في حكم عبارةِ «مَاكَتْبَتْشْ» المتداوَلة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 10 ربيع الآخر 1441 هـ الموافق لـ 07 ديسمبر 2019 م

الفتوى رقم: ٨٤٦

الصنف: فتاوى متنوِّعة - ألفاظٌ في الميزان

في حكم عبارةِ: «مَاكَتْبَتْشْ» المتداوَلة

السؤال:

انتشر على أَلْسِنَةِ كثيرٍ مِنَ الناسِ عبارةُ: «مَاكَتْبَتْشْ» («لم تُكْتَبْ»)، أي: لم يُكْتَبْ هذا الأمرُ عنده سبحانه؛ فهل هذه العبارةُ صحيحةٌ، أم أنها مُناقِضةٌ لعقيدةِ الإيمان بالقضاء والقَدَر؟ وجزاكم اللهُ خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاعْلَمْ أنَّ عِلْمَ اللهِ بكُلِّ شيءٍ قبل وجودِه أَزَلِيٌّ، ويعلمُ أعمالَ العِبادِ قبل أَنْ يعملوها، وقدَّرها لكُلِّ كائنٍ تقديرًا عامًّا شاملًا، وهو المكتوبُ في اللوح المحفوظ(١)؛ لذلك يجب الاعتقادُ الجازم بأنَّ الله تعالى قد كَتَبَ في اللوح المحفوظِ مقاديرَ كُلِّ الأشياء الدقيقة والجليلة، ما كان وما يكون إلى أَنْ تقوم الساعةُ، وليس منها شيءٌ غيرُ مكتوبٍ.

وممَّا سَبَق يتجلَّى أنَّ عبارةَ: «ماكتبتش» غيرُ صحيحةٍ إذا ما أُتِيَ بها في أمورٍ قد كانَتْ ووَقَعَتْ؛ لأنَّ الوقوع دليلٌ على أنه مكتوبٌ مُقدَّرٌ؛ فلو لم يكن كذلك لم يقع.

ولا يصحُّ إطلاقُ العبارة ـ أيضًا ـ بصيغةٍ مُستقبَليةٍ ـ أي: «ما تَتَّكْتَبْشْ» («لن تقع مُستقبَلًا») ـ فيما أخبر النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بوقوعه في المُستقبَلِ بأنه سيكون: مثل خروج الدابَّة والدجَّال ويأجوجَ ومأجوجَ، ونزولِ عيسى، وطلوعِ الشمس مِنْ مغربها، ونحوِها مِنَ المغيَّبات اللاحقةِ حقائقُها آخِرَ الزمان؛ فإنها مِنَ المكتوب المقدَّر قبل خَلْقِ السماوات والأرض بخمسين ألفَ سنةٍ كما صحَّ في حديثِ عبد الله بنِ عمرِو بنِ العاص رضي الله عنهما(٢)، ولا بُدَّ أَنْ تَقَع على مُرادِ الله تعالى في وقتها المُقدَّر لها، لا تتقدَّم عنه ولا تتأخَّر؛ فإنَّ ما شاء اللهُ إمَّا كان أو يكون.

أمَّا إطلاقُ العبارةِ السابقة فيما لم يَشَإِ اللهُ وقوعَه فصحيحةٌ؛ لأنَّ ما لم يَشَإِ اللهُ لم يكن؛ قال الطحاويُّ ـ رحمه الله ـ: «ونؤمن باللوح والقلم، وبجميعِ ما فيه قد رُقِم؛ فلو اجتمع الخَلْقُ كُلُّهم على شيءٍ كَتَبه اللهُ تعالى فيه أنه كائنٌ ليجعلوه غيرَ كائنٍ لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا كُلُّهم على شيءٍ لم يكتبه اللهُ تعالى فيه ليجعلوه كائنًا لم يَقْدِروا عليه، جفَّ القلمُ بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة، وما أخطأ العبدَ لم يكن ليُصيبَه، وما أصابه لم يكن ليُخْطِئه»(٣). ومِنَ الأدلَّةِ الشرعية التي تُؤكِّدُ هذا المعنى: قولُه تعالى: ﴿أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَٰبٍۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ٧٠[الحج]، وقولُه تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ ٤٩[القمر]، وقولُه تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ أَن نَّبۡرَأَهَآ[الحديد: ٢٢]، وقولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ القَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، قَالَ: رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ»(٤)، وقولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ»(٥)، وقولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «جَفَّ القَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ»(٦).

