في وجه الجمع بين حديث النهي عن صوم الجمعة، وصوم المرأة تطوُّعًا في غير رمضان إلاَّ بإذن زوجها | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 19 ذي الحجة 1445 هـ الموافق لـ 25 يونيو 2024 م

الفتوى رقم: ٣٩٢

الصنف: فتاوى الصِّيام ـ صوم التَّطوُّع

في وجه الجمع بين حديث النهي عن صوم الجمعة
وصومِ المرأة تطوُّعًا في غير رمضان إلَّا بإذن زوجها

السؤال:

عرَضَتْ لي شبهةٌ فأرَدْتُ مِنْ فضيلةِ شيخِنا أَنْ يَشفِيَ غليلي منها بالجواب الشافي وهي: هل نستطيع الجمعَ بين الحديثين:

ـ حديثِ أمِّ المؤمنين جُوَيْرِيَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهِيَ صَائِمَةٌ فَقَالَ: «أَصُمْتِ أَمْسِ؟» قَالَتْ: «لَا»، قَالَ: «تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا؟» قَالَتْ: «لَا»؛ قَالَ: «فَأَفْطِرِي»(١).

ـ وحديثِ أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «لَا تَصُومُ المَرْأَةُ يَوْمًا تَطَوُّعًا فِي غَيْرِ رَمَضَانَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ»(٢).

هل نستطيع القولَ ـ واللهُ أعلمُ بالصواب ـ: إنَّ صيامها يومَ الجمعة كان صيامَ فرضٍ لا صيامَ نفلٍ؛ لعدم طلبِها الإذنَ بالصيام مِنْ زوجها صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، لأنَّه لم يكن يعلم عن صيامها شيئًا؛ بارك الله فيك وجزاكم اللهُ عنَّا وعن الإسلام والمسلمين كُلَّ خيرٍ، وأطال اللهُ في عُمُركم لخدمةِ راية التوحيد.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاعْلَمْ أنَّ هذا الجمعَ والتأويل لا يستقيم؛ لأنَّ صيامَ جُوَيْرِيَةَ رضي الله عنها كان تطوُّعًا بلا خلافٍ أَعلمُه، إذ لو كان فرضًا لَمَا أَمَرَها بصيامِ يومٍ قبلَه أو يومٍ بعدَه، وهذا الاقترانُ الوارد في قوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِلَّا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ»(٣) إنما يجب في النفل دون الفرض، والخطابُ عامٌّ للذكور والإناث، ولأنَّ الفرض يجوز صيامُه مُنفرِدًا أو صومُه مقرونًا بيومٍ قبلَه أو يومٍ بعدَه، والشأنُ في ذلك كقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ»(٤) أي: يُوافِقُ صومًا معتادًا؛ وعلى هذا المعنى يُلحَق القضاءُ والنذرُ والكفَّارةُ إلحاقًا قياسيًّا أولويًّا لوجوبها؛ لأنَّ الأدلَّةَ قطعيَّةٌ على وجوب القضاء والكفَّارة والوفاء بالنذر؛ إذ تقرَّر أصوليًّا أنَّ الظنِّيَّ لا يُبطِلُ القطعيَّ ولا يُعارِضُه.

هذا، وأمَّا حديثُ جُوَيْرِيَةَ رضي الله عنها فمُشتبِهٌ، إذ يحتمل قولُه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم لجُوَيْرِيَةَ رضي الله عنها أَنْ يكون ذلك قبل حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه، وإِنْ سُلِّمَ أنَّه كان بعده فإنَّه يحتمل ـ أيضًا ـ أنَّه إنَّما يجب الإذنُ إذا كان زوجُها حاضرًا وكان يومُه عندها لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ» أي: حاضرٌ لاحتمالِ حاجته إليها؛ ومفهومُه: أنَّها لا تحتاج إلى الإذن إِنْ كان غائبًا أو لم يكن يومُه عندها، لأنَّ التقرُّبَ بالنوافل والتطوُّعات لا يحتاج ـ في الأصل ـ إلى إذن الزوج إلَّا إذا تَعارَضَ حقُّه معها؛ وعليه فإذا ورَدَتْ مِثلُ هذه الاحتمالاتِ فلا يُترَك المُحكَمُ للمُتشابِه.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٢ مِنَ المحرَّم ١٤٢٧ﻫ
الموافق ﻟ: ١٧ فبراير ٢٠٠٦م

 



(١) أخرجه البخاريُّ في «الصوم» بابُ صومِ يوم الجمعة (١٩٨٦) مِنْ حديثِ جُوَيْرِيَةَ بنتِ الحارث المُصطلِقيَّة رضي الله عنهما.

(٢) أخرجه أبو داود في «الصوم» بابُ المرأة تصوم بغيرِ إذنِ زوجها (٢٤٥٨)، والترمذيُّ في «الصوم» بابُ ما جاء في كراهِيَةِ صوم المرأة إلَّا بإذنِ زوجها (٧٨٢)، وابنُ ماجه في «الصيام» بابٌ في المرأة تصوم بغيرِ إذنِ زوجِها (١٧٦١)، والدارميُّ ـ واللفظُ له ـ (١٧٦١)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٣٩٥).

(٣) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الصوم» بابُ صومِ يوم الجمعة (١٩٨٥)، ومسلمٌ في «الصيام» (١١٤٤)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٤) جزءٌ مِنْ حديثٍ مُتَّفَقٍ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الصوم» باب: لا يتقدَّم رمضان بصومِ يومٍ ولا يومين (١٩١٤)، ومسلمٌ في «الصيام» (١٠٨٢)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه. وتمامُه عند البخاريِّ: «لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ، فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ».