في حكم أخذ الأجرة على الحجامة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 24 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 23 سبتمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٤٣٤

الصنف: فتاوى المعاملات المالية - الإجارة

في حكم أخذ الأجرة على الحجامة

السؤال: ما حكم أخذ الأجرة على الحجامة؟

الجواب: الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

فكسب الحجام حلال وهو محمول على الكراهة التنزيهية كما هو عند الجمهور استدلالاً بحديث ابن عباس رضي الله عنهما قَالَ: «احْتَجَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَعْطَى الَّذِي حَجَمَهُ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ»(١)، وفي رواية أبي داود: «وَلَوْ عَلِمَهُ خَبِيثًا لَمْ يُعْطِهِ»([٢])، كما استدلوا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا أَصَابَ الْحَجَّامُ فَاعْلِفُوهُ النَّاضِحَ»(٣) وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا حَجَّامًا فَحَجَمَهُ وَسَأَلَهُ: كَمْ خَرَاجُكَ؟ فَقَالَ: ثَلاَثَة آصُعٍ، فَوَضَعَ عَنْهُ صَاعًا وَأَعْطَاهُ أَجْرَهُ(٤)، وفي حديث علي رضي الله عنه «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَجَمَ وَأَمَرَنِي فَأَعْطَيْتُ الْحَجَّامَ أَجْرَهُ»(٥)، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «احْتَجَمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَكَلَّمَ أَهْلَهُ فَوَضَعُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ»([٦])، أمَّا حديث أبي مسعود رضي الله عنه قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كَسْبِ الحَجَّامِ»(٧)، وحديث رافع بن خديج أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ»(٨) فهو محمول على الكراهة التنزيهية لدناءة العمل وخسته لا على المحرم، إذ يسمى راذل المال ودنيء المال خبيثا كما في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، قال النووي: "هذه الأحاديث التي في النهي على التنزيه والارتفاع عن دنيء الأكساب والحثِّ على مكارم الأخلاق ومعالي الأمور، ولو كان حراما لم يفرِّق فيه بين الحر والعبد، فإنه لا يجوز للسيد أن يُطعم عبده ما لا يحِلُّ"(٩)، وعليه فإنَّ دفْعَ التعارض يكون بحمل النهي على الكراهة التنزيهية جمعًا بين الأدلة.

هذا، ولا يلحق بدلالة الاقتران على «ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ وَمَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ وَكَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ»(١٠) فإنهما على التحريم لأنَّ الكلب نجس الذات وما حُرِّم لذاته حرم ثمنه لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى إِذَا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ»(١١) ولأنَّ الزنا محرم وبذل العوض عليه وأخذه في التحريم مثله لأنَّه وسيلة إلى محرم والوسائل لها حكم المقاصد، ودلالة الاقتران ضعيفة عند الأصوليين لأنَّ الاقتران في النَّظم لا يستلزم منه الاقتران في الحكم إذ قد يُجمع الكلام بين القرائن في اللفظ ويفرق بينهما في المعاني بحسب الأغراض والمقاصد، وهذا إنَّما يُعلم ذلك بدلائل الأصول وباعتبار معانيها.

هذا، والحجامة معدودة من فنون الطبِّ، وفيها نفعُ وصلاحُ الأبدان، ويجوز فيها ما لا يجوز في الطبِّ كما يُشترط فيها ما لاَ يُشترط فيه في الجملة، قال ابن قدامة في «مختصر منهاج القاصدين» (١٧):" ولا يتعجب من قولنا: إنَّ الطبَّ والحساب من فروض الكفايات...(١٢) بل الحجامة فإنَّه لو خلا البلد عن حجام لأسرع الهلاك إليهم، فإنَّ الذي أنزل الداء أنزل الدواء وأرشد إلى استعماله".

والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلم تسليما.

الجزائر في: ٢٩ ربيع الثاني ١٤٢٧ﻫ
المــوافق ﻟ: ٢٧ مـاي ٢٠٠٦م


(١) أخرجه البخاري في «البيوع» باب ذكر الحجام (٢١٠٣)، ومسلم في «السلام» (١٢٠٢)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

(٢) أخرجه أبو داود في «الإجارة» باب في كسب الحجَّام (٣٤٢٣)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

(٣) أخرجه أحمد (١٧٢٦٨)، من حديث رافع بن خديج رضي الله عنه. وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٣/ ٣٩٠). وفسَّره بعضهم بالرقيق (العبيد) الذين يكونون في الإبل، فالغلمان نُضَّاح، والإبل نواضح [«النهاية» لابن الأثير:٥/ ٦٩].

(٤) أخرجه الترمذي في الشمائل المحمدية (١/ ٣٠١) رقم(٣٤٦)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وصححه الألباني في «مختصر الشمائل المحمدية» (٣١٢).

(٥) أخرجه أحمد في «مسنده» (٦٩٢)، وابن ماجه في التجارات باب كسب الحجام (٢١٦٣)، من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وصححه الألباني في «مختصر الشمائل المحمدية» (٣١٠).

(٦) أخرجه البخاري في «الطب» باب الحِجَامَة مِنَ الدَّاء (٥٦٩٦)، ومسلم في المساقاة (١٥٧٧)، واللفظ له، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

(٧) أخرجه ابن ماجه في التجارات باب كسْب الحجَّام (٢١٦٥)، من حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو رضي الله عنه. وصححه العراقي في تخريج الإحياء (٢/ ١٤٣)، والألباني في «صحيح الجامع» (٦٩٧٦).

(٨) أخرجه مسلم في المساقاة والمزارعة (١٥٦٨)، من حديث رافع بن خديج رضي الله عنه.

(٩) شرح مسلم للنووي: ١٠/ ٢٣٣.

(١٠) سبق تخريجه.

(١١) أخرجه ابن حبان في «صحيحه» (٤٩٣٨)، وأحمد في «مسنده» (٤/ ٤١٦)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وصححه الألباني في «غاية المرام» (٣١٨).

(١٢) راجع الفتاوى الطبية.