في حكم البدل الماليِّ على الفوز في المسابقات | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 19 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 18 سبتمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٧٨١

الصنف: فتاوى الحجِّ - أحكام الحجِّ

في حكم البدل الماليِّ على الفوز في المسابقات

السؤال:

تقوم بعضُ المؤسَّسات الإعلاميَّة بإجراءِ مسابَقاتٍ موسميَّةٍ يحصل فيها الفائزُ على نفقةٍ كاملةٍ لحجٍّ أو عمرةٍ، فما حكمُ المشارَكة فيها، مع العلم أنَّ الأسئلة المطروحة قد تكون متعلِّقةً بالأفلام أو الألعاب الرِّياضيَّة أو الموسيقى ونحوها؟

وما حكمُ حجِّ أو اعتمارِ الفائز في تلك المسابَقاتِ بمثلِ هذه الجائزة؟

وهل ينطبق الحكمُ على جميع المسابَقات التي تكون في أنواع العلوم: كالعلوم الشَّرعيَّة والعلومِ الكونيَّة ونحوِ ذلك؟ نريد تفصيلًا جزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فينبغي التفريق بين المسابَقات الدِّينية ذاتِ الجوائز الماليَّة التي يمنحها وُلَاةُ الأمورِ أو جمعيَّاتٌ خيريةٌ أو بعضُ المحسنين، وبين المسابَقات التي تنشرها المؤسَّساتُ الإعلامية؛ فإنَّ الصورة الأولى للمسابَقات منتظِمَةٌ وَفْقَ مقصودِ الشارع مِنْ إعداد العُدَّة الإيمانيَّة: مِنْ حفظ القرآن والسُّنَّة، وتحصيلِ المسائلِ العلميةِ الشرعية، وهي مُلْحَقةٌ بالمسابَقات التي حدَّدَها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بقوله: «لَا سَبَقَ إِلَّا فِي خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ أوْ نَصْلٍ»(١)، أي: ركوب الخيل والإبل والرماية، وكُلُّ ما فيه إعدادٌ للعُدَّة المادِّيَّة مِنْ وسائل الجهاد في سبيل الله وفي تقوية شوكةِ المسلمين؛ فيصحُّ السَّبَقُ في هذه المسابَقات؛ إذ كِلَا العُدَّتين ـ الإيمانية والمادِّية ـ مِنْ مطالبِ الشرعِ ومقاصدِه؛ لأنها وسائلُ لغايةٍ شرعيَّةٍ، و«الوَسَائِلُ لَهَا حُكْمُ المَقَاصِدِ».

لذلك فالجوائز المُباحة الممنوحة مِنَ المتبرِّعين لمصلحة الفائزين ـ تحقيقًا لهذا المبتغى ـ يجوز الانتفاعُ بها مُطلقًا، سواءٌ في حجٍّ أو عمرةٍ أو غيرِهما مِنْ غير حَرَجٍ.

أمَّا المسابَقات التي تنشرها المؤسَّساتُ الإعلاميَّة: مِنْ جرائدَ وصُحُفٍ ومَجلَّاتٍ ونحوِها، فلا تجوز المشارَكةُ فيها؛ لأنها تتضمَّن المُقامَرةَ والمَيْسِرَ؛ إذ المشارِكُ يدفع مالًا ولو زهيدًا لشراء الوسيلة الإعلاميَّة، في حينِ أنَّ المؤسَّسة الإعلاميَّة تحصل بترويج المسابَقات على زيادةِ كسبٍ وفضلِ دخلٍ متولِّدٍ عنها.

ومِنْ جهةٍ أخرى لا يتحقَّقُ بها مقصودُ الشارع، بل بالعكس تُضادُّه، حيث تتبلور مِنْ خلالِ جريان المسابَقات آثارُ الخلاعة والعري والتبرُّج، ومظاهرُ الفتنة بالترويج للأفلام، ونشرِ المَعازف والموسيقى، وغيرها مِنَ الأخلاق المُنافِية لدِينِنا الحنيف، وإِنْ وُجِدَ السَّليمُ منها فمغمورٌ في وسطٍ فاسدٍ، وكأنَّ إرادةً مفروضةً تعمل ـ بواسطةِ هذه الوسيلةِ الإعلامية ـ لتحطيم القِيَمِ الإسلامية، واستبدالِهَا بدناءةِ قِيَمِ الحضارة الغربية؛ لفصلِ الدِّين عن حياة المجتمع تحت تأثير العلمانيَّة التي يشهدها العالَمُ الإسلاميُّ اليومَ، في غفلةٍ مِنَ المغرورين مِنْ بني جِلْدتنا.

هذا، ولَمَّا كانَتِ «الوَسَائِلُ لَهَا حُكْمُ المَقَاصِدِ» فإنَّ الجوائز المعطاةَ بهذه الكيفيَّةِ لا يجوز الانتفاعُ بها للجهتين السابقتين؛ فمَنْ حَصَل على الجوائز بعد العلم بالمنع والكراهة فالواجبُ عليه أَنْ يتصدَّق بها أو يُنْفِقَ ثمنَها في وجوه البِرِّ؛ ذلك لأنَّ مِنْ شَرْطِ التوبةِ التخلُّصَ مِنَ المال الحرام، غيرَ أنَّ مَنْ حَجَّ بهذا المالِ فإنَّ حَجَّهُ صحيحٌ على أَرْجَحِ قَوْلَيِ العلماء، وتسقط به الفريضةُ، ولا تُشْغَلُ به ذِمَّتُهُ، وهو آثمٌ بفعلِ الحرام؛ لانفكاكِ جهةِ الأمر عن جهة النهي، ولا أَجْرَ له على حَجِّه؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰ[البقرة: ١٩٧]، ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا»(٢)؛ أمَّا قبل العلم بتحريمها فلا يَلْحَقُه إثمٌ لكونه معذورًا بالجهل؛ مصداقًا لقوله تعالى: ﴿فَمَن جَآءَهُۥ مَوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمۡرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ [البقرة: ٢٧٥].

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٤ شعبان ١٤٢٨ﻫ
الموافـق ﻟ: ٢٧ أوت ٢٠٠٧م

 


(١) أخرجه أبو داود في «الجهاد» بابٌ في السَّبَق (٢٥٧٤)، والترمذيُّ في «الجهاد» بابُ ما جاء في الرِّهان والسَّبَق (١٧٠٠)، والنسائيُّ في «الخيل» باب السَّبَق (٣٥٨٥)، وابنُ ماجه في «الجهاد» باب السَّبَق والرِّهان (٢٨٧٨)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه. والحديث حسَّنه البغويُّ في «شرح السنَّة» (٥/ ٥٣٥)، وصحَّحه ابنُ القطَّان في «الوهم والإيهام» (٥/ ٣٨٢)، وأحمد شاكر في تحقيقه ﻟ: «مسند أحمد» (١٣/ ٢٣٢)، والألبانيُّ في «الإرواء» (١٥٠٦)، والوادعيُّ في «الصحيح المسند» (١٤٠٨).

(٢) أخرجه مسلمٌ في «الزكاة» (١٠١٥) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.