في التعاون على جبر من سبيله النصح | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 5 شعبان 1439 هـ الموافق لـ 21 أبريل 2018 م

الفتوى رقم: ٦٩٥

الصنـف: فتاوى منهجية

في التعاون على جبر من سبيله النصح

السـؤال:

قد يضطرُّ إمامُ المسجد للقيام ببعض المخالفات البدعية، والمشاركةِ في احتفالاتِ المولد النبوي المشتملةِ على جملةٍ من المحاذير بحُجَّة الحفاظِ على منصبه الدعوي، فبغض النظر عن ضعف حُجَّته، فما هو الموقف الشرعي تجاهه؟ وبارك الله فيكم.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فلا ينبغي لِمَنْ له مكانةٌ في المجتمع أو مَنْصِبٌ أدبيٌّ -إن دفعه الاضطرار إلى فعلِ محرّم أو بدعة- أن يأتي بالمحذور إلاّ مع بيان حُكمه للناس لئلاَّ يغترُّوا بفعلِه، ويقتدوا بسيرته في غير المشروع؛ ذلك لأنَّ فِعْلَ المحرَّم مُنكرٌ، والمنكر يجب إنكارُه وعدمُ الرضا به، فالأمر بالمعروف والنهيُ عن المنكر عبادةٌ مطلوبةٌ شرعًا، بل هو من أعظم الواجبات الشرعية بعد الإيمان بالله سبحانه، حيث ذكره الله تعالى في كتابه الكريم بعد الإيمان به سبحانه مقرونًا معه، قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ [آل عمران: ١١٠]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ [الحج: ٤١]، وهكذا شأنُ أهلِ الإيمانِ بالله وأهلِ نُصْرَتِهِ وولايتِه، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ [التوبة: ٧١].

هذا، والأمر قد يزيد سوءًا إذا اقتدى به غيرُه اغترارًا بفعله، وأخذ عنه حِلِّـيَةَ بدعتِه فأحياها أو مُنكرٍ فاستحسنه، فإنّ المقتدى به يتحمّل أوزارَ مَن تَـبِعه من غير نقصانٍ عنهم، قال صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «وَمَنْ دَعَا إِلَىٰ ضَلاَلَةٍ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لاَ يَنْقُصُ ذلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئَا»(١).

هذا، والواجبُ اتجاهَهُ نصيحتُه بأدبٍ وحُسْنِ خُلُقٍ، فَيُؤْمَرُ بِرِفْقٍ، ويُنْهَى بِلِينٍ لقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: للهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ»(٢)، وأن ينصر بحقٍّ لقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا، قَالُوا: نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: تَرُدُّهُ عَنْ ظُلْمِهِ»(٣)، ولقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «مَا كَانَ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلاَّ زَانَهُ»(٤).

فإن عجز اللسان عن تغيير المنكر أو الأمر بالمعروف اكتفى بتغييره بالقلب، وهو أضعف الإيمان كما جاء في الحديث، ولقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «إِذَا عُمِلَتِ الخَطِيئَةُ فِي الأَرْضِ كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فَنَكِرَهَا -وَقَالَ مَرَّةً: فَكَرِهَهَا- كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَمَنْ شَهِدَهَا»(٥). وهذا كُلُّه لئلاَّ يكون تركُ الأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكر موجبًا للعقوبة والعذاب، قال صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بالمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ وَلَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ فَتَدْعُونَهُ فَلاَ يَسْتَجِيبُ لَكُمْ»(٦)، كذا كان أمر بني إسرائيل فيما نهاه اللهُ عليهم، قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [المائدة: ٧٨-٧٩]، وقال صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي، إِلاَّ كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمِ خُلُوفٌ، يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لاَ يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ»(٧).

نسألُ اللهَ أن يثبِّتَ المُصْلِحَ على ما هو عليه ويزيدَهُ قوّةً وَعَزْمًا، وأن يهديَ الضالَّ على ما كان عليه، وأن يفتحَ علينا جميعًا بالاعتصام بحَبْلِهِ المتينِ، ويُعِينَنَا على التعاون على البرّ والتقوى والتواصي بالحقّ والصبر، إنه وليُّ ذلك والقادرُ عليه. وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ، وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٢ صفر ١٤٢٧ﻫ
الموافق ﻟ: ١١ مارس ٢٠٠٧م

 


(١) أخرجه مسلم في «العلم»، باب من سن سنة حسنة أو سيئة: (٦٨٠٤)، وأبو داود في «السنة»، باب لزوم السنة: (٤٦٠٩)، والترمذي في «العلم»، باب ما جاء فيمن دعا إلى هدى فاتبع: (٢٦٧٤)، وابن ماجه في «المقدمة»: (٢٠٦)، وأحمد: (٨٩١٥)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(٢) أخرجه مسلم في «الإيمان»، باب بيان أن الدين النصيحة: (٢٠٥)، وأبو داود «الأدب»، باب في النصيحة: (٤٩٤٦)، والترمذي في «البر والصلة»، باب ما جاء في النصيحة: (١٩٢٦)، والنسائي في «البيعة»، باب النصيحة للإمام: (٤٢١٤)، وأحمد: (١٧٤٠٣)، والحميدي في «مسنده»: (٨٧٥)، من حديث تميم الداري رضي الله عنه.

(٣) أخرجه البخاري في «المظالم»، باب أعن أخاك ظالما أو مظلوما: (٢٤٤٣)، والترمذي في «الفتن»: (٢٤٢١)، وأحمد: (١٣٤٢١)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وأخرجه مسلم في «البر والصلة والآداب»، باب نصر الأخ ظالما أو مظلوما (٦٥٨٢) من حديث جابر رضي الله عنه.

(٤) أخرجه مسلم في «البر والصلة»،باب فضل الرفق: (٦٦٠٢)، وأبو داود في «الجهاد»، باب ما جاء في الهجرة وسكنى البدو: (٢٤٧٨)، وأحمد: (٢٥١٨١)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

(٥) أخرجه أبو داود في «الملاحم»، باب الأمر والنهي: (٤٣٤٥)، والطبراني في «المعجم الكبير»: (٣٤٥)، من حديث العرس بن عميرة الكندي رضي الله عنه، والحديث حسّنه الألباني في «صحيح الجامع»: (٧٠٢) و«صحيح أبي داود»: (٤٣٤٥).

(٦) أخرجه الترمذي في «الفتن»،باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :(٢١٦٩)، وأحمد: (٢٢٨١٦)، من حديث حذيفة رضي الله عنه. والحديث حسنه البغوي في «شرح السنة»: (٧/ ٣٥٧)، والألباني في «المشكاة»: (٥٠٦٨).

(٧) أخرجه مسلم في «الإيمان»، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان: (٥٠)، وأحمد: (٤٣٧٥)، من حديث عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه.