في اشتقاق بعض أسماء اللهِ وتعبيد الصفة دون الموصوف | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 19 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 18 سبتمبر 2019 م

الفتوى رقم: ٢٧٦

الصنف: فتاوى العقيدة - التوحيد وما يُضادُّه - الأسماء والصفات

في اشتقاق بعض أسماء اللهِ وتعبيد الصفة دون الموصوف

السؤال:

قرَّر الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في «القواعد المثلى»: أنَّ القولَ بأنَّ أسماءَ الله كلَّها حُسْنَى معناه أنَّ كلَّ اسمٍ مِنْ أسماء الله يتضمَّن صفةً، لكن وقع لي إشكالٌ في بعض الأسماء لم أجد لها صفةً تُشتقُّ منها: وهي اسم: «المتين» و«التوَّاب»؟ وهل يجوز التعبيد للصفة بأن يقال: عبد الرحمة، عبد القدرة؟

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

ﻓ «المتين» اسمٌ مِن أسماءِ الله تعالى الحُسنى، ويَدُلُّ عليه قولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: ٥٨]، وحديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه قال: «أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي أَنَا الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ»»(١)، ونسبةُ الصفة إلى الموصوف على مراتب، وهذه المرتبة مِن نسبة الاسم إلى الاسم: ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ الْمَتِينُ، وصيغتُه على وزن فَعِيلٍ ومعناه: الشديد، قاله ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما، أي: شديد الحَوْل والقوَّة، أي: الذي لا تتناقص قوَّتُه ولا تَفْتُر، وهو مشتقٌّ مِن «المتن» وهي الشِّدَّة والاقتدار، أمَّا التوَّاب فهو اسمٌ مِن أسماء الله الحُسنى أيضًا، ويدلُّ عليه قولُه تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [التوبة: ١٠٤]، ونسبتُه نسبةُ الاسم إلى الاسم -أيضًا- ومعناه: التَّوَّاب الذي يتوب على عباده فيوفِّقهم للتوبة ويقبل توبتَهم، كلَّما تكرَّرت التوبةُ تكرَّر القَبولُ، قال تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا [التوبة: ١١٨]، واللهُ تَوَّابٌ والعبد تَائبٌ، وهو مشتقٌّ مِن «التوب أو التوبة»، فالله يوقِعُ في قلب عبدِه التوبةَ إليه والإنابة إليه، فيقوم بالتوبة وشروطِها، ثمَّ يَقبل عنه توبتَه، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ [الشورى: ٢٥].

ولا يخفى أنَّ كلَّ اسمٍ مِن أسمائه الحُسنى مشتقٌّ مِن صِفةٍ مستقلَّةٍ بمعناها، فَلَه كمالٌ مِن كلِّ اسمٍ سمَّى به نفسَه، ومِن كلِّ صفةٍ اشتُقَّ منها ذلك الاسمُ، والتسمية ملازِمةٌ للوصفية، وأمَّا الوصفية فلا يلزم منها التسميةُ، فقد يوصَف الربُّ بصفةٍ ولا يُطلق عليه اسمٌ منها، فبابُ الصفات أوسعُ مِن باب الأسماء مِن جهةِ أنَّ كلَّ اسمٍ له تعالى فلا بدَّ وأنَّه مشتقٌّ مِن صفةٍ، وأمَّا الصفاتُ فلا يَلزم أن يُشتقَّ له منها اسمٌ، لأنَّ دلالةَ الصفاتِ على الأسماءِ دلالةٌ لغويةٌ، واشتقاقُ الأسماء مِن الصفات أحكامٌ شرعيةٌ، فباب دلالة الصفات أوسعُ مِن باب اشتقاق الأسماء، هذا وإن كانت الصفاتُ تتَّفق مع الأسماء في أنها تكون توقيفيَّةً فإنها تختلف عنها في أنَّ النصَّ ورد بذكر الاسم دون الصفة وهو أخصُّ كما تقدَّم، ومِن جهةٍ أخرى أنَّ مِن شرط الأسماء الحُسنى أنَّها تقتضي المدحَ والثناءَ بنفسها بخلاف الصفة فلا بدَّ مِن إضافتها إلى موصوفها، فاسمُ «الرحمن» يقتضي إطلاقَ الكمالِ بنفسه دون متعلِّقٍ أو قَيدٍ، بخلاف الرحمة فيَلزم إضافتُها إلى موصوفها، ولذلك لا يجوز تعبيد الصفة دون الاسم ولا دعاءُ الصفة دون الاسم كالقوَّة والعزَّة والرحمة، فالمتعبِّد لصفةٍ مِن صِفات الله لا يكون متعبِّدًا اللهَ عزَّ وجلَّ الموصوفَ بجميع الصفات؛ لأنَّ الصفة ليست ذاتَ الموصوف، فعزَّة الله مثلاً ليست هي الله عزَّ وجلَّ، وقد تقدَّم الجوابُ على جزئية الدعاء بصفة الرحمة على أنَّها هي الفاعلة دون الموصوف في فتاوى العقيدة(٢).

والعلمُ عند الله تعالى، وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.

 

الجزائر في: ١٠ رجب ١٤٢٦ﻫ
الموافق ﻟ: ١٥ أوت ٢٠٠٥م

 


(١) أخرجه أبو داود في «الحروف والقراءات» (٣٩٩٣)، والترمذي في «القراءات» باب: ومِن سورة الذاريات (٢٩٤٠)، من حديث عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه. وصحَّحه أحمد شاكر في «تحقيقه لمسند أحمد» (٦/ ٣١)، وشعيب الأرناؤوط في «تحقيقه لمسند أحمد» (١/ ٣٩٤)، والألباني في «صحيح أبي داود» (٣٩٩٣).

(٢) انظر: الفتوى رقم (٢١) الموسومة بعنوان: «في التفريق بين دعاء الصفة والدعاء بالصفة» على الموقع.