في الاختلاف في اعتبار الخالِ وليًّا شرعيًّا في الزَّواج | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 18 ذي الحجة 1445 هـ الموافق لـ 24 يونيو 2024 م

الفتوى رقم: ١٣٥٠

الصنف: فتاوى الأسرة ـ عقد الزواج ـ إنشاء عقد الزواج

في الاختلاف في اعتبار الخالِ وليًّا شرعيًّا في الزَّواج

السؤال:

بالاختصار المفيدِ، هل الخالُ يُعتبَر وليًّا شرعيًّا في النِّكاحِ؟ وجزاكم اللهُ خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فمذهبُ جماهيرِ أهل العلمِ مِنَ السَّلفِ والخلفِ، وهو مذهبُ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ وأهلِ الظاهر: اشتراطُ الوليِّ لصِحَّةِ النِّكاح، وأنَّ إذنَه مُعتبَرٌ، خلافًا لأبي حنيفةَ(١)، ومِنْ أَصْرَحِ الأدلَّة على شرطيَّتِه: قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ»(٢)، وقولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ـ ثَلَاثًا ـ وَلَهَا مَهْرُهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَإِنَّ السُّلْطَانَ وَليُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ»(٣).

إلَّا أنَّ العلماءَ الذين يشترطون الوليَّ لصِحَّةِ النِّكاحِ يختلفونَ فيما بينهم في تحديد الوليِّ الذي تتخلَّف صِحَّةُ النِّكاحِ بِتَخلُّفِ موافقتِه وإذنِه، فعند الجمهورِ الولايةُ في النِّكاح خاصَّةٌ بالعَصَباتِ، وهم القَرابةُ مِنْ جهةِ الأب، وتَرتيبُهم في أحقِّيَّة الولاية في النِّكاح كترتيبهم في جهة العَصَبات في الإرث(٤).

والذي عليه أبو حنيفةَ في روايةٍ وطائفةٌ مِنَ المحقِّقين: أنَّ الوليَّ في النِّكاح غيرُ محصورٍ بالعَصَبات، بل يجوز لِغيرِهم مِنْ أصحاب السِّهام وذوي الأرحام كابنِ البنت، والعمِّ للأمِّ، والخال، أَنْ يتولَّوْا تزويجَ مُولِّيَتِهم، ولو مع وجودِ مَنْ هو أَقرَبُ إلى البنت منهم نسبًا(٥).

علمًا أنَّه ليسَ مع الجمهور دليلٌ مُعتبَرٌ قويٌّ سوى ما يُروَى عنه صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه قال: «النِّكَاحُ إِلَى الْعَصَبَات»، وقد قال عنه ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ: «لم أَجِدْه»(٦)، ولو صحَّ فهو محمولٌ على الأولويَّة لا على الشرطيَّة.

وثَمَّةَ للجمهورِ مُستنَدٌ عقليٌّ متمثِّلٌ في أنه ما دام أنَّ الرَّأيَ وتدبيرَ القبيلةِ وصيانتَها عمَّا يُوجِبُ العارَ والشَّيْنَ هو إلى أهل العَصَبات، فهُم الذين يحرّزون(٧) في أمر النكاح وهم مُستعِدُّون له، فكانوا هم الأحقَّ بالولاية.

وهذا النظرُ مُقابَلٌ بنظرٍ آخَرَ لا يَقِلُّ عنه أهمِّيَّةً وهو أنَّ العارَ والغضاضةَ(٨) في عدم تزويج البنت أو في تزويجها مِنْ غيرِ كُفءٍ أو في اقترافها لفاحشةٍ كما تلحق الغضاضةُ العَصَباتِ فكذلك تلحق قرابتَها مِنْ جهة الأمِّ، فليسوا أخصَّ بتزويجها منهم ما داموا مُشترِكين في لحوق الغضاضة، وإِنْ كانوا يتفاوتون في درجتها. 

