في حكم اعتبار البسملة من القرآن وصحَّة الإسرار بها في الصلاة الجهرية | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 21 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 20 سبتمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٤٥٣

الصنف: فتاوى الصلاة - صفة الصلاة

في حكم اعتبار البسملة من القرآن
وصحَّة الإسرار بها في الصلاة الجهرية

السؤال:

هل البسملة آيةٌ من القرآن؟ وهل السنَّة الجهر أم الإسرار بها في الصلاة الجهرية؟

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

فلا خلاف بين أهل العلم أنَّ البسملة بعض آيةٍ من سورة النمل، ولا خلاف أيضًا بأنها ليست آيةً بين سورتي الأنفال والتوبة، ولكنَّهم يختلفون في البسملة: هل هي آيةٌ من القرآن أو ليست بآيةٍ على خمسة أقوالٍ، والذي يلوح رجحانُه أنَّ البسملة آيةٌ من سورة الفاتحة، وليست بآيةٍ من أوَّل كلِّ سورةٍ، وليست آيةً للفصل بين السور، وإنما هي آيةٌ لابتداء السور، ويدلُّ على أنَّ البسملة آيةٌ كاملة من الفاتحة ما روته أمُّ سلمة رضي الله عنها قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَرَأَ يُقَطِّعُ قِرَاءَتَهُ آيَةً آيَةً: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١-٣]»(١)، ويؤيِّد هذا الحديثَ ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِذَا قَرَأْتُمُ «الْحَمْدُ للهِ» فَاقْرَءُوا ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، إِنَّهَا أُمُّ الْقُرْآنِ وَأُمُّ الْكِتَابِ وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي وَ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إِحْدَاهَا»(٢)، والحديثان صريحان في الدلالة على أنَّ البسملة آيةٌ كاملةٌ من سورة الفاتحة، ولا يستقيم قولُ مَن قال: إنه مِن كلام أبي هريرة وأمِّ سلمة رضي الله عنهما، إذ يبعد أن يُدْرِج كلٌّ منهما في الحديث كلامَه مِن غير التنبيه خاصَّةً مع أهمِّية هذه المسألة، كما لا يصحُّ القول بأنَّ أبا هريرة رضي الله عنه سمع النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يجهر بها فظنَّها من السورة، فقد جاء من حديث أمِّ سلمة رضي الله عنها ما يدفع هذا الاحتمالَ، كما لا يستقيم توجيه حديث أمِّ سلمة رضي الله عنها بأنَّ البسملة فيها آيةٌ مفردةٌ للفصل بين السُّوَر، لأنه لو كانت كتابتها للفصل في المصحف لكُتبت بين الأنفال والتوبة، ولأَمْكَن حدوثُ الفصل بدون البسملة، ولوجودها في بداية الفاتحة وليس قبلها ما يُفصل بها.

أمَّا البسملة في غير الفاتحة فهي آيةٌ لابتداء السور على الصحيح من أقوال أهل العلم، لقول ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَعْرِفُ فَصْلَ السُّورَةِ حَتَّى تَنَزَّلَ عَلَيْهِ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾»(٣)، فإنَّ ظاهره يدلُّ على أنها آيةٌ لابتداء السور وبها يُعرف الفصل، ويدلُّ على أنها آيةٌ لابتداء كلِّ سورةٍ وليست آيةً للفصل أنه يؤتى بالبسملة قبل الفاتحة مع أنه ليس قبلها سورةٌ ليُفصل بها، ويؤيِّد هذا الحكمَ انعقادُ الإجماع على أنَّ سورة الإخلاص أربعُ آياتٍ، وسورة الكوثر ثلاثُ آياتٍ، وأنَّ سورة الملك ثلاثون آيةً، فلو كانت البسملة آيةً منها لعُدَّت مع السور السابقة، وهذا مخالفٌ للإجماع، وقد صحَّ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قال: «إِنَّ سُورَةً مِنَ الْقُرْآنِ ثَلاَثُونَ آيَةً شَفَعَتْ لِرَجُلٍ حَتَّى غُفِرَ لَهُ وَهِيَ سُورَةُ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾»(٤)، فلو كانت البسملة منها  لكانت إحدى وثلاثين آيةً، وهو مخالِفٌ لقول النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وإجماع القرَّاء والفقهاء.

هذا، والقول بأن البسملة آيةٌ من الفاتحة لا يلزم منه الجهرُ بها في الصلاة الجهرية، بل يُسِرُّ بقراءتها كالفاتحة في الأُخْرَيَيْنِ من الرباعية والثالثة من الثلاثية، ولِما رواه أنس بن مالكٍ رضي الله عنه «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلاَةَ ﺑِ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾»(٥)، وفي روايةٍ: «لاَ يَجْهَرُونَ ﺑِ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾»(٦)، وفي روايةٍ لابن خزيمة: «كَانَ يُسِرُّ...»(٧) الحديث.

والعلم عند الله، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وآله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.

الجـزائر: ١٢ جمادى الأولى ١٤٢٧ﻫ
المـوافـق ﻟ: ٨ جــوان ٢٠٠٦م


(١) أخرجه أبو داود في «الحروف والقراءات» (٤٠٠١)، والترمذي في «القراءات» (٢٩٢٧)، وأحمد (٢٦٥٨٣)، والحاكم في المستدرك (٢٩١٠)، والدارقطني (١١٩١) وقال: «إسناده صحيحٌ وكلُّهم ثقاتٌ»، من حديث أمِّ سلمة رضي الله عنها، وصحَّحه الألباني في «إرواء الغليل» (٢/ ٦٠).

(٢) أخرجه الدارقطني (١١٩٠)، والبيهقي (٢٣٩٠)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قال ابن الملقن في «تحفة المحتاج» (١/ ٢٩٢): «إسناده كلُّ رجاله ثقاتٌ»، والألباني في «السلسلة الصحيحة» (١١٨٣).

(٣) أخرجه أبو داود في الصلاة (٧٨٨)، من حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما. قال ابن كثير في «إرشاد الفقيه إلى معرفة أدلَّة التنبيه» (١/ ١٢٢): «إسناده صحيحٌ على شرط الشيخين»، وصحَّحه الألباني في «صحيح الجامع» (٤٨٦٤).

(٤) أخرجه الترمذي «فضائل القرآن» (٣١٣٤)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وصحَّحه أحمد شاكر في «تحقيقه لمسند أحمد» (١٥/ ١٢٩)، والألباني في «صحيح الجامع» (٢٠٩١).

(٥) أخرجه البخاري في «الأذان» (٧٤٣)، ومسلم في «الصلاة» (٣٩٩)، من حديث أنسٍ رضي الله عنه.

(٦) أخرجه أحمد (١٢٨٤٥)، وابن حبَّان (١٨٠٢)، من حديث أنسٍ رضي الله عنه، قال الزيلعي في «نصب الراية» (١/ ٣٢٩): «رجاله كلُّهم ثقاتٌ مخرجٌ لهم في الصحيحين».

(٧) أخرجه ابن خزيمة (٤٩٨) «الصلاة» باب «ذكر الدليل على أنَّ أنسًا إنما أراد بقوله: «لم أسمع أحدًا منهم يقرأ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أي: لم أسمع أحدًا منهم يقرأ جهرًا ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وأنهم كانوا يُسِرُّون ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في الصلاة، لا كما توهَّم مَن لم يشتغل بطلب العلم مِن مظانِّه وطلبَ الرئاسةَ قبل تعلُّم العلم»، من حديث أنسٍ رضي الله عنه.