في حكم تحنيك الولد | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 18 صفر 1441 هـ الموافق لـ 17 أكتوبر 2019 م



الفتوى رقم: ٣٣٦

الصنف: فتاوى الأشربة والأطعمة - العقيقة

في حكم تحنيك الولد

السؤال:

ما هو الراجحُ في مشروعيةِ تحنيكِ الولد؟ وما هي كيفيةُ التحنيك(١)؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاسْتَحبَّ بعضُ أهلِ العلمِ تحنيكَ المولود(٢) لحديثِ عائشةَ رضي الله عنها قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ فَيَدْعُو لَهُمْ بِالبَرَكَةِ وَيُحَنِّكُهُمْ»(٣)، وفي الصحيحين مِن حديثِ أبي بُرْدَةَ عن أبي موسى رضي الله عنه قال: «وُلِدَ لِي غُلَامٌ فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَسَمَّاهُ إِبْرَاهِيمَ فَحَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ وَدَعَا لَهُ بِالبَرَكَةِ وَدَفَعَهُ إِلَيَّ، وَكَانَ أَكْبَرَ وَلَدِ أَبِي مُوسَى»(٤).

وقد ثَبَتَتْ أحاديثُ أخرى في هذا البابِ منها حديثُ أنسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه في الصحيحين(٥) ـ أيضًا ـ وحديثُ أسماءَ رضي الله عنها(٦).

وهذه الأحاديثُ بمجموعها تُفِيدُ استحبابَ تحنيكِ الصبيِّ عند أهل الصلاح والعلمِ وأهلِ الوَرَعِ والفضلِ وأَنْ يَدْعُوا له بالبَرَكَة، وقد نَقَلَ النوويُّ رحمه الله ـ في «شرحه لمسلمٍ»(٧) ـ أنَّ تحنيك المولودِ يومَ ولادته سُنَّةٌ بالإجماع، ويحنِّكُه صالحٌ مِن رجلٍ أو امرأةٍ، ويُسْتَحَبُّ التحنيكُ بالتمر، ولو حنَّك بغيره حَصَلَ التحنيكُ، أي: إذا لم يجد تمرًا حنَّكه بشيءٍ آخَرَ، ويُسْتَحَبُّ أَنْ يكون بشيءٍ حُلْوٍ، والتمرُ أَفْضَلُ.

لكنَّ هذه الأحاديثَ ـ على الصحيحِ ـ إنَّما تدلُّ على مشروعيةِ التبرُّك بذاتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ورِيقِه ولُعابِه… وهو أَمْرٌ مُجْمَعٌ عليه، غيرَ أنَّه ليس فيها دلالةٌ على جوازِ التبرُّك بذوات الصالحين وآثارِهم؛ إذ لم يُنْقَلْ حصولُ هذا النوعِ مِن التبرُّك مِن الصحابة رضي الله عنهم بغيره صلَّى الله عليه وسلَّم لا في حياته ولا بعد مَمَاته، وقد كان فيهم الخلفاءُ الراشدون وبقيَّةُ العشرةِ المبشَّرين بالجنَّة وغيرُهم وهُمْ أَفْضَلُ القرون؛ لاعتقادهم اختصاصَ الرسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم بمثلِ هذا التبرُّكِ دون سواه، وقد أَثْبَتَ الشاطبيُّ ـ رحمه الله ـ(٨) إجماعَ الصحابةِ رضي الله عنهم على تركِ ذلك التبرُّكِ فيما بينهم حيث يقول: «وهو إطباقُهم ـ أي: الصحابة ـ على الترك؛ إذ لو كان اعتقادُهم التشريعَ لَعَمِل به بعضُهم بعده، أو عَمِلوا به ولو في بعضِ الأحوال، إمَّا وقوفًا مع أصلِ المشروعية، وإمَّا بناءً على اعتقادِ انتفاءِ العِلَّةِ المُوجِبةِ للامتناع»(٩)، وقال ـ رحمه الله ـ في موضعٍ آخَرَ: «فعلى هذا المأخذ: لا يصحُّ لمَنْ بعده الاقتداءُ به في التبرُّك على أحَدِ تلك الوجوهِ ونحوِها، ومَن اقتدى به كان اقتداؤُه بدعةً كما كان الاقتداءُ به في الزيادةِ على أربعِ نسوةٍ بدعةً»(١٠).