كما أنَّ مُطلَقَ القرابةِ الحاملةِ على الشفقة في حقِّ القريب داعيةٌ إليها، وقد يكون هذا المعنى في ذوي الأرحام أَظهَرَ منه في أهل العَصَبات.

قال صدِّيق حسن خان ـ رحمه الله ـ: «أقول: الذي ينبغي التعويلُ عليه ـ عندي ـ  هو أَنْ يقال: إنَّ الأولياءَ هم قرابةُ المرأة الأدنى فالأدنى الذين يلحقهم الغضاضةُ إذا تزوَّجَتْ بغيرِ كفءٍ وكان المزوِّجُ لها غيرَهم، وهذا المعنى لا يختصُّ بالعَصَبات، بل قد يوجد في ذوي السِّهام كالأخ لأمٍّ وذوي الأرحام كابن البنت، وربَّما كانت الغضاضةُ معهما أشدَّ منها مع بني الأعمام ونحوِهم، فلا وجهَ لتخصيص ولاية النكاح بالعَصَبات كما أنه لا وجهَ لتخصيصها بمَنْ يَرِثُ، ومَنْ زعَمَ ذلك فعليه الدليلُ أو النقلُ بأنَّ معنى الوليِّ في النكاح شرعًا أو لغةً هو هذا»(٩).

ويتأيَّد مذهبُ الموسِّعين في وليِّ النكاح بعمومِ قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُواْ ‌ٱلۡأَيَٰمَىٰ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰلِحِينَ مِنۡ عِبَادِكُمۡ وَإِمَآئِكُمۡ[النور: ٣٢]، فليس في الآية فصلٌ بين العَصَبات وغيرِهم.

كما أنَّ تحقيقَ معنَى «الوليِّ» في النصوص الشرعيَّةِ شاملٌ ـ بمعناه اللغويِّ ـ قرابةَ الأمَّهات(١٠).

وبناءً عليه فالخالُ يصحُّ تولِيَتُه في النكاح، والعقدُ صحيحٌ إذا عقَدَه ولو كان للمرأةِ وليٌّ مقدورًا عليه هو أَوْلى بها منه، وكذلك يصحُّ تولِيَةُ الخالِ في النِّكاح إذا أَذِن له الوليُّ الأقرَبُ أو أجاز إنكاحَه.

هذا؛ وجديرٌ بالتَّنبيه أنَّه ليس للمرأة أَنْ تتخيَّر مِنْ أوليائها مَنْ يُسوِّغ لها التَّزوُّجَ ممَّنْ ليس بكفءٍ لها، إذا عزَفَ عن تزويجها أَقرَبُ العَصَباتِ لأسبابٍ شرعيَّةٍ مُعتبَرةٍ، ما لم يكن العضلُ صدَرَ عن ظلمٍ وهضمٍ لحقِّها(١١).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٣٠ ذي الحِجَّة ١٤٤٤ﻫ
المُـوافق ﻟ: ١٨ يـوليو ٢٠٢٣م



(١) انظر: «المحلَّى» لابن حزم (٩/ ٤٥١)، «بداية المجتهد» لابن رشد (٢/ ٨)، «المغني» لابن قدامة (٦/ ٤٤٨)، «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٣٢/ ١٩، ١٠٢)، «فتح القدير» لابن الهُمام (٢/ ٣٩١).

(٢) أخرجه أبو داود في «النكاح» بابٌ في الوليِّ (٢٠٨٥)، والترمذيُّ في «النكاح» بابُ ما جاء: لا نكاحَ إلَّا بوليٍّ (١١٠١)، وابنُ ماجه في «النكاح» باب: لا نكاحَ إلَّا بوليٍّ (١٨٨١)، وأحمد (١٩٥١٨، ١٩٧١٠، ١٩٧٤٦)، مِنْ حديثِ أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه. والحديث صحَّحه ابنُ الملقِّن في «البدر المنير» (٧/ ٥٤٣)، والألبانيُّ في «الإرواء» (٦/ ٢٣٥) رقم: (١٨٣٩).

