في حكم المُوالاة بين أشواط السَّعي | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأحد 12 شوال 1445 هـ الموافق لـ 21 أبريل 2024 م

الفتوى رقم: ١٣٤٧

الصنف: فتاوى الحجِّ ـ الطواف والسعي

في حكم المُوالاة بين أشواط السَّعي

السؤال:

اعتمرت امرأةٌ عزباءُ مع أهلها، وفي الشوط السابع مِنَ الطَّواف انتقض وضوؤُها، وكان الزِّحامُ شديدًا، فأوقفت عُمرَتَها على تلك الحال، ثمَّ أعادت ـ قبل الفجر ـ الطَّوافَ والسَّعيَ مِنْ جديدٍ، ولكنَّها ـ وفي أثناءِ سعيِها بين الصَّفا والمَروة ـ توقَّفت عند آخرِ شوطٍ بجانب المَروة قَدْرَ ما صَلَّت ركعتين وتفرَّغت للدُّعاء استغلالًا لبَرَكةِ وقتِ آخرِ ساعةٍ مِنَ اللَّيلِ والحديثِ مع مُرافِقاتِها، ثمَّ واصلت سعيَها، وكان بين سعيِها وانقطاعِها للصَّلاة والدُّعاء والحديثِ ما يُقارِب رُبعَ ساعةٍ؛ وبعد سفرِها إلى بلدها فَرِحةً مُنشرِحةَ الصَّدر ظنًّا منها أنَّها أصلحت عُمرَتَها، قرأَتْ فتوَى فحواها أنَّ الموالاةَ شرطٌ ولا يصحُّ السَّعيُ بدونها، ومِنْ ذلك اليومِ وهي في حيرةٍ وقلقٍ مِنْ فسادِ عُمرتِها، وتنتابُها شكوكٌ عن عدمِ تحلُّلِها مِنْ نُسكِ العُمرةِ.

فهل يُؤثِّر ما سبَقَ على صِحَّةِ سعيِها وعُمرتِها؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فقبل الجواب على السؤالِ فإنَّه ينبغي التَّنبيه إلى أنَّ المختارَ ـ عندي ـ في حكمِ الطَّهارةِ منَ الحدثِ في الطَّواف أنَّه مستحَبٌّ وليس بواجبٍ على أصَحِّ أقوال أهل العلمِ خلافًا للجمهور، وهو ما بيَّنتُه في الفتوى رقم: (٧٠٦) على الموقع الرَّسمي، والموسومة ﺑ: «في حكم الطَّهارة للطَّواف».

وبناءً على هذا القولِ كان حريًّا بهذه المرأة أَنْ تُتابعَ طوافَها وتستتِمَّه؛ ولو بعد انتقاضِ وضوئِها، وخاصَّة أنَّه تعذَّر عليها تجديدُ الوضوءِ للحَرَجِ وشدَّةِ الزِّحامِ.

وأمَّا بخصوصِ عُمرتِها فالظَّاهر أنَّها تامَّةٌ وصحيحةٌ على أرجحِ قولَيِ العلماءِ، لأنَّ المُوالاةَ بين أشواط السَّعي غيرُ مشروطةٍ، بل هي سُنَّةٌ مُستحَبَّةٌ وليست واجبةً، لانتفاء الدَّليل على وجوبها على الأصحِّ، ولأنَّ السَّعيَ نُسكٌ لا يتعلَّق بالبيتِ فلم تُشترَط له الموالاةُ قياسًا على الرَّميِ والحِلاقِ، وهو مذهبُ الحنفيَّةِ والشَّافعيَّةِ وروايةٌ عن أحمدَ(١)، سواءٌ كان لعذرٍ أم لغيرِ عذرٍ؛ خلافًا لمذهبِ المالكيَّةِ والحنابلةِ(٢): القائلين بوجوبِ الموالاةِ بين أشواطِ السَّعيِ، مع اختلافِهم في إجزاءِ الفصلِ الكثيرِ بين أشواطِ السَّعيِ ودورانِه بين العُذرِ وعدمِه؛ وعُمدتُهم في ذلك القياسُ على اشتراطِ الموالاةِ بين أشواطِ الطَّوافِ؛ ولا يخفى أنَّه قياسٌ فاسدٌ لظهورِ الفارقِ بين المقيسِ والمقيسِ عليه لكونِ الطَّوافِ صلاةً متعلِّقةً بالبيتِ، فلذلك اشتُرِط للطَّوافِ الموالاةُ كما تُشترَطُ له الطَّهارةُ والسِّتارةُ بخلاف السَّعيِ فافتَرقا.

وأمَّا الفَصلُ اليَسيرُ ـ كما هو شأنُ السَّائلةِ ـ فلا يضرُّ عند جميع المذاهبِ سواءٌ ممَّنْ قال بالوجوبِ أو ممَّنْ قال بالاستحبابِ وسواءٌ كان لعذرٍ أو لغير عذرٍ، فلا حرَجَ فيه عند الجميع.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٥ مِنَ المحرَّم ١٤٤٥ﻫ
الموافق ﻟ: ١٢ أغـسطس ٢٠٢٣م



(١) انظر: «المغني» لابن قدامة (٥/ ٢٤٨، ٢٤٩)، «المجموع» للنووي (٨/ ٧٩)، «الإنصاف» للمرداوي (٤/ ٢١)، «حاشية رد المحتار» لابن عابدين (٢/ ١٦٨).

(٢) انظر: «المغني» لابن قدامة (٥/ ٢٤٨)، «المجموع» للنووي (٨/ ٧٩)، «الذخيرة» للقرافي (٣/ ٢٥١).