في العمل بقضايا الأعيان | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 20 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 19 سبتمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٤٥٤

الصنف: فتاوى الأصول والقواعد - أصول الفقه

في العمل بقضايا الأعيان

السؤال:

متى يُؤْخَذُ بمسألةِ واقعةِ العين؟ وما هي المَراجع التي بحَثَتْها؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاعْلَمْ أنَّ مسألةَ واقعةِ العين لم تَرِدْ في الدِّراسات الأصولية بهذه التسمية، وإنما هي مسألةٌ أصوليَّةٌ مُندرِجةٌ تحت أبوابِ مسائلِ العموم، وتُعْرَفُ عند الأصوليِّين ﺑ: «الخِطَابُ الخَاصُّ بِوَاحِدٍ مِنَ الأُمَّةِ: هَلْ يَخْتَصُّ بِالمُخَاطَبِ ـ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ ـ أَمْ يَشْمَلُ غَيْرَهُ مِنَ الأُمَّةِ؟».

وفي تحريرِ مَحَلِّ النِّزاع في هذه المسألة، فإنه يخرج ما إذا صُرِّح فيه بالاختصاص بالمخاطَب، كقوله صلَّى الله عليه وسلَّم لأبي بُرْدةرضي الله عنه: «اذْبَحْهَا وَلَنْ تجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ»(١)، فلا شكَّ في اختصاصه بالمخاطَب، وهو مبنيٌّ على تخصيص العموم بعد التخصيص، وفائدتُه: نفيُ احتمالِ الشركة؛ قطعًا للإلحاق بالقياس، وكذلك يخرج ما إذا لم يصرِّحْ بالعلَّة المعلَّقةِ على حكم التخصيص، فإذا وَقَعَ التصريحُ بالعلَّة التي مِنْ أجلها وَقَعَ الأمرُ بالشيء أو النهيُ عنه أو الإذنُ فيه؛ فإنه يعمُّ بعموم العلَّة، وكذلك يعمُّ المخاطَبَ وغيرَه إذا ما قام الدليلُ على وجوب التعميم، واختلفوا فيما عدا ذلك، أي: أنَّ النِّزاع في نفسِ صيغة الخطاب الخاصِّ: هل تعمُّ بمجرَّدها أم لا تعمُّ؟

والصحيح مِنْ أقوال أهل العلم أنَّ الخطاب الخاصَّ لا يَتناوَلُ إلَّا المخاطَبَ مِنْ حيث الصيغةُ اللغوية، أمَّا مِنْ حيث الدليلُ الخارجيُّ فإنَّه يَتناوَلُ غيرَه ـ أيضًا ـ لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم مبعوثٌ للجميع؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ[سبأ: ٢٨]، وقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «بُعِثْتُ إِلَى الأَحْمَرِ وَالأَسْوَدِ»(٢)، وقد رَجَعَ الصحابةُ رضي الله عنهم إلى التمسُّك بقضايا الأعيان: كقضيَّةِ ماعزٍ، ودِيَةِ الجنين، والمفوَّضة، والسكنى للمبتوتة، وما إلى ذلك مِنْ وقائعِ الأعيان الخاصَّةِ بالواحد أو بالجماعة المخصوصة؛ فقَدْ ثَبَتَ عنهم رضي الله عنهم استدلالُهم بها على ثبوتِ ذلك لسائر الأُمَّة؛ فكان عملُ الصحابة رضي الله عنهم بالنصوص الشرعية القاضية بعموم الرسالة دليلًا على استواء الأُمَّة في الأحكام الشرعية؛ فيدخل المخاطَبُ وغيرُه في عمومها.

وعليه، فإنَّ الحكم بالتعميم عند إطلاق الخطاب الخاصِّ يَشْمَلُ المخاطَبَ وغيرَه حتَّى يقوم دليلٌ خارجيٌّ على التخصيص، ولا يُستدَلُّ عليه مِنْ جهةِ الصيغة اللغوية.

أمَّا مَصادِرُ هذه المسألةِ فيمكن أَنْ أرتِّبها على الوجه التالي:

«العُدَّة» لأبي يعلى (١/ ٣١٨، ٣٣١)، «البرهان» للجويني (١/ ٣٧٠)، «الإحكام» للآمدي (٢/ ٢٦٣)، «البلبل» للطوفي (٩٢)، «مختصر ابنِ الحاجب» و«العضد عليه» (٢/ ١٢٣)، «البحر المحيط» للزركشي (٣/ ١٨٩)، «فواتح الرحموت» للأنصاري (١/ ٢٨٠)، «تيسير التحرير» لبادشاه (١/ ٢٥٢)، «جمع الجوامع» لابن السبكي (١/ ٤٢٩)، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي (٣/ ٢٢٣)، «إرشاد الفحول» للشوكاني (١٣٠).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٤ جمادى الأولى ١٤٢٧ﻫ
الموافق ﻟ: ١٠ جوان ٢٠٠٦م

 


(١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الأضاحي» بابُ سنَّةِ الأضحية (٥٥٤٥)، ومسلمٌ في «الأضاحي» (١٩٦١)، مِنْ حديثِ البراء بنِ عازبٍ رضي الله عنهما.

(٢) أخرجه ابنُ حبَّان (٦٤٦٢)، وأحمد (٢١٢٩٩)، مِنْ حديثِ أبي ذرٍّ رضي الله عنه. وصحَّحه ابنُ حجرٍ في «موافقة الخُبْر الخَبَر» (١/ ٥٢٥)، وأحمد شاكر في تحقيقه ﻟ: «مسند أحمد» (٤/ ٢٦١)، والألبانيُّ في «الإرواء» (١/ ٣١٦).