في حكم صيام التطوُّع قبل قضاء الواجب | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأحد 2 رمضان 1438 هـ الموافق لـ 28 مايو 2017 م



الفتوى رقم: ٧٦٦

الصنف: فتاوى الصيام - صوم التطوُّع

في حكم صيام التطوُّع قبل قضاء الواجب

السؤال:

هل يجوز صيامُ التطوُّع قبلَ قضاءِ رمضان؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فلا خلافَ في أنَّ قضاء الصيام الواجبِ أحرى مِنْ أداء التطوُّع لقوَّة الواجب وعُلُوِّ مرتبته على المُستحَبِّ؛ إِذِ الواجباتُ والفرائضُ مِنْ أحَبِّ القُرَبِ إلى الله تعالى، قال اللهُ تعالى في الحديث القدسيِّ: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِليَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ»(١)، كما يتأكَّدُ ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ وجوبُ تقديم قضاءِ رمضان على التطوُّع إذا ما خَشِيَ المكلَّفُ به فواتَ صحَّةٍ أو ضَعْفَ قُدرةٍ أو ضِيقَ وقتٍ، فإنه يَأْثَمُ بتأخير القضاء عند حصول العجز عن القيام به؛ إذ الواجبُ المطلقُ مِنْ ناحيةِ وقته أصبحَ مُقَيَّدَ الزَّمَنِ، يتعيَّن القيامُ بما هو مكلَّفٌ به في الحال وإلَّا كان مُضيِّعًا للمأمور بأدائه. وفي كُلِّ الأحوال ينبغي المسارعةُ إلى الطاعة بالمبادرة إلى قضاء الواجب عليه؛ لقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٤٨[المائدة]، وقولِه تعالى: ﴿وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ ١٣٣[آل عمران].

كما أنَّ الحديث الواردَ في فضلِ صيامِ الأيَّام السِّتَّة مِنْ شوَّالٍ ينصُّ بظاهره أنه لا يتحصَّل على ثواب صوم الدهر إلَّا مشروطًا بصيامِ رمضانَ ثمَّ إتباعه بستٍّ مِنْ شوَّالٍ في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ»(٢)؛ إذ يَلْزَمُ مِنْ تقديم صيام السِّتِّ مِنْ شوَّالٍ على قضاءِ رمضانَ عدمُ استكمال الشهر وهو مخالفٌ لمفاد الحديث؛ لذلك يُستحَبُّ تقديمُ قضاء رمضان ليُتبعَ بصيامِ سِتٍّ مِنْ شوَّالٍ؛ تحقيقًا لظاهر الحديث ليحوز على ثواب صوم الدهر.

وإنما ذكَرْتُ الاستحبابَ بدلًا مِنَ الوجوب لاحتمالِ توجيه الخطاب بالحكم للعامَّة؛ لأنَّ عامَّة الصائمين الذين رَغَّبَهُم الشرعُ بالتطوُّع يؤدُّون صيامَ رمضانَ جميعِه؛ الأمرُ الذي يقوِّي احتمالَ كونِ لفظ الحديث في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ» قد خَرَج مخرجَ الغالب الأعمِّ فلا مفهومَ له، ويُؤكِّدُ هذا الاحتمالَ حديثُ ثوبان رضي الله عنه عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ فَشَهْرٌ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ، وَصِيَامُ سِتَّةِ أَيَّامٍ بَعْدَ الفِطْرِ فَذَلِكَ تَمَامُ صِيَامِ السَّنَةِ»(٣)، فإنَّ ظاهِرَ الحديث يدلُّ على أنَّ صيامَ شهرِ رمضانَ بعشرةِ أشهرٍ؛ لأنَّ الحسنة بعشر أمثالها، وكذلك في ستَّة أيَّامٍ مِنْ شوَّالٍ في كلا الحالتين يحصل ثوابُ صوم الدهر، سواءٌ تخلَّف القضاءُ عن التطوُّع أو تَقدَّم عليه.

فالحاصل: أنه إذا قَوِيَ هذا الاحتمالُ وظَهَر؛ فإنه ـ بِغَضِّ النظر عن أولوية الفرض على التطوُّع والنفل ـ يتقرَّر جوازُ صيام الستِّ مِنْ شوَّالٍ قبل قضاء رمضان، خاصَّةً لمَنْ ضاق عليه شهرُ شوَّالٍ بالقضاء.

