في اسم الخالق | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 20 شعبان 1445 هـ الموافق لـ 01 مارس 2024 م

الفتوى رقم: ٧

الصنف: فتاوى العقيدة ـ التوحيد وما يُضادُّه ـ الأسماء والصفات

في اختصاص اللهِ سبحانه باسْمِ الخالقِ

السؤال:

هلِ اسْمُ اللهِ «الخالق» مِنَ الأسماءِ الخاصَّةِ؟ وما معنَى قولِه تعالى: ﴿ٱلَّتِي لَمۡ يُخۡلَقۡ مِثۡلُهَا فِي ٱلۡبِلَٰدِ ٨[الفجر]؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاسْمُ «الخالق» هو مِنَ الأسماء الحُسنى المختصَّةِ بالله تعالى التي لا يَشْرَكه فيها غيرُه، ولا يُدْعَى بها أحَدٌ سواه ولا تُطلَق على غيره، أي: هي أسماءٌ لا تَقبلُ الشَّرِكةَ فلا يجوز إطلاقُها على غير الله تعالى، ولا يجوز التَّسمِّي بأسماء اللهِ تعالى المُختصَّةِ به لأنَّها لا تَليقُ إلَّا له سبحانه مثل اسْمِ الله والرَّحمنِ والقدُّوسِ وغيرِها مِنَ الأسماءِ المختصَّة به، وإنَّما المشروعُ التَّعبيدُ بها فيُقال: عبدُ اللهِ وعبدُ الرَّحمنِ وعبدُ القُدُّوس وعبدُ الخالق؛ بخلافِ ما لا يختصُّ به، كالحَكَم والعَليِّ والحكيم لا سِيَّما إذا جُرِّد مِنَ الألف واللَّام؛ لأنَّ مِنَ الصَّحابةِ رضيَ اللهُ عنهم مَنْ تَسمَّى بها ولم يُغيِّرها النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مثل: الحَكَمِ بنِ أبي العاص [عمِّ عثمانَ ووالدِ مروان] وعليِّ بنِ أبي طالبٍ وحكيمِ بنِ حزامٍ رضي الله عنهم.

وقد جاء الذَّمُّ والوعيدُ على التَّسَمِّي ﺑ «مَلِك الملوك» أو «شاهان شاه» بالفارسيَّة لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَغْيَظُ رَجُلٍ عَلَى اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَخْبَثُهُ وَأَغْيَظُهُ عَلَيْهِ: رَجُلٌ كَانَ يُسَمَّى: مَلِكَ الْأَمْلَاكِ، لَا مَلِكَ إِلَّا اللهُ»، وفي لفظٍ: «إِنَّ أَخْنَعَ اسْمٍ عِنْدَ اللهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ» قَالَ سُفْيَانُ: «مِثْلُ شَاهَانْ شَاهْ»(١)؛ ويُلْحَقُ بهما في المنع: «قاضي القضاة» وما شابهه.

أمَّا قولُه تعالى: ﴿ٱلَّتِي لَمۡ يُخۡلَقۡ مِثۡلُهَا فِي ٱلۡبِلَٰدِ ٨[الفجر] فجائزٌ ـ لغةً ـ أَنْ تكون هاء التأنيث عائدةً على ما تكون لفظةُ «التي» نعتًا له مِنَ الألفاظ الثلاثة: العِمَاد أو إِرَمَ أو عادٍ في قوله تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ٦ إِرَمَ ذَاتِ ٱلۡعِمَادِ ٧ ٱلَّتِي لَمۡ يُخۡلَقۡ مِثۡلُهَا فِي ٱلۡبِلَٰدِ ٨[الفجر] غير أنَّ الأظهرَ في ذلك أنَّها عائدةٌ إلى عادٍ وهي القبيلةُ العربيَّة البائدة الإِرَمِيَّةُ ـ نسبةً إلى إِرَمَ جدِّ عادٍ وثمودَ وغيرِهم مِنْ العرب البائدة(٢) ـ الذين كانوا يسكنون بالأحقافِ(٣) ـ أحقافِ الرَّمل ـ بين عُمَانَ وحَضْرَموتَ، فيكون المعنى: أنَّ تلك القبيلةَ لم يَخْلُقِ اللهُ مِثْلَهم في قُوَّتِهم وشِدَّتِهم وبأسِهم وبطشِهم وأَيْدِهم، ويدلُّ على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٞ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَقَالُواْ مَنۡ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً‌ۖ أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗ‌ۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ ١٥[فُصِّلَتْ]، وقِيلَ: وفي طولهم وعِظَمِهم وضَخامةِ أجسامِهم بالمقارنة مع مُعاصِريهم ولاتعارض مع معاني القوة والبطش؛ أي: لم يُخلَقْ مِثلُها في قوَّةِ أجسامهم وطولِ قامَتِهم وشدَّةِ بأسِهم في القتال.

