذنه ابتغاءَ الانتقاصِ والتَّشهيرِ والتَّقريعِ والتَّوبيخِ، أو يُكثر مِنْ حركاته الجسميَّة عند سؤاله أو لَيِّ عُنُقِه والِالْتِفات يمينًا وشِمالًا بحضرة المُفتي استخفافًا لِقَدْرِه وتهوينًا مِنْ جوابه، ونحو ذلك، ولكن يُقبِلُ عليه كما يُقبِل على كُلِّ مُحدِّثٍ له بالإنصات والاستماعِ والإصغاء إلى ما يُرشِده إليه مِنْ حكمٍ أو توجيهٍ، فهو أَوْلى بالإنصات مِنْ كُلِّ مُخاطِبٍ، وأَنْ يحفظَ الفضلَ لأهلِه، إذ لا يَحفظُ الفضلَ إلَّا مَنْ كان مِنْ أهلِه، فهذا مِنْ أحسنِ ما يكون مع المُفتي مِنَ الأدب الرَّفيع وكذا مع المُعلِّمِ والمُربِّي والمَسؤول، وأَبلَغُ ما يكون مِنَ الكمال في طلب العلم.

ـ كما ينبغي على المستفتي أَنْ لا يسأل عن مسألةٍ مُفتَرَضةٍ بعيدةِ الوقوعِ أو مقدَّرةِ الوقوعِ، فإنَّ ذلك ممَّا لا يَعني السَّائلَ، قال عليه الصَّلاةُ والسَّلام: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ: تَركُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ»(٤)، بل قَد يُوقِعُه فيما يَسوءُه، ويَشغَلُه عمَّا يَعنِيهِ، قال تعالى: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسۡـَٔلُواْ عَنۡ أَشۡيَآءَ إِن تُبۡدَ لَكُمۡ تَسُؤۡكُمۡ[المائدة: ١٠١].

ولا ينبغي له ـ أيضًا ـ أَنْ يُحرِجَ المُفتيَ بمسائلَ شائكةٍ مُتعلِّقةٍ بأسرار الأُسَرِ أو بأعيانِ الدُّعاةِ ومناهجِهم ممَّا قد يترتَّب مِنْ جرَّاءِ نشرِه أمامَ المَلإ فوضَى أو اضطرابٌ أو تضييقٌ أو فِتَنٌ، فيَحرِصُ المُستفتي على عدمِ طرحِ سؤاله إلَّا عند الحاجة الأكيدة وفي حيِّزٍ مُغلَقٍ بينه وبين المُفتي لئلَّا يفتح بابَ الشَّرِّ والفساد.

ـ لا يجوز للمُستفتي ـ أيضًا ـ تتبُّعُ الرُّخَصِ والتَّخيُّرُ مِنْ كُلِّ مذهبٍ ما هو أهونُ عليه وأَيسرُ فيما يَرِدُ عليه مِنَ المَسائلِ بالرَّأي المُجرَّدِ والتَّشهِّي؛ لأنَّ ذلك يؤدِّي ـ بطريقٍ أو بآخَرَ ـ إلى إسقاطِ التَّكليف في كُلِّ مسألةٍ مُختلَفٍ فيها، ولأنَّه ميلٌ مع أهواء النَّاس، وقد جاء الشَّرعُ بالنَّهي عن اتِّباع الهوى، بل عليه أَنْ يأخذَ ـ مِنْ أقوالِ المُفتِينَ إذا تزاحمت عنده ـ ما يكون أَقرَبَ للصَّواب في نظره ممَّا تَسكُن إليه النَّفسُ لا ما يوافق هواه.

ـ ولا يجوز للمستفتي ـ أيضًا ـ أَنْ يُخفِيَ بعضَ الجزئيَّاتِ الأساسيَّة في المَسألة المَنظورِ فيها والأوصافِ التي تُؤثِّرُ في الحكم، فلا يجوز له العملُ بمُجرَّدِ فتواهُ وهو يعلم أنَّ الأمرَ في الباطن بخلافِ ما أَفتَوْه فيه أو به، وأنَّ ذلك لا ينفعه كما قال عليه الصَّلاةُ والسَّلام: «.. فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنْ النَّارِ، فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ فَلْيَتْرُكْهَا»(٥).