أمَّا صيام سائر التطوُّعات الأخرى كصيام عَرَفةَ أو عاشوراءَ أو أيَّام البيض ونحوِها فإنه على الصحيح مِنْ أقوال أهل العلم يجوزُ الاشتغالُ بالتطوُّع قبل قضاء رمضانَ وهو مذهبُ الأحناف والشافعية وروايةٌ عن أحمد؛ إذ لم يَرِدْ في الشرع دليلٌ يمنع مِنْ ذلك، بل وَرَد مِنَ النصِّ القرآنيِّ ما يُفيدُ أنَّ وقت القضاء مُطلقٌ في قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَ[البقرة: ١٨٤، ١٨٥]، حيث يدلُّ نصُّ الآية على جوازِ تأخيرِ رمضان لمَنْ أفطر مُطلقًا مِنْ غير اشتراط المبادرة بالفعل بعد أوَّل الإمكان، ومُطلقيَّةُ وقت القضاء هو مذهبُ جماهير السلف والخلف، كما يدلُّ عليه ـ أيضًا ـ إقرارُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لفعلِ عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَّا فِي شَعْبَانَ»(٤)، قال ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ: «وفي الحديث دلالةٌ على جوازِ تأخيرِ قضاءِ رمضان مُطلقًا، سواءٌ كان لعُذْرٍ أو لغير عُذرٍ؛ لأنَّ الزيادة كما بيَّنَّاه مُدْرَجةٌ(٥)، فلو لم تكن مرفوعةً لَكان الجوازُ مُقيَّدًا بالضرورة؛ لأنَّ للحديث حُكْمَ الرفع؛ لأنَّ الظاهر اطِّلاعُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم على ذلك، مع توفُّر دواعي أزواجه على السؤال منه عن أمر الشرع؛ فلولا أنَّ ذلك كان جائزًا لم تُواظِبْ عائشةُ عليه»(٦).

قلت: إنما جاز تأخيرُها للقضاء مع انتفاء الشكِّ في حرصها على عدم التفويت على نفسها رضي الله عنها لفضائلِ صيام النفل أثناءَ السَّنَة، كحرصها على العمرة حيث وَجَدَتْ في نفسها أَنْ ترجع صواحباتُها بحجٍّ وعمرةٍ مُستقِلَّين وترجع هي بعمرةٍ في ضمن حَجَّتها؛ فأمَر النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أخاها أَنْ يُعْمِرَها مِنَ التنعيم تطييبًا لقلبها(٧)، أمَّا مِنْ جهة المعقول فإنه في باب الواجب الموسَّع إذا جاز الاشتغالُ بالتطوُّع مِنْ جنس الواجب قبل أدائه كالرواتب القبلية للصلوات المفروضة فإنه يجوز في الواجب المطلق مِنْ بابٍ أَوْلى كما هو شأنُ قضاءِ رمضانَ.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٢ شوَّال ١٤٢٨ﻫ
الموافق ﻟ: ١٥ أكتوبر ٢٠٠٧م

 


(١) أخرجه البخاريُّ في «الرِّقاق» باب التواضع (٦٥٠٢) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٢) أخرجه مسلمٌ في «الصيام» (١١٦٤) مِنْ حديثِ أبي أيُّوب الأنصاريِّ رضي الله عنه.

(٣) أخرجه أحمد (٢٢٤١٢) مِنْ حديثِ ثوبانَ رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الترغيب» (١٠٠٧).

(٤) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الصوم» باب: متى يُقْضَى قضاءُ رمضان (١٩٥٠)، ومسلمٌ في «الصيام» (١١٤٦).

(٥) مقصودُه: الروايةُ التي أخَّرَتْ فيها القضاءَ إلى شعبانَ لمانعِ الشغل بالنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.

(٦) «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ١٩١).

(٧) «زاد المعاد» لابن القيِّم (٢/ ٩٤)، وانظر الفتوى رقم: (٧١٢) الموسومة ﺑ: «في حكم تكرار العمرة» على الموقع الرسميِّ لفضيلة الشيخ أبي عبد المعزِّ محمَّد علي فركوس ـ حفظه الله ـ.