في شرط رجوع المُهاجِر إلى بلاد الكفر | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 21 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 20 سبتمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٢٧٥

الصنف: فتاوى العقيدة - الولاء والبراء

في شرط رجوع المُهاجِر إلى بلاد الكفر

السؤال:

أنا أخٌ هاجَرْتُ مِنْ فرنسا إلى الجزائر مع عائلتي منذ سنةٍ، وحتَّى الآن لم أجِدْ عملًا؛ فهل يجوز لي الذهابُ إلى فرنسا لمدَّةٍ أَقْصاها ثلاثةُ أَشْهُرٍ للعمل؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

فالذي ينبغي على المُهاجِرِ الذي تَرَكَ بلدَ الكفرِ لله تعالى إلى بلدِ الإسلام: أَنْ يُخْلِصَ نيَّةَ هجرته لله تعالى؛ نصرةً لدِينِه وفرارًا به مِنَ الفِتَن ـ أوَّلًا ـ لأنَّ دِينَه في تَناقُصٍ بين أَظْهُرِ الكُفَّار، خاصَّةً إِنْ كان مُسْتَضْعَفًا، وأَنْ يكون المقصودُ مِنْ هجرته ـ ثانيًا ـ احتسابَ الأجرِ والمثوبةِ مِنَ الله تعالى، لا لغَرَضِ تحقيقِ مَصالِحَ دنيويةٍ والبحثِ عن سُبُلِ الرزقِ والتوسُّعِ فيه، إلَّا بالقَدْرِ الذي تَتحقَّقُ فيه إقامةُ العبادةِ والنصرةُ لدِينِه، وَقَدْ وَعَدَ اللهُ تعالى مَنْ هاجَرَ قاصدًا ـ حقيقةً ـ ربَّه ورِضاهُ ومحبَّةَ رسولِه ونصرةَ دِينِه دون أيِّ مَقْصِدٍ دنيويٍّ أو غرضٍ نفعيٍّ أَنْ يُكَمِّلَ إيمانَه ويَتكفَّلَ اللهُ له برِزْقِه ويزيدَه مِنْ فَضْلِه، قال تعالى: ﴿وَمَن يُهَاجِرۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُرَٰغَمٗا كَثِيرٗا وَسَعَةٗ[النساء: ١٠٠].

هذا، وإذا تَقَرَّرَ ذلك فلا يجوز للمُهاجِرِ أَنْ يعود مِنْ مَهْجَرِه إلى بلدِ الكفر ليَسْكُنَ فيه مُجدَّدًا مِنْ غيرِ عذرٍ شرعيٍّ؛ ففاعِلُ ذلك آثمٌ وصاحِبُه ملعونٌ؛ لارتكابه لكبيرةٍ مِنْ كبائرِ الذنوب تنقض ما تَرَكَهُ للهِ تعالى، ويدلُّ على ذلك حديثُ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه مرفوعًا: «آكِلُ الرِّبَا وَمُوكِلُهُ وَكَاتِبُهُ وَشَاهِدَاهُ إِذَا عَلِمُوا بِهِ، وَالوَاشِمَةُ وَالمُسْتَوْشِمَةُ لِلْحُسْنِ، وَلَاوِي الصَّدَقَةِ، وَالمُرْتَدُّ أَعْرَابِيًّا بَعْدَ هِجْرَتِهِ: مَلْعُونُونَ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ القِيَامَةِ»(١)، قال ابنُ الأثير ـ رحمه الله ـ في مَحَلِّ الشاهد: «وكان مَنْ رَجَعَ بعد الهجرةِ إلى مَوْضِعه ـ مِنْ غيرِ عذرٍ ـ يَعُدُّونه كالمُرْتَدِّ»(٢).

هذا، ويخرج مِنَ النهيِ السابقِ بيانُه: كُلُّ معذورٍ دَفَعَتْهُ الضرورةُ أو دَعَتْهُ الحاجةُ إلى الإقامةِ بقَدْرِها في بلاد الكفر؛ استثناءً مِنَ الأصل المقرَّر: كالعلاج والتجارةِ المُباحةِ ونحوِ ذلك، وهو عارفٌ بدِينِه، آمنٌ عليه، قادرٌ على الجهر بشعائرِه على سبيل الكمال، مع قدرته على الوَلاءِ والبَراء؛ فإنه يجوز له ذلك.

أمَّا إذا لم يَأْمَنْ على دِينِه، أو لا يستطيعُ إظهارَ شعائرِ الإسلامِ على وجهِ التمام، أو ليس له علمٌ يَقِي نَفْسَه به مِنَ الشُّبُهاتِ أو دِينٌ يصدُّه عن الشهوات، أو انتفَتِ الحاجةُ في حقِّه؛ فهذا يَحْرُمُ عليه السفرُ إلى بلاد الكفرِ والإقامةُ بين أَظْهُرِ الكُفَّارِ والمُشْرِكين؛ خشيةَ مُوالاتهم ومحبَّتِهم والركونِ إليهم.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢١ رجب ١٤٢٦
الموافق ﻟ: ٢٦ أوت ٢٠٠٥م

 



(١) أخرجه النسائيُّ في «الزينة» باب المُوتَشِمات (٥١٠٢)، وأحمد (٣٨٨١)، وابنُ خزيمة (٢٢٥٠)، وابنُ حبَّان (٣٢٥٢)، مِنْ حديثِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه. وبنحوه الحاكمُ في «المستدرك» (١٤٣٠) مِنْ قول مسروقٍ، وقال: «هذا حديثٌ صحيحٌ على شرطِ مسلمٍ» ووافَقَه الذهبيُّ. وقال الهيثميُّ في «مَجْمَع الزوائد»: «في الصحيحِ وغيرِه بعضُه»، وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٥)، والأرناؤوط في «جامع الأصول» (١٠/ ٧٦٩)، وحسَّنه محقِّقو «المسند» (٦/ ٤٢٥).

(٢) «النهاية» لابن الأثير (٣/ ٢٠٢وانظر: «فتح الباري» لابن حجر (١٣/ ٤١).