في حكمِ ضمانِ المشتركين في قتلِ الخطإ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 24 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 23 سبتمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٣٧٢

الصنف: فتاوى الحدود والدِّيَات - الدِّيَات

في حكمِ ضمانِ المشتركين في قتلِ الخطإ

السؤال:

كان شخصٌ يقود سيَّارةً في الطريق السريع، وفجأةً قَطَعَ الطريقَ رجلٌ فدَعَسَتْهُ السيَّارةُ، ولمَّا توقَّف السائقُ لنجدة المُصاب صَدَمَتْه ـ أي: المُصابَ ـ سيَّارةٌ ثانيةٌ ليَلْقَى حَتْفَه على الفور، لكنَّ السائق الثانيَ فرَّ ولم يتوقَّفْ، فما هو الحكمُ الشرعيُّ فيما يتعلَّق بموضوع الدِّيَةِ والكفَّارة بالنسبة للسائق الأوَّل، علمًا أنه لا يدري متى وقَعَتِ الوفاةُ: أبَعْدَ الصدمةِ الأولى أم الثانية؟ وجزاكم اللهُ خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاعْلَمْ أنَّ سائق السيَّارة الأولى إذا باشَرَ قَتْلَ المجنيِّ عليه خطأً فمات قبل أَنْ تَدْعسه السيَّارةُ الثانيةُ فإنه لا تترتَّب مسؤوليةُ قتل الخطإ على السائق الثاني؛ لعدمِ مصادفته للمحلِّ بعد وفاة المجنيِّ عليه، وإنما تترتَّب المسؤوليةُ كاملةً على السائق الأوَّل المُباشِر لقتلِه.

أمَّا إذا اشتركا في قتل المجنيِّ عليه خطأً بحيث لا يُعْلَم: أيُّ السيَّارتين باشَرَتْ قَتْلَه؛ فإنَّ المسؤولية ـ والحالُ هذه ـ تترتَّب عليهما معًا؛ لأنَّ كلتا السيارتين باشرَتْ قَتْلَه خطأً، والأصلُ المقرَّر أنَّ «المُبَاشِرَ يَضْمَنُ مُطْلَقًا» تَعدَّى أو لم يَتَعَدَّ؛ ذلك لأنَّ الخطأَ يرفع إِثْمَ قتلِ معصومِ الدم لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»(١)، ولكنَّه لا يرفع عنه ضمانَ القتل لكونه متعدِّيًا نَتَجَ ـ عن تعدِّيهِ ـ الضررُ الحاصل لغيره؛ لذلك لا يصلح عدَمُ تعمُّدِ القتلِ عذرًا مُسْقِطًا للحكم، بل تكفي المُباشَرةُ علَّةً مُوجِبةً للضمان عن المُباشِرِ المتعدِّي.

وبناءً عليه يجب على كِلَا السائقين:

١ ـ الكفَّارة ووجوبُها بقوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤۡمِنًا خَطَ‍ٔٗا فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖ وَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُواْۚ فَإِن كَانَ مِن قَوۡمٍ عَدُوّٖ لَّكُمۡ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ وَإِن كَانَ مِن قَوۡمِۢ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞ فَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ وَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ شَهۡرَيۡنِ مُتَتَابِعَيۡنِ تَوۡبَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا ٩٢ [النساء]، أي: أنَّ حقَّ الله تعالى يتجلَّى في عتقِ رقبةٍ مؤمنةٍ، فإِنْ لم يجد فصيامُ شهرين مُتتابِعين.

٢ ـ وأمَّا الدِّيَةُ وهي مائةٌ مِنَ الإبل أو قيمتُها حَسَبَ ما تساوي في كُلِّ عصرٍ بحَسَبِه، فهُمَا مُشترِكان فيها ولا تجب في مال القاتل وإنما تجب على عاقلته، قال ابنُ المنذر ـ رحمه الله ـ: «أَجْمَعَ كُلُّ مَن نحفظ عنه مِنْ أهل العلم أنَّ دِيَةَ الخطإ تحمله العاقلةُ»(٢)، فإِنْ لم تكن له عاقلةٌ فمِنْ بيت المال إِنْ كان مُنتظِمًا بإمامٍ عادلٍ، فإِنْ لم ينتظم أو عُدِم فالدِّيَةُ في مال الجاني، فإِنِ اكتفى أولياءُ الدم بما تُعطيهِ شركةُ التأمين مِنْ مالٍ تعويضًا عن الخطإ فإنَّ الجانيَ تَبْرَأ ذِمَّتُه منها حالتَئذٍ.

هذا، وإذا تَنازَلَ أولياءُ وَرَثةِ المقتول ممَّا أَوجبَ اللهُ لهم مِنَ الدِّيَة على القاتل أو عاقلته فإنه تَبْرَأُ ذِمَّتُه ـ أيضًا ـ بإسقاطهم عنه كُلَّ الدِّيَةِ أو جزءًا منها لقوله تعالى : ﴿إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُواْ [النساء: ٩٢].

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٨ ذي القعدة ١٤٢٦ﻫ
الموافق ﻟ: ٣٠ ديسمبر ٢٠٠٥م

 


(١) أخرجه ابنُ ماجه في «الطلاق» بابُ طلاقِ المُكْرَه والناسي (٢٠٤٥) مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (١٨٣٦).

(٢) «الإجماع» لابن المنذر (١٤١).