وتفريعًا عليه، فالواجبُ على المسلمِ الإيمانُ الجازمُ بما قدَّرَهُ اللهُ وقَضَاهُ وكَتَبه في اللوح المحفوظ، وهو مِنَ الغيب الذي لا يعلمه إلَّا اللهُ؛ فمَنْ أَنْكَرَ شيئًا مِنْ ذلك لم يكن مُؤْمِنًا؛ لاختلالِ ركنٍ مِنَ الإيمانِ الخاصِّ، وأمَّا عبارةُ: «ماكتبتش» أو «ما تتكتبش»، ففيها التفصيلُ السابق، ولا يجوز إطلاقُها ـ بحالٍ ـ على ما كان أو سيكون؛ لأنَّ ما شاء اللهُ كان وما لم يَشَأْ لم يكن؛ فإنَّ في العبارةِ السابقةِ ـ بهذا الاعتبارِ ـ مساسًا بعقيدة الإيمان بالقضاء والقَدَر.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٣٠ مِنْ ذي القعدة ١٤٢٨ﻫ
الموافق ﻟ: ١٠ ديسمبر ٢٠٠٧م

 


(١) وللتقدير العامِّ تقديرٌ مُفصَّلٌ كالتقدير العُمُريِّ أو الكتابة العُمُرية: التي تكون للجنين في بطنِ أُمِّهِ، فيُكْتَبُ فيها أَجَلُه ورِزْقُه وعَمَلُه وشقاوتُه أو سعادتُه، كما ثَبَتَ ذلك مِنْ حديثِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه، والتقديرِ الحوليِّ: وهو ما يُقَدَّرُ في ليلةِ القَدْرِ مِنْ حوادِثِ السَّنَةِ ووقائِعِ العام؛ قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفۡرَقُ كُلُّ أَمۡرٍ حَكِيمٍ ٤ أَمۡرٗا مِّنۡ عِندِنَآۚ إِنَّا كُنَّا مُرۡسِلِينَ ٥[الدخان]، والتقديرِ اليوميِّ: وهو ما يُقَدَّرُ مِنْ وقائعِ اليومِ مِنْ مرضٍ ومُعافاةٍ وموتٍ وحياةٍ، وعِزٍّ وذُلٍّ ونحوِ ذلك، قال تعالى: ﴿كُلَّ يَوۡمٍ هُوَ فِي شَأۡنٖ ٢٩[الرحمن].

(٢) انظر الحديثَ الذي أخرجه مسلمٌ في «القَدَر» (٢٦٥٣) مِنْ حديثِ عبد الله بنِ عمرِو بنِ العاص رضي الله عنهما.

(٣) «العقيدة الطحاوية» (٢٩٢ وما بعدها).

(٤) أخرجه أبو داود في «السنَّة» بابٌ في القَدَر (٤٧٠٠)، والترمذيُّ في «القَدَر» (٢١٥٥) وفي «التفسير» باب: ومِنْ سورةِ «ن» (٣٣١٩)، مِنْ حديثِ عبادة بنِ الصامت رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٢٠١٨).

(٥) جزءٌ مِنْ حديثٍ أخرجه أحمد (٦٨٥٤) مِنْ حديثِ عبد الله بنِ عمرو بنِ العاص رضي الله عنهما. وصحَّحه محقِّقو طبعةِ الرسالة (١١/ ٤٤٢)، والألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٣/ ٦٤) عند الحديث رقم: (١٠٧٦).

وجزءٌ ـ أيضًا ـ مِنْ حديثٍ أخرجه أحمد (٢٨٠٣) مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. وصحَّحه محقِّقو طبعةِ الرسالة (٥/ ١٩). ولفظُ الترمذيِّ في «صفة القيامة والرقائق والورع» (٢٥١٦): «رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ». وصحَّحه الألبانيُّ في «مشكاة المصابيح» (٥٣٠٢).

(٦) جزءٌ مِنْ حديثٍ أخرجه البخاريُّ في «النكاح» بابُ ما يُكْرَه مِنَ التبتُّل والخِصاء (٥٠٧٦) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.