مسائل الأمر | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 21 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 20 سبتمبر 2019 م

الفتوى رقم: ٣٤٦

الصنف: فتاوى الأصول والقواعد - أصول الفقه

مسائل الأمر

السؤال:

بناءً على الفوائد الكبيرة التي تستغرقها مسائلكم الأصولية والفقهية، ولعظيم أثرها، نوجِّه إليكم هذه المسألة التي طالت من غير طائل بين العلماء، لترشدونا إلى الصواب فيها، والله يجزيكم خير الجزاء يوم تلقَوْنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

هل الأمر بالشيء هو أمر بلوازمه ومقدِّماته، ولا يخفى أنَّ «مقدمة الأمر» لا تخلو أن تكون شرطًا أو سببًا، ويكون ذلك بطريق اللزوم العقلي ؟

أم أنَّ إثبات شرطية اللوازم أو سببيتها لا تتمُّ إلَّا بدليل مستقلٍّ دالٍّ على الشرطية أو السببية؟

ثمَّ ألا يؤدِّي إطلاق القول بأنَّ: «الأمر بالشيء أمر بلوازمه» إلى إثبات ما لا دليل عليه؟

ألا يتنافى القول بفورية فعل المأمور على سبيل الأحوط والأولى مع وضع اللغة، إذ السيد لو أمر عبده فلم يمتثل فعاقبه، لم يكن له أن يعتذر بأنَّ الأمر على التراخي؟

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

ﻓ«الأمر بالشيء أمر بلوازمه»، ولوازمُ الأمر بالشيء الوسائلُ والمقدِّماتُ المحقِّقة له، والطرقُ الميسِّرة لوقوعه، والأمورُ التي تتوقَّف الأحكام عليها من شروطٍ ولوازمَ ومتمِّماتٍ، ومن بين وسائله ولوازمه ومتمِّماته: انتفاءُ الموانعِ والأضداد.

ومثالُه: قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق: ٣ ـ ٥].

قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: «فخصَّ التعليمَ للإنسان بعد تعميم التعليم بالقلم، وذَكَرَ القلمَ؛ لأنَّ التعليم بالقلم هو الخطُّ، وهو مستلزمٌ لتعليم اللفظ، فإنَّ الخطَّ يطابقه، وتعليم اللفظ هو البيان، وهو مستلزمٌ لتعليم العلم؛ لأنَّ العبارة تطابق المعنى. فصار تعليمه بالقلم مستلزمًا للمراتب الثلاث: اللفظي، والعلمي، والرسمي، بخلاف ما لو أطلق التعليمَ، أو ذكر تعليمَ العلم فقط، لم يكن ذلك مستوعبًا للمراتب»(١). ولابن القيِّم كلامٌ نحوُ هذا(٢).

والأمر بالشيء مقصودٌ به في الأصل، ولوازمه مأمورٌ بها بالتبع، وتوابعُ الشيء لها أحكام المقاصد؛ لأنَّ وسيلة المقصود تابعةٌ للمقصود، وكلاهما مقصودٌ، غير أنَّ الأوَّل مقصودٌ قَصْدَ الغايات فَيُذَمُّ ويُعاقَب على تركه، والثاني مقصودٌ قصْدَ الوسائل، وإن اتَّصف باللزوم فلا يُعاقَب على تركه؛ لأنَّ العقوبة على الترك إنما تترتَّب على ترك المقصود بالأمر لا على ترك اللوازم وفعل الأضداد.

وكذلك  النهيُ فإنَّ لوازمَ النهيِ نهيٌ عن الطُّرق والوسائل المؤدِّية إليه والذرائعِ الميسِّرة لوقوعه، والنهيُ فرعٌ عن الأمر؛ لأنَّ الأمر هو طلبُ الفعل، والطلبُ قد يكون للفعل أو للترك، والتركُ ـ على الصحيح ـ فعلٌ، غايةُ ما في الأمر أنَّ النهي يُخصُّ باسمٍ خاصٍّ.

وعليه، فإنَّ الأمر بالشيء يستلزم جميعَ ما يتوقَّف عليه فعلُ المأمور به عند جمهور الأصوليين؛ لأنَّ لوازم الأمر لو لم تكن واجبةً لجاز للمكلَّف تركُها، ولو جاز له تركُها لساغ  له تركُ الواجب، ولو جاز له تركُ الواجب لم يكن واجبًا.

ومثالُه: ما لو أمر السيِّدُ عبدَه بأداء عملٍ فوق السطح، فإنَّ العبد مأمور بالصعود الذي هو سببٌ، ونَصْبِ السُّلَّم الذي هو شرطٌ، والأمرُ المطلق بالصعود على السطح يوجب نَصْبَ السُّلَّم والصعودَ عليه، بمعنى أنَّ الواجب لا يتأتَّى إلَّا بالشرط والسبب، فيكون كلُّ واحدٍ منهما واجبًا عند الجمهور، سواءٌ كان السبب شرعيًّا أو عقليًّا أو عاديًّا(٣).

وتُعرف هذه المسألة ﺑ«مقدِّمة الواجب»، وهي المتمثِّلة في قاعدة: «مَا لَا يَتِمُّ الوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ»؛ ذلك لأنَّ الذي يتوقَّف عليه إيقاعُ الواجب كالسعي إلى الجمعة والطهارةِ للصلاة فهو «مقدِّمة الواجب»، وهما واجبان قصدًا بالنصِّ في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا [المائدة: ٦]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ [الجمعة: ٩]، وبالقاعدة السابقة؛ وإفرازُ المال لإخراج الزكاة واجبٌ بالقاعدة السالفة البيان وليس بواجبٍ قصدًا.