ـ كما لا يجوز للمستفتي أَنْ يسألَ مَنْ لا يثقُ في عِلمه ودِينه، ولا أَنْ يسأل مَنْ يعلم جَهلَه أو مُحاباتَه في فتاواه، أو أنَّه معروفٌ بالفتوى بالحِيَلِ والرُّخَص المُخالِفةِ للسُّنَّة، أو أنَّه لا يتحرَّى ولا يتقيَّد بالكتاب والسُّنَّة؛ فإذا شكَّ في مقدرته العِلميَّة أو في كونه فَهِمَ المسألةَ وتَصوَّرَها تصوُّرًا صحيحًا دون الْتِباسٍ، ولم تحصل له الثِّقةُ والطُّمأنينةُ فعليه أَنْ يسأل ثانيًا وثالثًا حتَّى تسكن النَّفسُ إلى الصَّواب في نظره، لقوله صَلَّى اللهُ عليه وآلِهِ وسَلَّم لمَّا سأله أبو ثعلبة الْخُشَنِيُّ رضي الله عنه: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنِي بِمَا يَحِلُّ لِي وَيُحَرَّمُ عَلَيَّ»، قَالَ: فَصَعَّدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَوَّبَ فِيَّ النَّظَرَ، فَقَالَ: «الْبِرُّ: مَا سَكَنَتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَالْإِثْمُ: مَا لَمْ تَسْكُنْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَلَمْ يَطْمَئِنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَإِنْ أَفْتَاكَ الْمُفْتُونَ»(٦)، وعَنْ وَابِصَةَ الْأَسَدِيِّ رضي الله عنه قَالَ له رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا وَابِصَةُ، اسْتَفْتِ قَلْبَكَ وَاسْتَفْتِ نَفْسَكَ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، «الْبِرُّ: مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَالْإِثْمُ: مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ»(٧)، وعن النوَّاس بنِ سمعان الكِلابيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْبِرُّ: حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ: مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ»(٨)، فإِنْ لم يجد مَنْ يستفتِيهِ فالواجبُ أَنْ يتَّقيَ اللهَ قَدْرَ الاستطاعة لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَا[البقرة: ٢٨٦]، وقولِه تعالى ـ أيضًا ـ: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَا[الطلاق: ٧].

والأحوط للمستفتي ـ إذا تجدَّدت الحادثةُ التي ابتُلِيَ بحُكمها ـ أَنْ يسألَ المُفتيَ مرَّةً أخرى، لاحتمالِ أَنْ يكون المُفتي قد غيَّرَ اجتهادَه، أو وجودِ وصفٍ في الحادثةِ الثانية يؤثِّر في حُكمها ويجعله مباينًا لحكم الحادثة الأولى، ظنًّا منه أنَّ حكمَها واحدٌ؛ والواقعُ أنَّ لها حكمًا يخصُّها مخالفًا للحكم الأوَّلِ.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٢ مِنْ جمادى الآخرة ١٤٤٤ﻫ
المُـوافــــــق ﻟ: ٠٤ جانــــفي ٢٠٢٣م



(١) «إعلام الموقِّعين» لابن القيِّم (١/ ١٠).

(٢) أخرجه أبو داود في «العلم» باب الحثِّ على طلب العلم (٣٦٤١)، والترمذيُّ في «العلم» بابُ ما جاء في فضل الفقه على العبادة (٢٦٨٢)، وابنُ ماجه في «افتتاح الكتاب في الإيمان وفضائلِ الصحابة والعلم» بابُ فضلِ العلماء والحثِّ على طلب العلم (٢٢٣)، مِنْ حديثِ أبي الدرداء رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٦٢٩٧).

(٣) «مفتاح دار السَّعادة» لابن القيِّم (١/ ٦٦).

(٤) أخرجه الترمذيُّ في «الزهد» (٢٣١٧)، وابنُ ماجه في «الفِتَن» بابُ كفِّ اللِّسان في الفتنة (٣٩٧٦)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

وأخرجه مالكٌ في «الموطَّإ» ـ ت. فؤاد عبد الباقي ـ (٢/ ٩٠٣)، والترمذيُّ في «الزهد» (٢٣١٨) مِنْ حديثِ عليٍّ السَّجَّاد زَيْنِ العابدين ابنِ الحسين بنِ عليٍّ مُرسَلًا.

وأخرجه أحمد في «مُسنَده» (١٧٣٧)، مِنْ حديثِ حسين بنِ عليٍّ رضي الله عنهما.

وحسَّنه النَّوويُّ في «الأذكار» (٥٠٩)، وصحَّحه أحمد شاكر في تحقيقه ﻟ: «مسند أحمد» (٣/ ١٧٧)، والألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٥٩١١).

(٥) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «المظالم والغصب» بابُ إثمِ مَنْ خاصم في باطلٍ وهو يعلمه (٢٤٥٨)، ومسلمٌ في «الأقضية» (١٧١٣)، مِنْ حديثِ أمِّ سلمة هند بنتِ أبي أُمَيَّةَ رضي الله عنها.

(٦) أخرجه أحمدُ في «مُسنَده» (١٧٧٤٢) مِنْ حديثِ أبي ثعلبةَ الخُشَنيِّ رضي الله عنه؛ وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٢٨٨١).

(٧) أخرجه أحمد في «مُسنَده» (١٨٠٠٦)، والدارميُّ في «سُنَنه» (٢٥٧٥)، مِنْ حديثِ وابصةَ بنِ مَعبَدٍ الأسديِّ رضي الله عنه؛ وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٩٤٨).

(٨) أخرجه مسلمٌ في «البِرِّ والصِّلَة والآداب» (٢٥٥٣) مِنْ حديثِ النوَّاس بنِ سمعان العامريِّ الكلابيِّ رضي الله عنه.