في استواءِ فَضلِ المسحِ على الخُفَّين بغَسلِ الرِّجلين في خروج الخطايا | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 17 شعبان 1445 هـ الموافق لـ 27 فبراير 2024 م

الفتوى رقم: ١٣٦٤

الصنف: فتاوى الطهارة ـ الوضوء

في استواءِ فَضلِ المسحِ على الخُفَّين
بغَسلِ الرِّجلين في خروج الخطايا

السؤال:

جاء في فضلِ الوضوءِ: قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «.. فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مَعَ الْمَاءِ ـ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ ـ حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ»(١)، فهل مَنْ مسَحَ على الخُفَّيْن يحصلُ له هذا الفضلُ؟ أم هو خاصٌّ بمَنْ غسَلَ رِجلَيْهِ فقط دون مَنْ مسَحَ عليهما أو تَيمَّم؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالظَّاهر أنَّ الفضلَ الواردَ في الوضوءِ ليس قاصرًا على غَسْلِ الرِّجلين بالماءِ، لأنَّ المسحَ على الخُفَّينِ لا يصحُّ إلَّا بغَسْلِ الرِّجلينِ مِنْ طهارةٍ مائيَّةٍ، كما أنَّ الفضلَ المذكورَ في تمامِ الحديثِ حاصلٌ بأصلِ الفِعلِ وهو: الوُضوءُ والغَسْلُ أي: غَسْلُ الرِّجلين فيه أو ببدلَيْه وهما: التَّيمُّمُ والمسحُ على الخُفَّين بشروطِهما، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ»(٢)، فسَمَّاهُ: وَضوءًا كما سمَّاهُ: طيِّبًا، وفي الرِّوايةِ الأخرى سمَّاهُ: طَهورَ المسلم؛ فما حصَلَ بالوُضوء والغَسْل حصَلَ بالتَّيمُّم والمسحِ بشرطَيْهما، ومعلومٌ أنَّه لا يحصلُ على الأجر المذكورِ مَنْ غَسَلَ رِجلَه دون وُضوءٍ، كما لا يحصل عليه كاملًا بمُجرَّدِ غَسْلِ الرِّجل إذا ما كان في وُضوءٍ أساءَهُ صاحِبُه؛ لمفهومِ قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «صَلَاةُ الجَمِيعِ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَصَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وَأَتَى المَسْجِدَ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْهُ خَطِيئَةً، حَتَّى يَدْخُلَ المَسْجِدَ، وَإِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ كَانَ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَتْ تَحْبِسُهُ، وَتُصَلِّي ـ يَعْنِي: عَلَيْهِ المَلَائِكَةُ ـ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ»(٣)، ولا يخفى أنَّه يبعدُ عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أَنْ يَعدِلَ إلى المسحِ على خُفَّيْهِ وعِمامتِه مع قُدرَتِه على غَسْلِ رِجلَيْه لو كان أمرُ غَسْلِ رجلَيْهِ مُفوِّتًا لذلك الفضلِ العظيم.

 وكذلك مَنْ بُتِرَتْ إحدى رجلَيْهِ أو ساقَيْهِ أو كلاهما، فإنَّه إذا توضَّأ أو تيمَّم بالصِّفةِ المأمورِ بها حسَبَ حالِه؛ حصَلَ له الفضلُ المذكورُ ـ أيضًا ـ؛ فالمعذورُ أو المُرخَّصُ له ـ مِنْ جهةِ حصول الأجرِ والثَّوابِ ومِنْ جهةِ عدمِ الإثم ـ له نفسُ حكمِ غيرِ المعذورِ؛ فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَدَنَا مِنَ المَدِينَةِ، فَقَالَ: «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا، مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ»، قَالُوا: «يَا رَسُولَ اللهِ، وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟!» قَالَ: «وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ، حَبَسَهُمُ العُذْرُ»(٤).