وعليه، فإنَّ القولَ بجوازِ التبرُّك برِيقِ الصالحين ولُعابهم مِن جهةِ التحنيك هو القولُ بجوازِ التبرُّك بذواتِ وآثارِ الصالحين قياسًا على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ولا يخفى أنَّ مِثْلَ هذا القياسِ فاسِدُ الاعتبار لمُقابَلته للإجماع المنقولِ عن الصحابة رضي الله عنهم في تركِهم لهذا الفعلِ مع غيرِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ولو كان خيرًا لَسَبَقونا إليه.

ثمَّ إنَّ القولَ بجوازِ التبرُّك بآثارِ الصالحين يُفْضي ـ بطريقٍ أو بآخَرَ ـ إلى الغُلُوِّ في الصالحين وعِبادتهم مِنْ دونِ الله سبحانه؛ فوَجَبَ المنعُ مِن ذلك سَدًّا لذريعةِ الشِّرك.

هذا، وفي الأحاديثِ السابقةِ ـ أيضًا ـ جوازُ تفويضِ الرجل الصالح أَنْ يختار لوالِدَيْه اسْمًا يُرتضى.

والعلمُ عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.


(١) التحنيك هو: مَضْغُ الشيءِ ووَضْعُهُ في فَمِ الصبيِّ ودَلْكُ حَنَكِه به، [انظر: «النهاية» لابن الأثير (١/ ٤٥١)، «فتح الباري» لابن حجر (٩/ ٥٨٨)].

(٢) انظر: «شرح النووي على مسلم» (١٤/ ١٢٣)، «تحفة المودود» لابن القيِّم (٥٢)، «الإنصاف» للمرداوي (٤/ ١٠٤).

(٣) أخرجه مسلمٌ في «الطهارة» (٢٨٦)، وأبو داود في «الأدب» بابٌ في الصبيِّ يُولَدُ فيُؤذَّنُ في أُذُنه (٥١٠٦)، مِن حديث عائشة رضي الله عنها.

(٤) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «العقيقة» بابُ تسميةِ المولودِ غَداةَ يُولَد لمن لم يَعُقَّ عنه وتحنيكِه (٥٤٦٧)، ومسلمٌ في «الآداب» (٢١٤٥)، مِن حديث أبي بُرْدةَ بنِ أبي موسى عن أبيه رضي الله عنه.

(٥) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «العقيقة» بابُ تسميةِ المولودِ غَداةَ يُولَد لمن لم يَعُقَّ عنه وتحنيكِه (٥٤٧٠)، ومسلمٌ في «الآداب» (٢١٤٤)، مِن حديث أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه.

(٦) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «مناقب الأنصار» بابُ هجرةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابِه إلى المدينة (٣٩٠٩) وفي «العقيقة» بابُ تسميةِ المولود غَداةَ يُولَدُ لمن لم يَعُقَّ عنه وتحنيكِه (٥٤٦٩)، ومسلمٌ في «الآداب» (٢١٤٦)، مِن حديث أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ الصدِّيق رضي الله عنهما.

(٧) «شرح صحيح مسلم» للنووي (١٤/ ١٢٣).

(٨) هو أبو إسحاقَ إبراهيمُ بنُ موسى اللخميُّ الغرناطيُّ الشهيرُ بالشاطبيِّ المالكيُّ، لازَمَ ابنَ الفخَّارِ البيريَّ، وأَخَذ عن كِبارِ أئمَّةِ زمانه كأبي عبد الله المقَّري، وأبي سعيد بنِ لب، وابنِ مرزوقٍ الجدِّ، وكانَتْ له مُناظَراتٌ وأبحاثٌ قيِّمةٌ في مُشْكِلات المسائلِ مع كبار أئمَّةِ عصره كالقبَّاب وابنِ عرفة. وللشاطبيِّ تآليفُ نافعةٌ منها: «المُوافَقات» في الأصول، و«الاعتصام» في إنكار البِدَع. تُوُفِّيَ سنة: (٧٩٠ﻫ ـ ١٣٨٨م).

انظر ترجمته في: «نيل الابتهاج» للتنبكتي (٤٦)، «وفيات الونشريسي» (١٣١)، «لقط الفرائد» للمكناسي (٢٢٥)، «الفكر السامي» للحجوي (٢/ ٤/ ٢٤٨)، «فهرس الفهارس» للكتَّاني (١/ ١٩١)، ومؤلَّفنا: «الإعلام بمنثورِ تَراجِمِ المشاهيرِ والأعلام» (١٦).

(٩) «الاعتصام» للشاطبي (٢/ ١٠).

(١٠) المصدر السابق (٢/ ٩).