فإِنْ ظنَّ السائلُ أنَّ الخالقَ في الآية المذكورة: ﴿ٱلَّتِي لَمۡ يُخۡلَقۡ مِثۡلُهَا فِي ٱلۡبِلَٰدِ ٨[الفجر] يُراد به هنا غيرُ الله، واستشكله بالنَّظر إلى أنه مبنيٌّ لِمَا لم يُسمَّ فاعلُه، وأنَّ عادًا هي مَنْ خلقت العمادَ أو المدينةَ، وظنَّ أنَّ معنَى قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿لَمۡ يُخۡلَقۡ﴾: لم يُبْنَ ـ بالمطابقة لا مِنْ طريق اللزوم ـ فليس الأمرُ كما ظنَّه، فإنَّ العبادَ وأعمالَهُم ومصنوعاتِهم مخلوقةٌ لله، فيكون المبنيُّ مبنيًّا للعبد مخلوقًا لله؛ ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ وَمَا تَعۡمَلُونَ٩٦[الصافات].

وإنَّما الذي يكونُ أحرى بالاستشكالِ ـ في هذا المَقامِ ـ هو قولُه تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ ١٤[المؤمنون]، وقولُه: ﴿أَتَدۡعُونَ بَعۡلٗا وَتَذَرُونَ أَحۡسَنَ ٱلۡخَٰلِقِينَ ١٢٥[الصافَّات]، وقولُه تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَنِّي قَدۡ جِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ أَنِّيٓ أَخۡلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ ٱلطَّيۡرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِ ٱللَّهِ[آل عمران: ٤٩]، فهذا أجاب عنه العلماءُ بأنَّ الخَلْقَ يأتي ـ في لغة العرب ـ بمعنى الصُّنع والتَّصوير والتَّقديرِ(٤)، وليس الخَلْقُ المُثبَتُ فيما مضى هو بالمعنى الذي ينفَردُ اللهُ به، والذي نَفَاه عن غيرِه في قوله تعالى: ﴿أَمۡ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلۡقِهِۦ فَتَشَٰبَهَ ٱلۡخَلۡقُ عَلَيۡهِمۡ‌ۚ قُلِ ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُوَ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّـٰرُ ١٦[الرعد]، وقولِه: ﴿هَلۡ مِنۡ خَٰلِقٍ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ[فاطر: ٣]، وقولِه: ﴿ءَأَنتُمۡ تَخۡلُقُونَهُۥٓ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡخَٰلِقُونَ ٥٩[الواقعة]، إذ لا يخفى أنَّ الطِّينَ الذي خلَقَ منه عيسى عليه السلام ذلك الطيرَ ليس مخلوقًا لعيسى، وإنَّما هو مخلوقٌ لله، وعيسى لم يخلقه ويصوِّره بدونِ إذن الله، ولم تكن لِتَسرِيَ فيه الرُّوحُ بدونِ إذن الله الكونيِّ، وهو لا يخرج عن كونه مِنْ خَلْقِ الله خلَقَه على يدِ عبدِه عيسى آيةً له على رسالته، واللهُ خالقُ كُلِّ صانعٍ وما صنَعَ.

فالحاصلُ أنَّ إطلاقَ الخلقِ لغير الله سبحانه وتعالى إن كان بمعنى الاختراع والإيجاد فلا يجوز؛ قال السِّعدي ـ رحمه الله ـ في معرض تفسيره لقوله تعالى: ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡخَٰلِقُ ٱلۡبَارِئُ ٱلۡمُصَوِّرُ[الحشر: ٢٤]: «وهذه الأسماءُ متعلِّقةٌ بالخَلقِ والتَّدبير والتَّقديرِ، وأنَّ ذلك كُلَّه قد انفردَ اللهُ به، لم يشاركهُ فيه مشاركٌ»(٥)، وإنَّما يجوزُ إطلاقُه بمعنى الصُّنعِ والتَّصويرِ والتَّقدير، علمًا أنَّه «ليس كُلُّ مَنْ قدَّر شيئًا ورتَّبه يَقدِرُ على تنفيذِه وإيجادِه سوى اللهِ عزَّ وجلَّ»(٦).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٨ ربيع الأول ١٤٢٧ھ
الموافق ل: ١٧ أفريل ٢٠٠٦م



(١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الأدب» بابُ أبغضِ الأسماء إلى الله (٦٢٠٥، ٦٢٠٦)، ومسلمٌ في «الآداب» (٢١٤٣)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٢) انظر: «جمهرة أنساب العرب» لابن حزم (٤٦٢، ٤٨٦)، ومصادرَ التفسيرِ اللاحقة.

(٣) الأحقاف: جمعُ حِقْفٍ مِنَ الرَّمل، والعرب تُسمِّي الرَّملَ المعوجَّ حِقافًا وأحقافًا، واحقوقف الهلالُ والرَّملُ إذا اعوجَّ، [«الصحاح» للجوهري (٤/ ١٣٤٥)، «مُعجَم البلدان» لياقوت (١/ ١١٥)، «الروض المعطار» للحِميَريِّ (١٤)، «مراصد الاطِّلاع» للصفيِّ البغدادي (١/ ٣٨)].

(٤) «تهذيب اللغة» للأزهري (٧/ ١٦). وانظر: «الحلل الذهبية شرح العقائد الإسلامية» للمؤلف (٦١٣).

(٥) «تفسير السِّعدي» (٨٥٤).

(٦) «تفسير ابن كثير» (٤/ ٣٤٣).