وبناءً عليه، فإنَّ مَنْ توضَّأ وصلَّى فإنَّ اللهَ تعالى رتَّب له أجرًا وثوابًا كالذي ورَدَ عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه أنَّه سَمِعَ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: «صَلَاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الفَذِّ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً»(٥)، وعن ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «صَلَاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً»(٦)، فهذا الأجرُ الواردُ في هذين الحديثين مقيَّدٌ بالقيودِ الواردة في حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه المتقدِّمِ، ومنها: حُسْنُ الوضوءِ، وإتيانُ المسجدِ، وأَنْ لا يريدَ بخروجِه إلَّا الصَّلاةَ(٧)، واللهُ سبحانه يضاعفُ الأجرَ لمَنْ يشاء؛ ومَنْ تَيمَّم لعجزٍ أو فقدانِ ماءٍ فله نفسُ الأجرِ المُرتَّبِ على المتوضِّئ غيرِ المعذور، فكذلك مَنْ توضَّأ ومسَحَ على خُفِّه بشرطِه بدلَ غَسْلِ رِجلِه؛ ومثلُه مَنْ كان له عُذرُ السَّفرِ أو المرضِ فإنَّه ينالُ نفسَ أجرِ عبادتِهِ التي كان يواظب عليها مُقيمًا صحيحًا، لقولِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِذَا مَرِضَ العَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا»(٨)، وكذلك يحصل له بِنِيَّتِه وعدمِ تفريطِه ما كان عازمًا عليه ولو لم يكن مُداوِمًا عليه كما دلَّ عليه حديثُ أبي الدَّرداءِ رضي الله عنه: «مَنْ أَتَى فِرَاشَهُ وَهُوَ يَنْوِي أَنْ يَقُومَ فَيُصَلِّيَ مِنَ اللَّيْلِ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ حَتَّى يُصْبِحَ، كُتِبَ لَهُ مَا نَوَى، وَكَانَ ‌نَوْمُهُ ‌صَدَقَةً ‌عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ»(٩).

هذا، ولا يُمكِنُ الاحتجاجُ بما ورَدَ مِنْ فضلِ الوضوءِ على اختيارِ تركِ الأخذِ برُخصةِ المسحِ على الخُفَّيْنِ؛ وأنَّه أفضلُ مِنَ الأخذ بها، لأنَّ الأخذَ بالرُّخَصِ الشَّرعيَّةِ للمعذورِ مُرغَّبٌ فيه شرعًا؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ وابنِ عمر وغيرِهما رضي الله عنهم قالوا: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ»(١٠)، وفي حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ»(١١).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٠٣ جمادى الأولى ١٤٤٥ﻫ
المـوافق ﻟ: ١٦ نـوفـــمبر ٢٠٢٣م



(١) بدايةُ الحديث: أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأ العَبْدُ المُسْلِمُ ـ أَو المُؤْمِنُ ـ فَغَسَلَ وَجْهَهُ، خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ المَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ، فَإذَا غَسَلَ يَدَيْهِ، خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ المَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ..»: أخرجه مسلمٌ في «الطَّهارة» (٢٤٤) بابُ خروجِ الخطايا مع ماء الوضوء، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٢) أخرجه ـ بلفظةِ الوَضوء ـ أبو داود في «الطَّهارة» (٣٣٢، ٣٣٣) باب الجُنُبِ يتيمَّم، والنَّسائيُّ في «الطهارة» (٣٢٢) باب الصَّلوات بتيمُّمٍ واحدٍ. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (١٦٦٧، ٣٨٦٠، ٣٨٦١).

(٣) أخرجه بهذا السِّيَاقِ البخاريُّ في «الصَّلاة» (٤٧٧) باب الصَّلاة في مسجد السُّوق، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٤) أخرجه البخاريُّ في «الجهاد والسِّيَر» (٢٨٣٩) بابُ مَنْ حبَسَه العُذرُ عن الغزو، وفي «المَغازي» (٤٤٢٣) باب، مِنْ حديثِ أنسٍ رضي الله عنه.

وأَخرجَ نحوَه مسلمٌ في «الإمارة» (١٩١١) بابُ ثوابِ مَنْ حبَسَه عن الغزو مرضٌ أو عُذرٌ آخَرُ، مِنْ حديثِ جابرٍ رضي الله عنه.

قال ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ في «فتح الباري» (٦/ ٤٧): «في رواية الإسماعيليِّ مِنْ طريقٍ أخرى عن حمَّاد بنِ زيدٍ: «إلَّا وهُم معكم فيه بالنِّيَّة»، ولابنِ حِبَّان وأبي عَوَانةَ مِنْ حديثِ جابرٍ: «إِلَّا شَرِكُوكُمْ فِي الأَجْرِ» بدلَ قولِه: «إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ»؛ والمرادُ بالعُذر: ما هو أعمُّ مِنَ المرض وعدمِ القدرة على السَّفر؛ وقد رواه مسلمٌ مِنْ حديثِ جابرٍ بلفظ: «حَبَسَهُمُ المَرَضُ»، وكأنَّه محمولٌ على الأغلب».

(٥) أخرجه البخاريُّ في «الأذان» (٦٤٦) بابُ فضلِ صلاة الجماعة.

(٦) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الأذان» (٦٤٥) بابُ فضلِ صلاة الجماعة، ومسلمٌ في «المساجد ومواضعِ الصلاة» (٦٥٠) بابُ فضلِ صلاة الجماعة، وبيانِ التَّشديد في التَّخلُّفِ عنها.

(٧) قال ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ في [«فتح الباري» (٢/ ١٣٥)]: «قوله: «وذلك أَنَّهُ إذا تَوَضَّأَ» ظاهرٌ في أَنَّ الأمورَ المذكورةَ عِلَّةٌ لِلتَّضعيفِ المذكورِ؛ إذ التَّقديرُ: «وذلك لأَنَّه»؛ فكأَنَّهُ يقول: «التَّضعيفُ المذكورُ سَبَبُهُ كَيْتَ وَكَيْتَ»؛ وإذا كان كذلكَ فما رُتِّبَ على موضوعاتٍ مُتَعَدِّدةٍ لَا يُوجدُ بوجودِ بعضها إِلَّا إذا دَلَّ الدَّليلُ على إلغاءِ ما ليس مُعتبَرًا أو ليس مقصودًا لِذاتِه؛ وهذه الزِّيادةُ التي في حديثِ أبي هُريرةَ معقولةُ المَعنَى؛ فالأَخذُ بها مُتَوَجِّهٌ».

(٨) أخرجه البخاريُّ في «الجهاد والسِّيَر» (٢٩٩٦) باب: يُكتَب للمسافر مِثلُ ما كان يعمل في الإقامة، مِنْ حديثِ أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه.

(٩) أخرجه النَّسائيُّ في «قيام اللَّيل وتطوُّعِ النَّهار» (١٧٨٧) بابُ مَنْ أتى فراشَه وهو ينوي القيامَ فنام، وابنُ ماجه في «إقامة الصلاة والسُّنَّةِ فيها» (١٣٤٤) بابُ ما جاء فيمَنْ نام عن حِزبه مِنَ الليل. وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٥٩٤١).

(١٠) أخرجه ابنُ حِبَّان في «صحيحه» (٣٥٤) مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما و(٣٥٦٨) مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما، والطَّبرانيُّ في «المُعجَم الأوسط» (٨٠٣٢) مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها. وصحَّحه الألبانيُّ في «الإرواء» (٣/ ١٣) و«صحيح الجامع» (١٨٨٥).

(١١) أخرجه أحمد في «مُسنَده» (٥٨٦٦، ٥٨٧٣)، وابنُ خزيمة في «صحيحه» (٢٠٢٧)، وابنُ حِبَّان في «صحيحه» (٢٧٤٢). وصحَّحه الألبانيُّ في «الإرواء» (٣/ ٩) و«صحيح الجامع» (١٨٨٦).