في حكم العمل في الضمان الاجتماعي | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 17 ربيع الأول 1441 هـ الموافق لـ 14 نوفمبر 2019 م

الفتوى رقم: ٣١٣

الصنف: فتاوى المعاملات المالية - الإجارة

في حكم العمل في الضمان الاجتماعي

السؤال:

لي أختٌ تعمل في الصندوق الوطنيِّ للضمان الاجتماعيِّ، وعليها كفَّارةُ يمينٍ التي هي إطعامُ عشرةِ مساكينَ، وأنا تكفَّلْتُ بهذا الأمر، حيث كلَّفْتُ أحَدَ الإخوة عنده مطعمٌ بإطعامِ عشرةِ مساكينَ، فكمَّل إطعامَهم، ولكن بقي عليَّ إعطاءُ صاحبِ المطعمِ المالَ، وذلك أنَّني تورَّعتُ عن إعطائه مِنْ مالها حتَّى أعرف الحكمَ الشرعيَّ في ذلك المال، وأمرٌ آخَرُ وهو أنَّ أختي تُهدي لي أحيانًا أشياءَ مِنْ ذلك المالِ كالملابس مثلًا وأشياءَ أخرى فما الحكم؟ بارك الله فيكم.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاعْلَمْ أنَّ الصورة الجائزة شرعًا للضمان الاجتماعيِّ أو التأمين التعاونيِّ الذي هو مِنْ عقود التبرُّع: أَنْ يكون له صندوقٌ مِنْ تبرُّعات المحسنين يرمي مِنْ ورائه إلى مساعدة المحتاج والمكروبِ والمنكوب بتفتيت الأخطار والاشتراك في تحمُّل المسؤولية عند الحوادث والكوارث، ولا يعود فيه على المُشترِكين أيُّ عائدٍ استثماريٍّ مِنْ أرباحٍ أو رؤوسِ أموالٍ أو فوائدَ أخرى؛ لأنَّ القصد مِنَ الاشتراك تحصيلُ الثواب الأخرويِّ بإزالة الضرر عن الغير؛ عملًا بقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ [المائدة: ٢]، وقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ»(١).

أمَّا صورة الضمان الاجتماعيِّ الحاليِّ فهو عبارةٌ عن صندوقٍ يقوم المشرفون عليه باقتطاعِ جزءٍ مِنْ أموالِ مرتَّبات العُمَّال والموظَّفين بصورةٍ دوريةٍ جبرًا مِنْ غيرِ اختيارٍ مِنْ أصحابها ولا رِضًا منهم، ثمَّ تربو أموالُهُم المُقتطَعةُ المُودَعةُ في البنوك أو المصارف المالية، ولا يخفى أنَّ الأصل في الأموال التحريمُ، ولا يَحِلُّ التصرُّفُ فيها إلَّا برِضًا مِنْ أصحابها؛ قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٖ مِّنكُمۡ [النساء: ٢٩]، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ [مُسْلِمٍ] إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهِ»(٢)، وقال: «كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ»(٣)، علمًا أنه يعود صندوقُ الضمان على المشتركين بمبالغَ ماليةٍ وفوائدَ، وإذا كان لا يجوز أخذُ أموالِ الناس قسرًا مِنْ غيرِ رِضًا منهم، أو وضعُها في المؤسَّسات البنكية لِمَا فيه مِنَ الظلم؛ فإنَّه ـ بالمقابل ـ يجوز للذي اقتُطِعَتْ منه الأقساطُ المالية الدوريةُ ـ ظلمًا ـ أَنْ يسترجع ما أُخِذ منه ـ جبرًا ـ عن طريقِ تعويضاتٍ عن العلاج وغيرِها. ومِنْ جهةٍ أخرى لا يجوز تسديدُ تكلفةِ الإطعام لصاحبِ المطعمِ بذلك المال وكذلك الملابس، ما دام حكمُ المنع وَصَل إلى علم المكلَّف، وأمَّا قبل العلم بالتحريم فله ما قَبَضه مِنْ أموال الشركة أو استهلكه؛ عملًا بقوله تعالى: ﴿فَمَن جَآءَهُۥ مَوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ [البقرة: ٢٧٥] مع ترتيب الإثم على التقصير في معرفة الحكم الشرعيِّ قبل الشروع في العمل.

وبغضِّ النظر عن حكم الضمان الاجتماعيِّ، فإنَّ أصل المرأةِ قرارُها في البيت ولزومُها له ما لم تفقد المُنْفِقَ عليها؛ فلها ـ والحالُ هذه ـ أَنْ تتكسَّب ـ استثناءً مؤقَّتًا مِنَ الأصل ـ لتغطيةِ حاجياتها ومتطلَّباتها المعيشية، مُراعِيةً ـ في ذلك ـ الضوابطَ المأمورَ بها شرعًا في الخروج والعمل(٤).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

 الجزائر في: ١٤ رمضان ١٤٢٦ﻫ
الموافق ﻟ: ١٧ أكتوبر ٢٠٠٥م

 


(١) أخرجه مسلمٌ في «الذِّكْر والدعاء والتوبة والاستغفار» (٢٦٩٩) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٢) أخرجه أحمد (٢٠٦٩٥)، والبيهقيُّ في «سُنَنه الكبرى» (١١٥٤٥)، مِنْ حديثِ حنيفة الرَّقاشيِّ رضي الله عنه، وأخرجه الدارقطنيُّ (٢٨٨٥) مِنْ حديثِ أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه. والحديث صحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٧٦٦٢).

(٣) أخرجه مسلمٌ في «البرِّ والصِّلَةِ والآداب» (٢٥٦٤) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٤) انظر الفتوى رقم: (٤٥١) الموسومة ﺑ: «في ضوابط خروج المرأة»، والفتوى رقم: (٢٧٠) الموسومة ﺑ: «في حكم خروج المرأة للعمل عند مقتضى الحاجة» على الموقع الرسميِّ لفضيلة الشيخ أبي عبد المعزِّ محمَّد علي فركوس ـ حفظه الله ـ.