بخلاف قاعدة: «مَا لَا يَتِمُّ الوُجُوبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ غَيْرُ وَاجِبٍ» لتوقُّف وجوب الواجب عليه، فوجوبُ الحجِّ لا يتمُّ إلَّا بالاستطاعة، ووجوبُ الزكاة لا يتمُّ إلَّا بمِلْكِ النصاب، ولا يجب على المكلَّف تحصيلُ الاستطاعة ولا مِلْكِ النصاب، مع أنهما من لوازم الحجِّ والزكاةِ المأمورِ بهما؛ لأنَّ ما لا يتمُّ الوجوبُ إلَّا به فإنه يتوقَّف عليه وجوبُ الواجب.     

فإن فُهم هذا فلا يُشترط للآمر بالفعل قَصْدُ طلب لوازمه وإن عَلم أنه يَلْزَمُ وجودُها مع فعل المأمور، ومن هنا يتَّضح ثبوتُ قاعدة: «الأَمْرُ بِالشَّيْءِ أَمْرٌ بِلَوَازِمِهِ» بطريق اللزوم العقليِّ لا بطريق قَصْدِ الآمر.

ولا يُقال: إنَّ إطلاق القول بأنَّ «الأَمْرَ بِالشَّيْءِ أَمْرٌ بِلَوَازِمِهِ» يؤدِّي إلى إثبات ما لا دليل عليه؛ لأنَّ الدليل العقليَّ معتبرٌ عند أهل الشرع؛ إذ العقلُ شرطٌ في معرفة العلم، وسلامتُه شرطٌ في التكليف، و«العَقْلُ الصَّرِيحُ لَا يُخَالِفُ النَّقْلَ الصَّحِيحَ» أبدًا، وهو موافقٌ له، بل هو المُدْرِكُ لحُجَّة الله على خلقه.

والشرع قد دلَّ على الأدلَّة العقلية وبيَّنها ونبَّه عليها، كما قرَّره ابنُ  تيميَّةَ وابنُ القيِّم(٤) ـ رحمهما الله ـ، ولهذا لم يَرِدْ في كلام الأوَّلين مِن سلف هذه الأُمَّة ما يدلُّ على تعارُض العقل والنقل فضلًا عن القول بوجوب تقديم العقل على النقل.

ولا يتنافى القولُ بفوريَّة المأمور به على سبيل الاحتياط مع وضع اللغة؛ لأنَّ مضمون الاحتياط هو السلامةُ من الحظر والجزمُ ببراءة الذمَّة، ولا يكون ذلك إلَّا بالمبادرة إلى الفعل وفوريَّةِ العمل به، لذلك كان أقربَ لتحقيق مقتضى الأمر الواجب.

وعند أهل التحقيق فإنَّ الأمر المطلق لا يقتضي الفورَ ولا التراخِيَ لِتقيُّده بالفوريَّة أحيانًا كما لو قال السيِّد لعبده: «سافِرِ الآنَ»، وبالتراخي أحيانًا أخرى كما لو قال: «سافِرْ رأسَ الشهر»، فإذا أمره بأمرٍ مطلقٍ خالٍ من تقييدٍ بفورٍ أو تَرَاخٍ فيكون محتمِلًا للأمرين معًا، وما كان محتملًا لهما فلا يكون مقتضيًا لواحدٍ منهما بعينه(٥).

لذلك كان الاحتياط بالمبادرة إلى الفعل أسْلَمَ من الحظر وأقْطَعَ لبراءة الذِّمَّة، الأمرُ الذي يتوافق مع وَضْعِ اللغة الذي يدلُّ على الفورية والمبادرة؛ لأنَّ السيِّد لو أمر عبدَه فلم يمتثلْ فعاقبه لم يكن له أن يعتذرَ بأنَّ الأمر على التراخي.

فالأحوط له السلامةُ من الحظر بالمبادرة التي تشهد لها ظواهرُ النصوص كقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ [البقرة: ١٤٨؛ المائدة: ٤٨]، وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران: ١٣٣].

والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٣ ربيع الثاني ١٤١٨ﻫ
الموافق ﻟ:  ١٧  أوت ١٩٩٧م

 


(١) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢/ ١٥٨ ـ ١٥٩).

(٢) انظر: «مفتاح دار السعادة» (١/ ٢٤٣).

(٣) انظر: «التمهيد» للكلوذاني (١/ ٣٢٢)، «شرح تنقيح الفصول» للقرافي (١٦١)، «الإبهاج» للسبكي وابنه (١/ ١١٠)، «التمهيد» للإسنوي (٨٣)، «مفتاح الوصول» للتلمساني (٤٠٤)، «حاشية البناني على جمع الجوامع» (١/ ١٩٥).

(٤) انظر: «درء تعارض العقل والنقل»  (١/ ٢٨، ٧٨) و«مجموع الفتاوى» (١٣/ ١٣٧) كلاهما لابن تيمية، «الصواعق المرسلة» لابن القيِّم (٢/ ٤٥٩).

(٥) انظر: «مفتاح الوصول» للشريف التلمساني (٤٢٢) بتحقيقنا.