في أحكامِ قصرِ المسافر صلاتَه | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 8 شوال 1445 هـ الموافق لـ 17 أبريل 2024 م

الفتوى رقم: ١٣٣٥

الصنف: فتاوى الصلاة ـ صلاة السفر

في أحكامِ قصرِ المسافر صلاتَه

السؤال:

يسكن رجلٌ بمدينةِ «سطيف»، وقد نزل بمدينة «الجزائر العاصمة» للعمل، كما أنَّه يقضي أيَّامًا معلومةً في فِرنسا، فماذا يترتَّب عليه في تلك الفترة بخصوص قصر الصَّلاة؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلامُ على مَن أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فلا خلافَ في أنَّ المُسافرَ يجوز له أَنْ يَقصُر الصَّلاةَ بعد مفارقةِ عُمرانِ بلدته(١)، كما يجوز له أَنْ يستمرَّ على قصره ما دام المُسافرُ يضرب في الأرض مهما طالت مُدَّةُ سَيرِه في الطَّريق، غيرَ أنَّه إذا حلَّ في البلدِ الَّذي أراد أَنْ يُقيمَ فيه مدَّةَ العملِ مِنْ غير استقرارٍ، أو لحاجةٍ ينتظر قضاءَها ولم يَنْوِ الإقامةَ الدَّائمة فيه، وهو لا يَشْعُرُ بالطُّمأنينةِ والاستقرارِ؛ فهذه المسألةُ محلُّ اختلافٍ بين الفقهاءِ، وقد سبَقَ لي وأَنْ بيَّنتُ الرَّاجحَ مِنْ أقوال أهل العلم في فَتْويَيْن سابقتين(٢)، مَفادُهما: أنَّ المسافرَ إذا أقامَ ببلدٍ غيرِ بلده مهما كانت مسافةُ ما بينهما فإنَّ حُكمَهُ القَصرُ ولو أقامَ مُدَّةً طويلةً تفوقُ مدَّةَ القَصر المُختلَفِ في تحديدها بين العلماء لعدم الدليل على التحديد ولِتَضاربِ الاحتجاج بوقائع الأعيان التي قصَرَ فيها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم على التَّحديد، لأنَّ الصحيحَ أنه لا توجد مدَّةُ قصرٍ ولا مسافةُ قصرٍ، فلا دليلَ على التحديد، والتقييد غيرُ سالمٍ مِنَ المعارضة، وذلك ما لم يُصَلِّ وراءَ إمامٍ مُقيمٍ أو يَنْوِ استيطانَ البلد الذي سافَرَ إليه، وبهذا قال إسحاقُ بنُ راهويه، ورُوِيَ هذا عن ابنِ عُمَرَ وأنسٍ رضي الله عنهم وغيرِهما(٣)؛ لأنَّ أحاديثَ قَصرِ النَّبي صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم تدلُّ على أنَّ حقيقةَ المسافرِ لا تتعلَّق بمُدَّةٍ محدودةٍ، وإنَّما قصَرَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم في مُدَدٍ مختلفةٍ لِمُجرَّد أنَّه كان مسافرًا ليس إلَّا، ودون تقييدٍ بمسافةٍ أو مدَّةٍ، لأنه ليس في النصوص تحديدٌ للمسافة التي لا يصحُّ القصرُ في أقلَّ منها ما دام خرَجَ مِنْ بلدٍ إلى بلدٍ، ولا لمدَّةِ السَّفرِ التي لا يصحُّ القصرُ في أكثرَ منها، قال ابنُ قدامة ـ رحمه الله ـ: «والثاني: أنَّ التقدير بابُه الوقفُ؛ فلا يجوز المصيرُ إليه برأيٍ مجرَّدٍ، سيَّما وليس له أصلٌ يُرَدُّ إليه ولا نظيرٌ يُقاسُ عليه، والحجَّةُ مع مَنْ أباحَ القَصْرَ لكُلِّ مسافرٍ»(٤)، وأمَّا الرِّواياتُ المحدِّدةُ للقصرِ باليوم أو اليومين أو الثلاثة فلم يصحَّ منها شيءٌ ألبتَّةَ، على ما ذكَرَه ابنُ القيِّم(٥) ـ رحمه الله ـ، ولأنَّ الإقامةَ المؤقَّتةَ لا تخرج عن حكمِ السَّفر سواءٌ طالَتْ أم قَصُرَتْ إذا لم يَسْتوطِنِ المكانَ، وقد نَقَلَ ابنُ قدامة عن ابنِ المنذر ـ رحمهما الله ـ إجماعَ أهلِ العلمِ «أنَّ للمسافرِ أَنْ يَقْصُرَ ما لم يُجْمِعْ إقامةً وإِنْ أتى عليه سِنُونَ»(٦)؛ وذلك لأنه ليس في كتابِ اللهِ وسُنَّةِ رسوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلَّا مُقيمٌ ومسافرٌ كما قال تعالى: ﴿يَوۡمَ ظَعۡنِكُمۡ وَيَوۡمَ إِقَامَتِكُمۡ [النحل: ٨٠]، والمقيمُ هو المُسْتوطِنُ الذي اتَّخَذَ مَسْكَنًا يَنْوِي الإقامةَ فيه مُطْمَئِنًّا؛ فهذا لا يُشْرَعُ له القَصْرُ.