(٣) أخرجه أبو داود في «النكاح» بابٌ في الوليِّ (٢٠٨٣)، والترمذيُّ في «النكاح» (١١٠٢)، وابنُ ماجه في «النكاح» باب: لا نكاح إلَّا بوليٍّ (١٨٧٩)، وأحمد (٢٥٣٢٦)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها. وحسَّنه ابنُ حجرٍ في «موافقة الخُبرِ الخَبَرَ» (٢/ ٢٠٥)، وصحَّحه ابنُ الملقِّن في «البدر المنير» (٧/ ٥٥٣)، والألبانيُّ في «الإرواء» (٦/ ٢٤٣) رقم: (١٨٤٠)، ومقبلٌ الوادعيُّ في «الصحيح المُسْنَد» (١٦٢٨).

وانظر بالموقع الرسميِّ الفتوى رقم: (١٠١٢) وعنوانها: «في أركان النكاح وشروطِ صِحَّته».

(٤) العَصَبة بالنفس: كُلُّ ذَكرٍ قريبٍ للمتوفَّى، أدلى إلى الميِّت بمحض الذكورة، وهم أربعُ جهاتٍ مقدَّمٌ بعضُها على بعضٍ:

ـ جهة البُنوَّة: كالابن وابنِ الابن مهما نزَلَ.

ـ جهة الأبوَّة: وهي جزءُ أبي الميِّت أي: أبوه وإِنْ علا مِنْ جهةِ الذُّكور. [مع اختلافهم في تقديم جهة البُنُوَّة على جهة الأبوَّة].

ـ جهة الأُخوَّة: كالأخ الشقيق أو لأبٍ، وابنِ الأخ الشقيق أو لأبٍ مهما نزَلَ درجةً بعد درجةٍ مِنْ جهةِ الأبناء الذكور.

ـ جهة العمومة: كالعمِّ الشقيق ثمَّ لأبٍ، وبعدهما ابنُ العمِّ الشقيق ثمَّ لأبٍ مهما نزَلَ درجةً بعد درجةٍ مِنْ جهة الأبناء الذكور.

وتُقدَّم جهةُ البنوَّة على جهةِ الأبوَّة، وجهةُ الأبوَّة على جهة الأخوَّة، وجهةُ الأخوَّة على جهة العمومة، ويُقدَّمُ الأقرَبُ درجةً على الأبعد.

(٥) انظر: «الأمَّ» للشافعي (٥/ ١٤)، «المحلَّى» لابن حزم (٩/ ٤٥١)، «المبسوط» للسرخسي (٤/ ٢١٢ وما بعدها)، «بدائع الصنائع» للكاساني (٢/ ٢٤٠)، «المغني» لابن قدامة (٧/ ١٦).

(٦) «الدراية في تخريج أحاديث الهداية» لابن حجر (٢/ ٦٢).

(٧) حَرَّزَ الشَّيْءَ: بَالَغَ في حِفْظه. انظر: «مقاييس اللغة» لابن فارس (٢/ ٣٨)، و«المعجم الوسيط» (١٦٦).

(٨) الغَضاضةُ: الذِّلَّة والمنقصة وَالْعَيْبُ؛ يُقَال: «لَا غَضَاضَةَ عَلَيْك فِي هَذَا الْفِعْل» [«المعجم الوسيط» (٢/ ٦٥٤)].

(٩) «الروضة النديَّة» لصِدِّيق حسن خان (٢/ ١٢).

(١٠) انظر: «مقاييس اللغة» لابن فارس (٦/ ١٤١)، «لسان العرب» لابن منظور (١٥/ ٤١٠).

(١١) انظر الفتوى رقم: (٧٥٧) الموسومة ﺑ: «في عَضْل الوليِّ موَلِّيته مِن الزواج مِن كفءٍ» على الموقع الرَّسميِّ.