وعليه، فإِنْ كان خروجُه ابتداءً مِنْ مدينةِ «سطيف» التي هي مُستقَرُّه الأصليُّ على أملِ أَنْ يرجع إليها بعد مُدَّةِ إقامتِه في «الجزائر العاصمة» و«فِرنسا» اللَّتَيْن اتَّخذهما منزلًا لِمُدَّة العمل والحاجة أو غيرِهما مِنَ الأسباب المباحة بصورةٍ مؤقَّتةٍ فإنَّ كِلَا البلدين [الجزائر العاصمة وفِرنسا] يُعَدَّان بالنِّسبة إليه مكانَ إقامةٍ مُؤقَّتةٍ؛ لأنَّه لا ينوي البقاءَ فيهما بصورةٍ دائمةٍ ومستمرَّةٍ، بينما نِيَّته في الاستقرار بمدينة «سطيف» هي بصورةٍ دائمةٍ، وهي البلد الذي لا تجري فيه أحكام السَّفر بالنسبة إليه؛ فإِنْ غيَّر هذه النِّيَّةَ، بحيث انتقل إلى مدينة «الجزائر العاصمة» وأراد ـ مثلًا ـ أَنْ يقيم فيها بصورةٍ مُستقرَّةٍ ودائمةٍ فإنَّه يُتِمُّ صلاتَه فيها، ولا تجري فيها ـ عندئذٍ ـ أحكامُ السَّفر.

علمًا أنَّه إذا كان مُقيمًا بصورةٍ مُؤقَّتةٍ في أيٍّ مِنَ البَلَدَينِ كان فإنَّه يُتِمُّ صلاتَه إذا صَلَّى وراءَ إمامٍ مُقيمٍ إمَّا بالأصالة لكون الإمامِ مُستوطنًا، وإمَّا يكون غيرَ مُقيمٍ يُتِمُّ صلاتَه عن تأويلٍ أخذًا بالأقوال الأخرى في المسألة.

هذا، وحريٌّ بالتَّنبيه أنَّه لا ينبغي اتِّخاذُ بلادِ الكُفرِ موطنًا له بصورةٍ دائمةٍ، وإنَّما سفرُه إليها وإقامتُه فيها يجب أَنْ يكون وَفْقَ شروطٍ وضوابطَ ذُكِرَتْ مُفصَّلةً في فتوَى وكلمةٍ شهريَّةٍ على موقعي الرَّسميِّ(٧).

كما أنَّه ـ مِنْ جهةٍ ثانيةٍ ـ فإنَّ زوجةَ المُسافر وأولادَه يأخذون حُكمَه إذا سافرُوا معَه، لكونهم تبعًا له فيه وَفقًا لقاعدةِ: «التَّابعُ تابعٌ».

ومِنْ جهةٍ ثالثةٍ، فإِنْ عدَّد بزوجةٍ أخرى ـ مثلًا ـ وأقام معها في مدينةِ «الجزائر العاصمة» على صفة الاستقرار فإنَّه يُتِمُّ صلاتَهُ في كِلَا البَلْدَتين ولا تلحقُهُ أحكامُ السَّفرِ في أيٍّ منهما، بل الواجبُ عليه أَنْ يُتِمَّ في كُلٍّ منهما صلاتَه ما دامت نِيَّتُهُ ـ في كُلٍّ منهما ـ دوامَ البقاءِ والاستقرارَ؛ والمَسافةُ التي يقطعها مِنْ بلدِ الإقامة إلى بلد الإقامة الآخَرِ يَقصُر فيها وفي غيرها مِنَ المَنازِل والمَحطَّات.

والعلمُ عند الله تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٩ جمادى الآخرة ١٤٤٤هـ
المُوافـــق ﻟ: ١ جانفي ٢٠٢٣م



(١) انظر: «الإجماع» لابن المنذر (٢٧)، «المغني» لابن قدامة (٢/ ٢٦٠)؛ قال النَّووي في «شرحه على مسلم» (٥/ ٢٠٠): «وحُكي عن عطاءٍ وجماعةٍ مِن أصحابِ بن مسعودٍ أنَّه إذَا أراد السَّفرَ قَصَرَ قبلَ خروجِه، وعن مجاهدٍ أنَّه لا يقصرُ في يوم خروجِه حتَّى يدخلَ اللَّيلُ وهذه الرِّواياتُ كلُّها منابذةٌ للسُّنَّةِ وإجماعِ السَّلفِ والخَلَفِ».

(٢) انظر: الفتوى رقم: (٥٦) الموسومة بعنوان: «في المدَّة التي يَقصُر المسافرُ فيها الصلاة»، والفتوى رقم: (٥٧) الموسومة بعنوان: «في تحديد مسافة القَصْر» على موقعي الرَّسميِّ.

(٣) انظر: «المجموع» للنووي (٤/ ٣٦٥).

(٤) »المغني» لابن قدامة (٢/ ٢٥٨).

(٥) انظر: «زاد المَعاد» لابن القيِّم (١/ ٤٨١)

(٦) انظر: «المغني» لابن قدامة (٢/ ٢٩٢).

(٧) انظر: الفتوى برقم: (٧٣٣) الموسومة بعنوان: «في شروط السفر إلى بلاد الكفر».

وفي الكلمة الشهريَّة رقم: (٨٥) الموسومة بعنوان: «نصيحةٌ إلى مُقيمٍ في بلاد الكفر» في الموقع الرسميِّ.